|
|
|
|||
|
||||
|
|
|
||
|
#121
|
|||
|
|||
|
الباب الخامس: الموسيقى والرقص والجماعات اليهودية
الموسيقى اليهودية Jewish Music « الموسيقى اليهودية» عبارة تفترض وجود أشكال موسيقية خاصة مقصورة على أعضاء الجماعات اليهودية، ذات سمات وخصائص يهودية معيَّنة تتَّسم بها هذه الموسيقى أينما وُجد أعضاء الجماعات اليهودية وتميِّزها عن غيرها من موسيقى الشعوب. وهذه العبارة ليست لها أية قيمة تفسيرية أو تصنيفية، إذ ليس من المعروف أن أعضاء الجماعات اليهودية كان لهم موسيقى أو آلات موسيقية مستمدة من محيطهم الحضاري. وقد حاول كورت ساخس (أحد أساتذة علم الموسيقى الإثنية البارزين) وَصْف الموسيقى اليهودية خلال المؤتمر الأول للموسيقى اليهودية الذي انعقد في باريس عام 1957، فقال: « إنها الموسيقى التي يلحنها اليهود لليهود باعتبارهم يهوداً »، وهذا الوصف لا يضع معياراً لتحديد مدى «يهودية» أية قطعة موسيقية سوى الأصل أو العقيدة اليهودية دون اعتبار للشكل أو المضمون أو البناء الموسيقي لها، ويحاول إيجاد مظلة فضفاضة تضم تحتها تراث الجماعات اليهودية المختلفة الموسيقي المتنوع والمتباين. فهل يجوز مثلاً تصنيف سيمفونيات الموسيقار الألماني الرومانسي فليكس مندلسن، والطقاطيق الشرقية للموسيقار المصري داود حسني باعتبارها «موسيقى يهودية» لأن كلاًّ من الملحنين يهودي أو من أصل يهودي؟ وهل يجوز اعتبار الموسيقى التي تُرتَّل أو تُنشَد في المعابد اليهودية موسيقى يهودية رغم أن ألحانها قد تكون ألحاناً سلافية أو ألمانية أو عربية؟ وإذا أضفنا إلى هذا صعوبة (بل واستحالة) تعريف من هو اليهودي ـ الركيزة النهائية لتعريف ساخس ـ فإن الحديث عن «موسيقى يهودية» يصبح أمراً مستحيلاً. وأكدت الدراسات المختلفة لما يُسمَّى «الموسيقى اليهودية»، سواء أكانت موسيقى دينية أم شعبية أم فناً موسيقياً رفيعاً، أن هذه الموسيقى تعدَّدت وتنوَّعت أشكالها وألحانها ولغتها من جماعة يهودية إلى جماعـة يهوديـة أخرى، ومن مرحلة تاريخيـة إلى مرحلة تاريخية أخرى، وعبَّرت عن التقاليد الموسيقية والقيم الجمالية السائـدة في المجتمـعات التـي عـاش بينــها أعضاء الجماعات اليهودية. ويؤكد لنا العَالم والمؤلف الموسيقيّ الأمريكي اليهودي هوجو ويزجال ذلك، فيقول: « لا تُوجَد أية مواصفات أو سمات محدَّدة أو موضوعية تجعل قطعة موسيقية يهودية أو غير يهودية ». ولذلك، فإن عبارة «موسيقى يهودية»، مثلها مثل عبارات «ثقافة يهودية» و«فن يهودي» و«تاريخ يهودي»، تحاول افتراض نوع من الوحدة والاستمرارية، بينما لا تُوجَد مثل هذه الوحدة أو الاستمرارية. ولهذا السبب، فنحن لا نتحدث عن «موسيقى يهودية»، وإنما عن «موسيقى الجماعات اليهودية». موســيقى الجماعــــات اليهوديــة Music of the Jewish Communities يضم العهد القديم إشارات عديدة إلى استخدام الموسيقى في الطقوس والعبادات اليهودية القديمة. وقد اقتبس العبرانيون الكثير من التراث الموسيقي في بابل ومن التراث الكنعاني والمصري والهيليني. واحتلت الموسيقى مكانة مهمة في الطقوس الدينية للهيكل، وكان يضطلع بها اللاويون، وكانت تجمع بين الغناء والعزف على الآلات الموسيقية. أما بعد هدم الهيكل (عام 70 ميلادية)، فقد بدأ ظهور الموسيقى الدينية التي تُرتَّل أو تُنشَد في المعابد اليهودية، وتم تحريم استخدام الآلات الموسيقية فيها إلى أن يأتي الماشيَّح، كما اعتبر صوت المرأة غير محتشم وغير لائق للإنشاد الديني في المعبد. وكان يتم ترتيل المزامير على وتيرة واحدة وعلى لحن بسيط، وكانت تُرتَّل عن طريق منشد منفرد، أو من خلال التبادل الصوتي بين المنشد المنفرد ومجموعة المصلين. كما كانت تتم قراءة أو تلاوة العهد القديم بتنغيم بسيط. وفي القرن السادس، تم إدخال الترنيمة الدينية التي عُرفت باسم «بيوط». ومع ظهور هذه الترنيمة، تطوَّر دور المنشد الديني (حازان) الذي كان يقوم بتلحين كلمات الترنيمة إلى جانب إنشادها. وتميَّز أسلوب الإنشاد بالإرتجال والتموجات الصوتية والزخارف اللحنية. وكانت الألحان تُتوارث من خلال النقل الشفوي، ولم تبدأ عملية تدوينها إلا في القرن السـادس عشـر بين بعـض الجماعات الإشكنازية والسفاردية. والتراث والرصيد الموسيقي المختلف للجماعات اليهودية (سواء الجماعات الشرقية والسفاردية في العالم العربي الإسلامي أو الجماعات السفاردية التي استقرت في أوربا بعد طردها من إسبانيا في القرن الخامس عشر أو الجماعات الإشكنازية في غرب وشرق أوربا) تَشكَّل من خلال البيئة الثقافية التي وُجدت فيها كل جماعة على حدة. فبعد أن وصلت الفتوحات الإسلامية إلى الأندلس في القرن الثامن، بدأت الأوزان تُستخدَم في الشعر العبري. وبحلول القرن العاشر، كانت الأوزان والمقامات والألحان العربية تُستخدَم في ترتيل وإنشاد الترانيم والمزامير في المعابد اليهودية في العراق وسوريا والمغرب والأندلس. وأصبح العهد القديم يُرتَّل على مقام سيجا، وأصبحت الأناشيد والترانيم المخصصة للأعياد والمناسبات السعيدة تُرتَّل على مقام عجم، كما أصبحت تلك المخصصة للأعياد الحزينة مثل العاشر من آب أو المخصصة للجنازات تُرتَّل على مقام حجاز. وزاد الاقتباس من ألحان المجتمعات العربية الإسلامية المحيطة مع نمو النزعات القبَّالية خلال القرن السادس عشر في فلسطين،والتي أعطت للموسيقى والغناء مكانة مهمة باعتبارهمـا أداتين للتـعبير عن حب الإله وبلـوغ مراحل من الشفافية الروحية. وقد وضع إسحق لوريا وإسرائيل نادجارا أشعارهما الدينية على أنغام وألحان عربية وتركية وأندلسية،وكان نادجارا أول من خصَّص مقاماً لكل قصيدة ونَظَم الترانيم التي كتبها في ديوان من اثنى عشر مقاماً. واستخدمت الجماعات اليهودية الشرقية السلم الموسيقي العربي الذي ينقسم إلى أربعة أرباع الدرجة ويضم أربعة وعشرين صوتاً، في حين استخدمت الجماعات الإشكنازية في أوربا السلم الغربي الذي ينقسم إلى أنصاف الدرجة ويضم اثنى عشر صوتاً فقط. كما استخدم اليهود الشرقيون في أغانيهم هيكل الأغنية الشرقية الذي يعتمد على التتراكورد، وهو تَسلسُل أربعة أنغام مجموع أبعادها يساوي مسافة رابعة. أما الجماعات الإشكنازية، فاعتمدت على هيكل الأغنية الغربية الذي يعتمد على ثلاثة أنغام يفصل بين كل منها نغمة كاملة. ومازالت بعض الجماعات السفاردية في إيطاليا وبعض مناطق فرنسا تستخدم التتراكورد. كما استخدمت الجماعات الإشكنازية المقامات الغربية التي تضم نوعين فقط؛ مقام كبير ومقام صغير، في حين تكثُر في الموسيقى الشرقية المقامات والأوزان.كما تميَّز غناء الجماعات الشرقية بالطابع الشرقي الذي تســوده الجمل الموســيقية القصيرة والارتجال والزخارف اللحنية. وظهر في العصر الأموي والعباسي (الأول والثاني)، على المستوى الشعبي، الشعراء المغنون المتجولون الذين ضموا في صفوفهم يهوداً اقتبسوا عن الشعراء العرب قواعد ممارسة فن الموسيقى والغناء، وعزفوا موسيقاهم وألقوا أشعارهم في القرى والمدن، وأيضاً في قصور الأمراء والخلفاء المسلمين. وكانوا بذلك، عاملاً مهماً في نقل الألحان والأساليب الموسيقية المحلية إلى الجماعات اليهودية، وفي تشكيل ذوقهم الموسيقي. كما كوَّن الموسيقيون الشعبيون من اليهود، وخصوصاً في المغرب العربي وفي تركيا، فرقاً موسيقية شرقية كان لبعضها صيت واسع. وفي إستنبول، كان الموسيقيون اليهود يُشكِّلون 5,6% من إجمالي الحرفيين المسجلين لدى الجماعة اليهودية في المدينة عام 1856. كما ضمت صفوف الموسيقيين والملحنين الأتراك البارزين يهوداً، خصوصاً في خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر. وفي أوربا، لعب الموسيقيون الشعبيون والمتجولون اليهود دوراً مماثلاً في نقل التراث الموسيقي الشعبي الأوربي إلى أعضاء الجماعات اليهودية خلال القرون الوسطى. واقتبست الجماعات اليهودية الإشكنازية كثيراً من ألحان ترانيمها ومزاميرها من الألحان الشعبية الأوربية. فلحن «ماوز تزور» هو الترنيمة الخاصة بعيد التدشين (حانوكاه) والذي أُخذ من لحنين شعبيين ألمانيين من القرن السادس عشر أحدهما لحن ديني لوثري، والآخر لحن أغنية للحرب. وترنيمة عيد الفصح «أدير هو» مأخوذة من لحن ألماني من القرن السابع عشر يُستخدَم أيضاً في الكنيسة المسيحية. كما أن اللحن الذي يصاحب دعاء كل النذور مقتبس من الألحان الدينية المسيحية من مدرسة دير سانت جول الغنائية بسويسرا (والتي تعود إلى القرن الحادي عشر). كما نجد أيضاً أن لحن ترنيمـة «يجـدال» الذي اتخذتـه الحركة الصهيونيـة، ثم إسرائيل من بعدها،كنشيد قومي (نشيد الهاتيكفاه، أي الأمل)، اقتُبس من الألحان الشعبية السلافية والبولندية. ورغم أن الجماعات السفاردية احتفظت ببعض الملامح الشرقية في موسـيقاها الدينيـة، إلا أنها سـرعان ما تطبعت بالتراث الموسيقي المحيط. واقتبس السفارد الكثير من الألحان الأوربية من بينها لحن مزمور «شيرا» الذي أُخذ عن لحن شعبي من القرن الخامس عشر يُسمَّى «لوم آراميه». واستُخدم هذا اللحن نفسه في الموسيقى الخاصة بأكثر من 30 قداساً مسيحياً. كما استخدم السفارد شكل الكانتاتا الغنائي للاحتفال ببعض الأعياد والمناسبات السعيدة. وخلال عصر النهضة، بدأ ظهور موسيقيين يهود في الغرب، خصوصاً في إيطاليا، حيث جسدت موسيقاهم التراث الموسيقي والأشكال الموسيقية السائدة في ذلك العصر، مثل المادريجال، وهي القصيدة الغزلية القصيرة. وقد دعا الحاخام جودا موسكاتا (المُتوفي عام 1590) حاخام بلدة مانتوا الإيطالية إلى ضرورة دراسة علم الموسيقى كجزء من الدراسات اليهودية. كما زاد الاتجاه نحو تبنِّي عناصر الموسيقى الغربية، مثل تعدُّد الأصوات (البوليفوني) وتآلفها (الهارموني)، في الغناء والإنشاد الديني اليهوديين. وتأسَّست جمعية موسيقية يهودية في مانتوا، وجرت محاولات لإدخال الآلات الموسيقية إلى المعبد، ولكن دون جدوى (بسبب معارضة الحاخامات). وكان سالومون روسي (حوالي 1565 ـ حوالي 1630) من أبرز الموسيقيين اليهود في ذلك العصر، وكان أول من أدخل الغناء الكورالي الذي يعتمد على تعدُّد الأصوات إلى موسيقى المعبد اليهودي. كما كانت له مساهمات مهمة في مجال تطوير موسيقى الحجرة. أما الجمـاعات اليهودية الإشـكنازية في شرق أوربا (يهود اليديشية)، فتميَّزت موسيقاهم بطابعها الخاص، ويُقال إن جذورها تعود إلى يهود الخزر ويهود بيزنطة، وإن كان ذلك غير مؤكد. ولكن المؤكَّد أنها قد تأثرت بموسيقى المجتمعات السلافية المحيطة بهؤلاء اليهود سواء من حيث اللحن أو من ناحية الإيقاع. وقد انعكس تأثير الحركة الحسيدية التي بدأت تظهر في منتصف القرن الثامن عشر على الموسيقى الدينية. وقد احتلت الموسيقى لدى الحسيديين مكانة مهمة باعتبارها وسيلة اتصال بين الروح البشرية والإله، حيث لم يترددوا في اقتباس كثير من الألحان الشعبية السلافية لترانيمهم الدينية عملاً بالمقولة الحسيدية القائلة بضرورة «إنقاذ الألحان العلمانية من الشيطان ». كما ظهرت بين يهود اليديشية في القرن السادس عشر فئة من الموسيقيين المتجولين الذين يعزفون على الآلات الموسيقية، كانوا يطوفون المدن والقرى بآلاتهم الموسيقية لإحياء الأعياد والأفراح اليهودية وغير اليهودية. وقد أخذت ألحانهم الكثير من الألحان البولندية والمجرية والروسية والأوكرانية والرومانية والغجرية. وكانت لهم نقابات خاصة بهم. وحقَّق بعضهم شهرة واسعة بين اليهود وغير اليهود بفضل مهارتهم في العزف، كما نالوا إعجاب بعض كبار موسيقيي القرن التاسع عشر. ومع انعتاق الجماعات اليهودية في أوربا، خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وتزايد اندماجهم في مجتمعاتهم الأوربية، أصبح من الطبيعي احتكاك قطاعات أوسع من أعضاء الجماعات بالقيادات الموسيقية السائدة في عصرهم واكتسابهم واستيعابهم لغتها وأشكالها وأساليبها. وفي ظل هذا التطور، كان حدوث تغيُّرات في شكل وتقاليد الموسيقى الدينية للمعابد اليهودية حتمياً حتى بين الطوائف الأرثوذكسية التي كانت ترفض أي تغييرفي الطقوس الدينية، الأمر الذي أثار كثيراً من الجدل في حينها. فدخلت آلة الأرغن الموسيقية إلى المعبد اليهودي، وكانت المعابد الإصلاحية في ألمانيا أول من بادر بذلك، كما اتجهت إلى ترتيل الترانيم باللغة الألمانية واقتباس ألحان بعض الترانيم البروتستانتية الشهيرة. كما تم إدخال فرق الكورال التي تضم رجالاً ونساءً بشكل دائم في بعض المعابد. وقد استخدم كثير من المنشدين أسلوب الغناء الأوبرالي في الإنشاد، ولم يكن غريباً أن يجمع كثير منهم بين الإنشاد الديني في المعبد والغناء الأوبرالي خارجه. وكان ذلك يثير أحياناً اعتراض رجال الدين اليهودي، حيث تعرَّض أحد منشدي معبد لندن الكبير، وهو مايير ليوني (1740 ـ 1798)، للطرد بعد أن أصر على الاشتراك في «أوبرا المسيح» لهاندل. وتَرَك كثير من المنشدين المعابد، وانخرطوا في الحياة الموسيقية العامة. وكانت فيينا، مهد كبار الموسيقيين أمثال هايدن وبيتهوفن وموزار وشوبرت، مركزاً مهماً من المراكز التي شهدت هذه التحولات. وكان من أبرز المجددين اليهود في ذلك العصر (1804 ـ 1890) الملحن الموسيقي وكبير منشدي الجماعة اليهودية في فيينا سولومون سولزر، الذي أدخل تعديلات مهمة على الأداء الموسيقي في المعبد اليهودي، خصوصاً موسيقى وفرق الكورال، واستعان بالخبرات الموسيقية لشوبرت وغيره من الملحنين غير اليهود في تلحين عمله الكبير «أغنية صهيون». وقد تتلمذ على يدي سولزر كثير من منشدي الجماعات اليهودية في شرق أوربا الذين أثروا بدورهم في التقاليد الموسيقية للمعابد اليديشية. وشهد القرنان التاسع عشر والعشرون صعود عدد غير قليل من الملحنين الموسيقيين اليهود احتل بعضهم مكانة متميِّزة في التاريخ الموسيقي الغربي. ونظراً لأن التلحين الموسيقي ظل خاضعاً لفترات طويلة لرعاية الكنيسة المسيحية والنبلاء، لم يجد أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا مجال التلحين الموسيقي متاحاً أمامهم. ومع انعتاق اليهود، وتزايُد معدلات العلمنة والليبرالية في القرن الثامن عشر، وصعود الطبقات الوسطى، وانتشار الحفلات الموسيقية العامة، اتسعت فرص ومجالات التلحين الموسيقي أمام الموسيقيين اليهود. ويُعَدُّ فيلكس مندلسن (1809 - 1847) أول ملحن موسيقيّ بارز من أصل يهودي منذ عصر النهضة في الغرب، وجسَّدت مؤلفاته التراث الرومانسي السائد في عصره. وكان مندلسن، وهو حفيد موسى مندلسن مؤسِّس حركة التنوير اليهودية، يمثل طبقة أثرياء اليهود الذين اندمجوا تماماً في محيطهم الثقافي الألماني. وتُعتبَر أعمال الموسيقار الألماني جوستاف ماهلر (1860 ـ 1911) من تراث المرحلة الرومانسية المتأخرة. أما الموسيقار النمساوي المولد الأمريكي الجنسية أرنولد شونبرج (1874 ـ 1951)، فهو أحد الموسيقيين والملحنين البارزين في القرن العشرين، وهو الذي طوَّر نظاماً جديداً للتأليف الموسيقي (نظام الاثنتي عشرة نغمة). وتُعتبَر مؤلفاته السريالية جزءاً من تراث مرحلة ما بعد الرومانسية. وقد اعتنق كلٌّ من مندلسون وجوستاف ماهلر وأرنولد شـونبرج الدين المسيحي، لكن شونبرج عاد إلى اليهودية في أواخر حياته. وفي الولايات المتحدة، احتل الموسيقيون اليهود مكانة متميِّزة في مجال الموسيقى الشعبية الأمريكية، خصوصاً موسيقى المسرح الاستعراضي الغنائي (برودواي) والموسيقى التصويرية للأفلام، والموسيقى الخفيفة، وكانوا من العناصر الرائدة فيها. أما الموسيقيون اليهود الذين جاءوا إلى الولايات المتحدة قادمين من شرق أوربا حاملين معهم تراث الموسيقيين الشعبيين في هذه البلاد، فوجدوا فرصاً أوسع للعمل في المجال الموسيقي، خصوصاً في المجالات التي لا تزال تُعتبَر حديثة مثل المسرح الاستعراضي وموسيقى الأفلام والموسيقى الخفيفة. ومن أهم الموسيقيين الأمريكيين في هذا المجال، جورج جيرشوين (1898 ـ 1937)، الذي لحن الكثير من موسيقى المسرح الاستعراضي الغنائي. ويُعَدُّ أهم أعماله «بورجي وبس» محاولة للجمع بين موسيقى الجاز والموسيقى الشعبية للزنوج في إطار أوبرالي. وتفوَّق أعضاء الجماعات اليهودية أكثر في مجال العزف، سواء من حيث عدد العازفين أو مستوى أدائهم. أما في مجال التأليف الموسيقيّ، فلم يكن الأمر كذلك رغم وجود عدد من الملحنين اليهود في القرن التاسع عشر والقرن العشرين. ويرجع السبب في ذلك إلى أن فرصة اقتحام مجال التلحين لم تُتَح لأعضاء الجماعات اليهودية بشكل واسع إلا منذ مائتي عام، في حين كان هناك رصيد من العازفين الشعبيين المهرة، وخصوصاً في شرق أوربا، والذين تميَّزوا في العزف على آلة الكمان. وبالفعل، حقَّق عازفو الكمان من اليهود، من أمثال يوسف يواقيم (1831 ـ 1907)، درجة رفيعة في العزف والأداء الموسيقيّ. وبعد أن اكتسبت آلة البيانو شعبية بين الطبقات المتوسطة الأوربية، انضم الموسيقيون اليهود إلى قائمة العازفين المتميِّزين على البيانو، ويعد أنطون روبنشتاين (1829 ـ 1894) من أعظم عازفي البيانو في القرن التاسع عشر. ومن أشهر عازفي الكمان في الوقت الحاضر يهودي مينوهين. وقد جرت محاولات، من جانب أعضاء الجماعات اليهودية ومن جانب المعادين لليهود، لتحديد ما يتصورونه سمات مميَّزة لمؤلفات وأعمال الموسيقيين اليهود. وقد كان الموسيقار ريتشارد فاجنر من أشهر من اتجهوا إلى مثل هذا الاتجاه، فكان ينسب إلى الموسقيين اليهود بعض السمات والخصائص الفنية السلبية والمدمرة. وفي مقاله «اليهود في الموسيقى» (عام 1850) هاجم فاجنر بكل شدة فيلكس مندلسن وغيره من الموسيقيين اليهود بشكل عام. وتبنَّى النازيون آراء فاجنر الذي نال شعبية في عهدهم. وقد ذكر النازي ريتشار إيخيناو في الموسيقى والجنس أن الملحنين والموسيقيين اليهود يُشكِّلون عنصراً مدمراً لأنهم يمثلون الاتجاهات الراديكالية في الموسيقى. ومما يُذكَر أن أعمال فاجنر الموسيقية ممنوعة في إسرائيل. ومن جهة أخرى، حاول البعض وصف الأعمال الموسيقية للملحنين اليهود بأنها تمثل جمال « الفن العبري » وتتميَّز بالانفعالات العاطفية المتطرفة والمبالغة، كما تعبِّر عن أعماق الروح. وهذا الاتجاه، سواء الذي يبحث عن سمات مدمرة أو ذلك الذي يبحث عن سمات متميِّزة لأعمال الموسيقيين اليهود ليس ذا قيمة تفسيرية عالية. فإذا أمكننا وصف أعمال شونبرج بالراديكالية، فهذا لا ينطبق على غيره من الموسيقيين اليهود مثل ماهلر وغيره. وإذا كانت بعض الصفات السابق ذكرها يمكن أن تنطبق أيضاً على موسيقيين من غير اليهود مثل تشايكوفسكي وموسورسكي وفاجنر وبرامز، فإن معنى ذلك أنه ليست هناك أية سمات خاصة، تُميِّز أعمال الموسيقيين اليهود وتعزلها عن أعمال غيرهم من الموسيقيين. وكما تعدَّدت وتنوعت موسيقى أعضاء الجماعات اليهودية من تشكيل حضاري إلى آخر، تعدَّدت وتنوعت داخل كل تشكيل حضاري على حدة من مرحلة تاريخية إلى أخرى، ومن مدرسة موسيقية إلى أخرى. ولذا، فإننا نجد بين الموسيقيين اليهود (الكلاسيكيين والرومانسيين والراديكاليين والمحافظين) العاطفيين أو العقلانيين. هيرمان ليفـي (1839-1900) Herman Levy موسيقيّ ألماني يهودي وُلد في ألمانيا حيث كان والده حاخاماً. تلقَّى تعليمه الموسيقي في ليبزج، كما درس على أيدي بعض الموسيقيين الألمان الكبار. لم يبرز في التأليف الموسيقيّ، ولكنه أصبح قائد أوركسترا مرموقاً واستقر منذ عام 1872 وحتى وفاته في ميونخ التي كانت تُعَدُّ آنذاك العاصمة الثقافية لألمانيا. وتميَّز ليفي بتشجيعه الموسيقيين المغمورين والجدد وبإقدامه على تقديم مؤلفاتهم الموسيقية والتي فتحت لبعضهم أبواب الشهرة. ويُعَدُّ ليفي نموذجاً لليهودي الكاره لنفسه، فقد كان مندمجاً تماماً في المجتمع الألماني وعضواً في النخبة الثقافية الألمانية، راودته مسألة اعتناق المسيحية ولكنه لم يُقدم على ذلك أبداً، كما كان شديد الاعتزاز بألمانيته. وفي عام 1864، رفض السفر للعمل في باريس قائلاً إنه كموسيقي متوحِّد قلباً وقالباً مع وطنه الألماني لا يمكنه أن يعمل في فرنسا. وكان ليفـي يذهـب إلى أن الفنان اليهودي، مثل غيره من الفنانين، قادر على الوصول إلى مستويات رفيعة من الأداء الفني ولكنه غير قادر على إبداع أو على إنتاج عمل يُكتَب له الخلود. كما كان ليفي من أشد المعجبين بالموسيقار ريتشارد فاجنر ومن المقربين إليه، وامتدح بحثه الذي نُشر تحت عنوان «اليهود في الموسيقى» والذي تضمن هجوماً لاذعاً على اليهود، وكان من أهم قادة الأوركسترا الذين قدموا مؤلفاته. وحاول فاجنر، دون جدوى، دفع ليفي إلى اعتناق المسيحية عندما اختاره ليكون أول من يقود عمله الموسيقي الكبير «بارسيفال». لكن العلاقة بينهما توترت عندما تلقَّى فاجنر خطاباً من مجهول يدين قيام يهودي بقيادة عمل موسيقي ذي مضمون مسيحي واضح ويتهم ليفي بالتورط في علاقة آثمة مع زوجة فاجنر. واضطر ليفي للاستقالة من منصبه في مسرح البلاط الملكي في ميونخ. ولكن كان لتدخُّل ملك بافاريا (لودفيج الثاني) في الأمر دور في إعادة الوفاق بين الرجلين، وقام ليفي بقيادة «بارسيفال» عام 1882. داود حســـني (1870-1937) Dawod Husni ملحِّن وموسيقيّ مصري يهودي. وُلد في القاهرة، وكان والده يشتغل بصياغة الحليّ وكانت والدته أعرابية الأصل. في صباه، كان داود حسني من أبرز أعضاء فرقة الأناشيد الدينية بمدرسته. وانتقل داود حسني في سن مبكرة إلى المنصورة حيث درس الموسيقى الشرقية والـعزف على العـود، وعاد إلى القـاهرة ليعمل مطرباً. وفي سن العشرين، بدأت تتضح موهبته في مجال التلحين حيث قام بتلحين بعض الأدوار والطقاطيق والقصائد للمطربين. ويُعَدُّ داود حسني من أهم الموسيقيين المصريين، يُقرَن اسمه بموسيقيين من أمثال سيد درويش وكامل الخلعي حيث لعب دوراً بارزاً في نهضة الموسيقى في مصر وفي إثرائها في العقود الأولى من القرن العشرين. وتميَّز دور داود حسني بشكل خاص في المسرح الغنائي المصري حيث لحَّن كثيراً من المسرحيات الغنائية، وكان أول من قام بتلحين أوبرا مصرية هي «شمشون ودليلة»، كما لحن أوبرا أخرى هي «ليلة كليوباترا» التي ألفها حسين فوزي. وتعلَّم على يديه كثير من المطربين والمطربات الذين حققوا شهرة واسعة فيما بعد مثل أم كلثوم وأسمهان. وتقوم الإذاعة الإسرائيلية بالإشارة إلى داود حسني باعتباره موسيقاراً يهودياً، وهو أمر يستحق التأمل دون شك إذ أننا لو حاولنا البحث عن أي بُعد يهودي في موسيقاه لأعيتنا الحيلة. ولذا، يُدهش كثير من المصريين الذين يعرفون أغانيه وأدواره، كما يُدهش كثير من المتخصصين الذين درسوا موسيقاه، حينما يعرفون أنه «يهودي». ومن ناحية أخرى، فإنه رغم تميُّزه داخل الحضارة العربية الحديثة، ورغم ذيوع صيته، فإن كثيراً من الموسوعات والدراسات التي تتناول ما يُسمَّى «الثقافة اليهودية» لا تذكر اسمه، فالثقافة اليهودية عادةً ما تعني عندهم الثقافة اليديشية أو ثقافة يهود العالم الغربي. الرقص والرقصـات اليهودية Jewish Dance and Dances عبارة «الرقص اليهودي» أو حتى «الرقصات اليهودية» تفترض وجود أساليب في الرقص ورقصات بعينها مقصورة على أعضاء الجماعات اليهودية، وهو الأمر الذي لم ينجح أحد في إثباته، ولذا فنحن نُسقط مثل هذه العبارات لأن مقدرتها التفسيرية والتصنيفية ضعيفة بل ومنعدمة، ونفضل أن نستخدم بدلاً من ذلك عبارة «رقصات الجماعات اليهودية». رقصـــات الجماعــــات اليهوديــــة Dances of the Jewish Communities يُعتبَر الرقص واحداً من أقدم الفنون على الإطلاق. عرفته جميع الأقوام والشعوب على مر العصور كجزء من طقوسها الدينية أو احتفالاتها الاجتماعية. ويوضح لنا كلٌّ من العهد القديم والتلمود ارتباط كثير من الرقصات باحتفالات وطقوس العبرانيين في التاريخ القديم، وهي رقصات لم تختلف كثيراً في شكلها أو حركاتها أو أسلوب أدائها عن الرقصات السائدة بين الشعوب المحيطة بهم في تلك العصور. وبالنسبة إلى الجماعات اليهودية، فإننا نجد أن هناك أهمية خاصة للرقص في حياتها سواء من الناحية الدينية أو من الناحية الاجتماعية، كما نجد أن أشكال الرقصات التي انتشرت بينهم وأسلوب أدائها تختلف من جماعة إلى أخرى ومن عصر إلى آخر وأنها اعتمدت بالدرجة الأولى على تقاليد المجتمعات التي عاش أعضاء الجماعات اليهودية بينها وعلى التراث الفني الثقافي لهذه المجتمعات. وعرف اليهود القدامى الرقص كجزء من طقوسهم وشعائرهم الدينية وللاحتفال بالمناسبات العديدة، مثل الانتصارات العسكرية والزواج ومواسم الحصاد. ويضم العهد القديم أحد عشر جذراً من جذور الأفعال التي تُستخدَم لوصف الرقصات والحركات الخاصة بها وأسلوب أدائها مثل الوثب والركض والدوران وغيرها. وقد استُخدمت الأفعال المأخوذة من هذه الجذور في وصف المواكب والرقصات التي كانت تتم أمام تابوت العهد. كما كانت هناك رقصات تتم في شكل حلقات، ويُرجَّح أنها كانت خاصة بالنساء. وكما أن كلمة «الرقص» كانت تحمل عند الآشوريين معنى الابتهاج، كذلك ارتبطت كلمة «حاج» العبرية التي تعني أيضاً «الابتهاج أو الاحتفال» بثلاثة أعياد يشكل الرقص فيها جزءاً أساسياً من مراسم الاحتفال، وهي: عيد الفصح وعيد الأسابيع وعيد الحصاد. والرقص، مثل الغناء، كان يُستخدَم لتمجيد الرب أو الإله، فكان داود يدعو شعبه لتمجيد الرب « بالدفوف والرقص ». كما أن كثيراً من أنبياء جماعة يسرائيل كانوا يقومون بالدعوة إلى الإله وهم يضربون الدفوف ويرقصون رقصات تتميَّز بالحركات الدائرية التي تزداد سرعة واندفاعاً إلى أن يصل الراقصون إلى حالة من النشوة والابتهاج الغامر. وكان الأنبياء يعتقدون أن هذا الرقص يعمل على إنعاش الروح الربانية التي تتحدث نيابةً عنهم، وهم في هذا يشبهون الدراويش. وبالإضافة إلى ذلك، كانت هناك الرقصات الخاصة بالانتصارات العسكرية التي كانت تقوم بأدائها النساء على أنغام الدفوف والآلات الموسيقية. ومثل سائر الشعوب البدائية، كانت تُقام رقصات احتفالاً بمواسم الحصاد، فكانت تُقام في عيد المظال مواكب يومية حول المذبح (داخل المعبد) بعد تقديم القرابين، وفي ثاني أيام العيد كانت تُقام رقصة بالمشاعل يصاحبها مواكب من النساء يحملن أغصان النخيل والصفصاف. كما كانت جميع حقول الكروم تضم أماكن للرقص مخصصة للنساء فقط، ويبدو أن كثيراً من هذه الرقصات كانت من أصل كنعاني (ومن احتفالات بالإله بعل). ولابد أن العبرانيين قد تأثروا بالمحيط الحضاري البابلي والآشوري حينما دخلوا في نطاق هذه الحضارة، كما تأثروا بالمحيط الفارسي من بعد ذلك (ولكننا لا نملك الدليل التاريخي على ذلك). أما في العصر الهيليني، فنحن نعرف أنه رغم معارضة الحاخامات للرقص، فإن كثيراً من أعضاء الجماعات اليهودية داخل وخارج فلسطين كانوا يتبنون كثيراً من رقصات اليونانيين والرومانيين ذات الطابع الوثني، والتي كان يقوم بأدائها رجال ونساء دُربوا خصيصاً لهذا الغرض، وهذا يدل على تجذُّر العادات الهيلينية بين يهود حوض البحر الأبيض المتوسط في تلك الفترة. وقد ظهرت بين أعضاء الجماعات اليهودية رقصة ذات طابع وثني واضح كانت تُؤدَّى أمام كبار الشخصيات (ولعلها كانت تشمل حركات تعبِّر عن السجود وتدل على انعدام الذات أمام الشخصية المتألهة). وتشير المشناه إلى وجود مراسم واحتفالات خاصة بانتقاء العرائس كانت تتم في أيام الخامس عشر من آب، وفي يوم الغفران عندما تخرج الفتيات للرقص في حقول الكروم. أما بالنسبة لاحتفالات الزفاف نفسها، فإن العهد القديم يضم إشارة واحدة فقط لإحدى الرقصات المصاحبة لهذه الاحتفالات، ويُعتَقد أن هذه الرقصة كانت تقوم بها العروس وهي تحمل في يدها سيفاً (رمزاً لرفضها أي رجل سوى عريسها الذي اختارته). أما التلمود، فيضم وصفاً أكثر تفصيلاً لمراسم ومواكب الزواج. وكان الرقص على شرف العروس يُعَدُّ عملاً من أعمال التقوى الدينية يتنافس عليه الحاخامات، كما كان يتم أحياناً إحضار الراقصين المحترفين للمشاركة في احتفلات الزواج، فكانوا يقدمون رقصات تجمع بين حركات الأيدي والأرجل والوسط. واندثرت أغلب هذه الرقصات واختفت تماماً مع انتهاء الوجود العبراني في فلسطين كتجمُّع بشري ديني حضاري، لكن بعض هذه الرقصات بقيت لتؤدَّى بشكل شديد الاختصار داخل المعابد أو البيوت اليهودية. واتخذت الجماعات اليهودية التي استقرت ونشأت في مختلف أنحاء العالم أشكالاً جديدة من فنون الرقص نبعت من التراث الثقافي والفني السائد في التشكيلات الحضارية التي انتموا إليها والتي تشكلت تقاليدهم الحضارية في إطارها. وقبل أن نستمر في العرض التاريخي، يمكننا أن ننظر إلى الرقص من منظور التحريم. لقد كانت العقيدة اليهودية تمنع الرقص المُختلَط بين الرجال والنساء، ووضع الحاخامات خلال العصور الوسطى في أوربا قواعد صارمة بالنسبة للرقص المُختلَط بحيث أصبح يُسمَح به فقط بين الرجل وزوجته وبين الأخ وأخته وبين الأب وابنته، وأدَّى ذلك إلى تصميم رقصات مُعقَّدة يتم فيها الاختلاط بين الجنسين ولكن مع مراعاة القاعدة التي وضعها الحاخامات. وفي أحيان أخرى، كان يتم تجاهُل هذه القواعد كليةً. ومع تصاعُد معدلات العلمنة داخل المجتمعات الغربية، ومن ثم بين أعضاء الجماعات اليهودية، بدأ التراخي في تطبيق التحريمات الدينية يتزايد بما في ذلك التحريمات المتصلة بالرقص المُختلَط. وحاول الحاخامات الحد من ذلك بفرض الغرامات على المخالفين ولكن دون جدوى، خصوصاً أن الرقص المُختلَط بدأ يكتسب قبولاً وشعبية كبيرة بين الجماهير اليهودية، وذلك (دون شك) تحت تأثير البيئة المحيطة بهم. وفي العصور الوسطى اكتسب الرقص في أوربا شعبية بين أعضاء الجماعات اليهودية كنشاط اجتماعي وترفيهي شأنها في هذا شأن أعضاء مجتمع الأغلبية. وأُقيمت في كثير من الجيتوات اليهودية في فرنسا وألمانيا وبولندا دور للمناسبات تُقام فيها الحفلات الراقصة والغنائية في أيام الأعياد وأيام السبت وللاحتفال بالزواج. ويبدو أن هذه الدور أقيمت أساساً للاحتفال بالزواج وتحوَّلت تدريجياً إلى أماكن للترفيه. وكانت الرقصات التي اشتُهرت في هذه الدور رقصات شبيهة أو مماثلة للرقصات المنتشرة بين الشعوب الأوربية آنذاك. وإن كان يُرجَّح أن أصولها ترجع إلى رقصات الشعوب الأوربية المحيطة. وقد كان لكل دار من هذه الدور قائد للرقص يتميَّز بتفوُّقه في الرقص والغناء والقدرة على الارتجال، وكان يقوم بإدارة الرقصات كما كان معنياً بإدخال التنويعات الجديدة عليها. أما الجماعات اليهودية في إسبانيا والعالم العربي الإسلامي فلم تنشأ بينهم مثل هذه الدور. وعلى عكس يهود أوربا الذين عاشوا في الجيتوات الضيقة، كانت بيوت يهود الشرق من السعة بحيث تسمح بإقامة جميع الاحتفالات بداخلها. وتنوعت واختلفت أشكال وأنواع الرقصات التي تقام احتفالاً بالأعياد الدينية والمناسبات الاجتماعية من جماعة إلى أخرى. فقد ارتبط بعيد النصيب نوع من الرقصات انتشرت بين كثير من الجماعات اليهودية وإن تنوعت تفاصيلها ومظاهرها من جماعة إلى أخرى، وهي رقصة تتضمن حرق تمثال يرمز إلى هامان والقفز فوق النار والغناء. وهذه الأنواع من الرقصات تعود جذورها إلى الطقوس السائدة بين الشعوب البدائية التي كانت ترمز إلى حرق الشيطان في النار. ويشير التلمود إلى أن هذا التقليد كان سائداً بين يهود بابل، كما يبدو أن هذه الرقصات كانت موجودة بين يهود مدينة بيزنطة وكذلك بين يهود إيطاليا خلال القرنين الثاني عشر والرابع عشر، وكذلك بين يهود بولندا خلال القرن الثامن عشر حيث كان عيد النصيب شبيهاً بالكرنفال. ويُقال إن هذا التقليد كان موجوداً أيضاً بين الجماعات اليهودية في القوقاز والجزيرة العربية وشرق الهند. وكانت هناك رقصات عديدة مخصصة للاحتفال بالزواج، ففي العصور الوسطى في أوربا ظهرت رقصات كانت أقرب إلى الطقوس السرية أو الصوفية، وفي أحيان كثيرة كان الموت يُتَخذ موضوعاً لها، وفي بعض الأحيان يسقط أحد الحاضرين في حفل الزواج على الأرض كأنه ميت ويرقص من حوله الرجال والنساء وهم يغنون، ثم يقوم الرجل (من مماته) وينضم إلى الآخرين في رقصة مرح وابتهاج. وهي رقصة ترمز إلى البعث. وانتشرت مثل هذه الرقصات والأغاني بين شعوب أوربا في تلك الآونة، ومن أهمها أغنية الأطفال « رينج أروند روزيز Ring around rosies» أي «فلتلتفوا» والتي تنتهي بغناء جماعي للأطفال حيث يقولون بالإنجليزية: « آشز آشز، وي أول فول داون ashes, ashes, we all fall down » وتعني « رماد في رماد، كلنا سنَسقُط ». وهناك رقصة أخرى تُسمَّى «رقصة الموت» ظهرت في أعقاب اجتياح الأوبئة لأوربا والتي هلك فيها الملايين حيث كان يتم زواج الأيتام الفقراء في حفل يُقام في المقابر بحضور أعضاء الجماعة اليهودية. ومن الرقصات التي ارتبطت بشكل خاص بحفلات الزواج، رقصات الوصايا (متزفاه)، وهي رقصة جماعية يقوم فيها الرجال بالرقص مع العريس والنساء مع العروس، وذلك احتراماً للقواعد الدينية الخاصة بعدم اختلاط الجنسين في الرقص. ولكن، مع تآكل احترام هذه القيود، أصبح الرجال يرقصون مع العروس ولكن مع تغطية أيديهم بشيء رمزاً للانفصال. ومع أوائل القرن التاسع عشر، أصبح التقليد المتبع هو أن يرقص الرجال مع العروس ويفصلهما منديل تمسك العروس بأحد أطرافه والرجل بطرفه الآخر. وفي بعض الأحيان، كان يُدعَى إلى حفلات الزواج المتسولون من اليهود، وكان يُسمَح لهم بالرقص مع العروس وكذلك أداء بعض الرقصات الخاصة بهم التي عُرفَت باسم «رقصة المتسولين». أما في الأفراح الحسيدية، فكان أحد التقاليد المتبعة هو الرقص بملابس الفلاحين أو بارتداء جلد الحيوان أو زي جنود القوزاق.كما كانت الفتيات يرقصن حول العروس،والفتيان يرقصون حول العريس. أما بالنسبة للجماعات اليهودية في العالم العربي والإسلامي، فإننا نجد أنهم كانوا يحيون حفلات الزفاف بإحضار راقصات ومغنيات محترفات (عوالم) يرقصن على أنغام الطبول. وفي اليمن، كانت النساء من الضيوف يقمن بالرقص بالمزهرة أو الصحن الذي يحوي صبغة الحنة التي سيتم صبغ أيدي العروس بها. وفي مصر، كان سلوك المدعوين يتنوع بتنوُّع الخطاب الحضاري السائد. فحتى نهاية القرن التاسع عشر، قبل أن يتم تغريب أعضاء الجماعات اليهودية، كانت السيدات يقمن بالرقص مع العروس رقصات شرقية، كما كانت العروس ترقص معهن. ومع تزايُد معدلات التغريب والعلمنة، بدأت أفراح أعضاء الجماعات اليهودية تصبح غربية تماماً، فيختلط الجنسان ويرقصان التانجو أو غيرها من الرقصات الغربية الذائعة. وهناك رقصات خاصة أيضاً بيوم السبت. وقد اعتاد الحسيديون الرقـص، مـع انتهاء نهار السـبت، حول مائدة الحاخام. وفي شرق أوربا، اعتاد الشباب اليهودي في المجر ومورافيا ورومانيا على الرقص في أيام السبت خارج المعبد على مرأى من النساء. وكانت رقصاتهم من الرقصات المنتشرة في المجتمع المحيط، مثل رقصة الحوراhora ذات الأصل الروماني (والتي أصبحت فيما بعد الرقصة الشعبية الأولى في إسرائيل)، وكان الحاخامات ينظرون باستياء لمثل هذه الرقصات. أما بين يهود اليمن فإن الراقصين كانوا يقومون بالرقص في يوم السبت على أطراف أصابعهم مع هز الكاحل ومفصل الركبة إلى أن يصل الراقص إلى حالة من النشوة والانجذاب الديني. كما كانت تُقام رقصات احتفالاً بعملية الختان، وخصوصاً بين الجماعات اليهودية في العالم العربي والإسلامي. وأحياناً، كانت هذه الرقصات تهدف إلى إبعاد الأرواح الشريرة عن الأم والطفل، ففي صفد كانت الراقصات يرقصن مساء كل يوم عقب الولادة وحتى يوم الختان. وفي المغرب، كانت النساء يرقصن بالسيوف، وكان الرقص يجري (أحياناً) حول فراش الأم طوال الأسبوع الذي يسبق عملية الختان. أما في إيران، فكان الأب يقوم بإحضار راقصات محترفات لإحياء الليلة التي تسبق عملية الختان. وفي المغرب العربي، كان يتم إحضار صينية إلياهو التي تُستخدَم في عملية الختان في موكب من الشموع يتخلله الغناء والرقص. وفي سوريا ولبنان، يقوم سبعة من الضيوف بالرقص بالصينية كلٌّ في دوره. وفي عدن، كان الضيوف يقومون بالرقص مع كرسي إلياهو كأنهم يرقصون مع النبي إلياهو نفسه. وفي جميع الحالات، سيُلاحَظ أن الرقصات وطريقة أدائها ينبع من التقاليد الثقافية للمجتمع الذي يعيش أعضاء الجماعة اليهودية في كنفه. وهناك رقصات تذكارية تُقام إحياءً لذكرى أحد الأنبياء أو الحاخامات، فقد جرت العادة على إحياء ذكرى وفاة الحاخام سيمون بن يوحان الذي يُعتبر أبا القبَّالاه، وإليه ينسب كتابة الزوهار، حيث يجتمع الحجاج عند مقبرته في صفد للرقص والغناء. أما الحاخام الحسيدي نحمان البرتسلافي، فأمر أتباعه بإحياء ذكراه عند وفاته عن طريق دراسة المشناه والرقص عند مقبرته. وقام أتباعه لأجيال متعاقبة بتلبية رغبته وإقامة احتفال راقـص إحيـاءً لذكراه في مـقابر أومـان في أوكرانيا. أما يهود جبال كروستاف في شمال العراق، فيُقال إنهم يحتفلون بعيد الأسابيع بإحياء ذكرى النبي ناحوم والاجتماع عند مقبرته والطواف حول ضريحه والغناء، في حين تقوم النساء بالرقص. وفي ثاني أيام العيد، يصعد الرجال إلى قمة أحد التلال القريبة لقراءة التوراة ثم ينزلون التل في موكب شبيه بالمواكب العسكرية حاملين السلاح ويقومون بتمثيل المعركة الكبرى التي ستؤذن بقدوم الماشيَّح، أما النساء فيستقبلن الرجال بالرقص والغناء على نغمات الدفوف. وقبل الانتقال إلى الرقص بين أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث، قد يكون من المفيد الإشارة إلى أن الحركات الحلولية المشيحانية ساعدت على انتشار الرقص بينهم. وساهمت في هذا الاتجاه حركة شبتاي تسفي بشكل خاص، ثم الحركة الفرانكية، إذ أن النزعة الترخيصية شجعت على إسقاط الحدود، بما في ذلك الحدود الخاصة بالرقص. بل إن الشعائر السرية ذات الطبيعة الجنسية لهذه الجماعات كانت تتضمن دائماً الرقص المحموم. واكتسب الرقص، مع ظهور الحركة الحسيدية في القرن الثامن عشر، أهمية كبيرة بالنسبة إلى الجماعات اليهودية في شرق أوربا، وأصبح يشكل جزءاً من حياتهم اليومية. فقد اعتبر بعل شيم طوف، مؤسس الحسيدية، الرقص شكلاً من أشكال الصلاة والعبادة أمام الرب وأداة للوصول إلى حالة من النشوة الدينية والالتصاق بالرب والتوحد به (ديفيقوت). وهذا يتفق تماماً مع النزوع الحلولي نحو التجسد (مقابل النزوع التوحيدي نحو التبليغ) الذي يتضح أيضاً في مفاهيم مثل الخلاص بالجسد (عفودا بجاشيموت). وبالتالي، أصبح الرقص الحسيدي نوعاً من الطقس الديني يصل من خلاله الراقص إلى حالة من النشوة والابتهاج الديني. والرقص الحسيدي كان يتم في شكل دائري، أو في حلقات، رمزاً للفلسفة الحسيدية الحلولية القائلة بأن « الكل متساو والكل عبارة عن حلقات في سلسة، والدائرة ليس لها جهة أمامية أو خلفية وليس لها بداية أو نهاية » (والنسق الحلولي العضوي في رأينا يأخذ دائماً شكل دائرة مغلقة). والرقص الحسيدي يبدأ بطيئاً ثم يزداد إيقاعه تدريجياً إلى أن يصل إلى حالة النشوة وتصاحبه حركة التمايل وحركات الأيدي والأرجل والقفز في الهواء والتصفيق. وقد عَلَّم الحاخام نحمان البرتسلافي أتباعه أن الرقص مع الصلاة من الفروض المقدَّسة وأن كل جزء من الجسد له إيقاعه الخاص، وقام بتأليف صلاة خاصة يقوم بتلاوتها قبل الرقص مباشرةً كما دعا مع غيره من الحاخامات الحسيديين إلى ضرورة الرقص في جميع المناسبات والأعياد، حتى تلك التي تتَّسم بالوقار إحياءً لذكرى حزينة، مثل: التاسع من آب ورأس السنة ويوم الغفران، وكذلك في احتفال بهجة التوراة (سمحات توراه). فإلى جانب المواكب المعتادة لهذا الاحتفال كان الحاخام الحسيدي يقوم بالرقص في نشوة روحية مع التوراة مرتدياً شال الصلاة (طاليت) ومحاطاً بدائرة من الحسيديين الذين يقومون بالغناء والتصفيق. وثمة نظريات مختلفة تحاول الوصول إلى أصول رقصات الحسيديين، فتذهب بعضها إلى أن أصل هذه الرقصات يعود إلى الرقصات الكنعانية البعلية التي تعلَّمها العبرانيون القدامى بعد تسلُّلهم في كنعان (وفي رأينا أن هذا الرأي بعيد عن الصواب، وينبع من رؤية اليهود ككيان حضاري مستقل له أصوله الحضارية المستقلة). وهناك رأي يذهب إلى أن الرقصات الحسيدية تعود إلى أصل تركي، ومن ثم فهي تشبه رقصات الدراويش العثمانيين (في قونيه) حيث يدورون حول أنفسهم. ويشير أصحاب هذا الرأي إلى أن الحسيدية انتشرت في مقاطعات كانت تحت السيطرة العثمانية أو قريبة من الأثر العثماني، وأن الحركة الحسيدية تأثرت بالحركة الفرانكية التي تأثر صاحبها بالثقافة العثمانية، وأن الحسيديين ككل متأثرون بتراث المارانو السفاردي الذي كان قد دخله عنصر عثماني. كما أن أطروحة كوستلر الخاصة بأصول يهود بولندا الخزرية (التركية) يدعمها هذا الرأي. ولكن ثمة رأياً ثالثاً يرى أن رقصات الحسيديين تأثرت برقصات جماعات المنشقين المسيحيين الأرثوذكس (مثل الدوخوبور والسكوبتسي والخليستي) الذين تركوا أثراً عميقاً في فكر الحسيديين. ومما سبق، نرى أن فنون الرقص تنوعت وتعدَّدت من جماعة يهودية إلى أخرى ومن عصر إلى آخر وارتبطت في المقام الأول بالتشكيل الحضاري الذي انتمت إليه كل جماعة على حدة. ومن ثم، فإن من الصعب الحديث عن «الرقص اليهودي» باعتباره فناً له سماته وشكله وحركاته وأسـلوب أدائه الخـاص. والواقـع أن رقصات الجماعات اليهودية، سواء بين الإشكناز أو السفارد أو الشرقيين، تجد جذورها إما في المجتمعات الأوربية (سواء في شرق أو وسط أو جنوب أوربا) أو في المجتمعات العربية والشرق أوسطية. وخير دليل على ذلك هو تعدُّد وتنوُّع الرقصات التي جاء بها المستوطنون اليهود إلى إسرائيل وهي الدولة الصهيونية التي تدَّعي «وحدة الشعب والتراث والثقافة اليهودية »، فكانت هناك الرقصات البولندية والروسية والرومانية والرقصات العربية اليمنية. بل إن الرقصة الشعبية الأولى في إسرائيل، وهي الحورا، ما هي إلا رقصة رومانية الأصل. وليس هذا فحسب بل إن إسرائيل اتجهت، في محاولة لخلق « رقص شعبي إسرائيلي » للأخذ من تراث الرقص العربي الفلسطيني، خصوصاً رقصة الدبكة الشهيرة. ومعنى ذلك أن عملية السلب لم تقتصر على الأرض بل امتدت أيضاً إلى تراث أصحاب الأرض وفنونهم ورقصاتهم. وشهدت العصور الوسطى، وعصر النهضة في أوربا، ظهور العديد من الراقصين ومعلمي الرقص اليهود المحترفين، وكان أغلبهم من اليهود الإيطاليين أو من يهود المارانو. واكتسب الرقص في تلك الفترة أهمية كبيرة بالنسبة إلى طبقة الأمراء والنبلاء الأوربيين وأصبح يُشكّل جزءاً مهماً من تقاليدهم الاجتماعية وظهرت العديد من الرقصات الخاصة ببلاط الأرستقراطية التي أصبحت تتميَّز عن الرقصات الشائعة بين عامة الشعب. وساعد على هذا التطور ظهور معلمي الرقص، خصوصاً في إيطاليا. ويبدو أن اليهود لعبوا دوراً ريادياً في هذا المجال (ربما نتيجة ميراثهم كجماعات وظيفية) فيعود أول ذكر لمعلم رقص إلى الحاخام هاسن بن سالومو Hacen ben Salomo الذي قام عام 1313 بتعليم المسيحيين رقصة كورالية تؤدَّى أمام المذبح في الكنيسة. ويبدو أن كثيراً من اليهود اشـتغلوا بهذه المهنة في إيطاليا خلال القرن الخامس عشر، الأمر الذي يدل على الأهمية التي أعطاها اليهود للرقص آنذاك أن مدرس العبري الذي كان يعلِّم أبناء الأسر اليهــودية في إيطــاليا العهـد القديم والتلمود كان يعلمهم الموسيــقى والرقص أيضــاً. ومن أشهــر معلمي الرقص في ذلك العصر على الإطلاق، اليهودي جوليلمو إبريو الذي كتب عام 1463 واحداً من أهم الكتب المخصصة لأصول وقواعد الرقص والذي ظل لفترة طويلة دليلاً مهماً للأرستقراطية الأوربية في هذا الشأن. وفي القرن السادس عشر، اكتسب اليهودي جاكينيو مارسانو شهرة واسعة كمعلم رقص في روما. وفي عام 1775،منـح البــابا حق تدريس الرقص والغناء لاثنين من يهود أنكونا،كما وُجد كثير من مدرسي الرقص اليهود في إنجلترا وفرنسا. كما انتـشر في ألمانيا، خلال القرنين السـادس عشر والسابع عشر، المغنون والمهرجون المتجولون من اليهود الذين كانوا يُقدِّمون الرقصات والتمثيليات الإيمائية والحركات البهلوانية في الأفراح وفي غيرها من المناسـبات،وكانــوا يشتـهرون برقصتي المشاعل والسيوف. ولم يختلف الوضع كثيراً في الشرق، فكان سلاطين آل عثمان يستخدمون الموسيقيين والراقصين اليهود في بلاطهم لإحياء احتفالاتهم. ويُلاحَظ ظهور كثير من الراقصات من أصل يهودي في العالم العربي (حتى منتصف القرن العشرين) لأداء ما يُسمَّى «الرقص الشرقي». أما في العصر الحديث، ومع تزايُد اندماج أعضاء الجماعات اليهودية في المجتمعات المحيطة بهم وانخراطهم في حياتها الثقافية والفنية، فقد ظهر بينهم مصممو الرقصات والمرموقون من الراقصين والراقصات. ففي القرن التاسـع عـشر، قام آرثر ميشـيل سـان ليون (1815 ـ 1870)، وهو راقص ومصمِّم رقصات فرنسي، بتصميم باليه كوبيليا الشهير بالإضافة إلى العديد من الباليهات الرومانسية الأخرى والتي عُرضت في مختلف دول أوربا. كما وضع كتاب ستينو كوريوجرافي أي ( التدوين المختزل للرقص ) عام 1852، وهي طريقة سريعة لكتابة وتسجيل الرقص، وتُعدُّ من أوائل النظم التي وُضعت في هذا المجال. ويُعَدُّ سان ليون من أهم أساتذة الباليه ومصممي الرقصات في عصره، وقد اعتنق الكاثوليكية عندما تزوج من إحدى راقصات الباليه. أما في القرن العشرين، وعندما زاد الاهتمام في الغرب بفن الباليه، فقد ظهر كثير من راقصي وراقصات الباليه بين أعضاء الجماعات اليهودية الذين حققوا شهرة واسعة بل وساهموا في نشر هذا الفن في إنجلترا والولايات المتحدة. فقدَّمت فرقة الباليه الروسي دياجليف عدداً من الراقصات والراقصين اليهود اللامعين أمثال إيدا روبنشتاين وإليشيا ماركوفا، وكذلك ماري رامبيرت التي أسَّست فيما بعد أول فرقة للرقص الكلاسيكي في إنجلترا وتُعتبَر بالتالي من مؤسسي الباليه الإنجليزي الحديث. كما أن مصمِّم هذه الفرقة التي قدَّمت عروضها بنجاح كبير في أوربا بين عامي 1909و1929 هو ليون باسكت اليهودي الأصل. وبعد قيام الدولة السوفيتية، أُتيحت فرصة أكبر لأعضاء الجماعة اليهودية للعمل في المجال الفني وظهر عدد من الراقصات والراقصين البارزين مثل مايا بليستسكايا التي أصبحت الباليرينا الأولى في فرقة باليه البولشوي واختيرت فنانة الشعب للاتحاد السوفيتي، وهي من أعظم راقصات هذا الجيل. أما في الولايات المتحدة، فلم يتميَّز أعضاء الجماعات اليهودية بالإبداع في مجال الرقص، ولكن كانت لهم إسهامات مهمة كراقصين أو مصممي رقصات أو مؤسسي فرق باليه. بل كان لهم دور ريادي في نشر هذا الفن في الولايات المتحدة، فقد أسس ليفكون كيرستاين فرقة مدرسة الباليه الأمريكية (1934) وفرقة مدينة نيويورك، ويُعتبَر ذلك بداية ميلاد الباليه الأمريكي. كما قام معلمو الرقص الأمريكيون اليهود بتدريب كثير من راقصي الفرق الجديدة للباليه الكلاسيكي والتي تكونت في الثلاثينيات والأربعينيات. ومن مصممي الرقص المتميِّزين جيروم روبينز الذي اكتسب شهرة عالمية من خلال تصميمه رقصات «قصة الحي الغربي». ومن بين الراقصات المتميِّزات ميلسيا هايدن ونورا كاي. وقد قامت هذه الأخيرة بتصميم رقصات باليه «الديبوك» المأخوذة عن مسرحية الكاتب اليديشي آن سكي. ومما يُذكَر أن كثيراً من اليهود وغير اليهود وضعوا باليهات من الرقص الحديث تتناول مواضيع أو قضايا تخص الجماعات اليهودية أو تستمد بعض رقصاتها من الرقصات الحسيدية مثل باليه «القرية التي عرفته» التي وضعته صوني مازلو، ويتناول حياة اليهود في روسيا القيصرية، وباليه «ذكريات» لهيلين تاميريس والذي يتناول حياة أسرة يهودية، وباليه «أحلام» الذي صممته آنا سوكولون وفيه إدانة لألمانيا النازية. كما صممت مارثا جراهام، وهي مصممة رقص غير يهودية وصاحبة واحدة من أهم فرق الرقص في الولايات المتحدة، عملين يتناولان مواضيع يهودية هما: «بعل شيـم» و«نيجون» وذلك عام 1928. ولكن تناول مواضيع يهودية لا يعطي هذه الأعمال صفة اليهودية، فالشكل الفني لهذه الرقصات وأسلوب أدائها وحركاتها تنتمي كلها إلى مدرســة الفن الحـديث، وهي مدرسة تميل أكثر ناحية التعبير واستعمال الحركات الطبيعيــة وتعتبر جزءاً من تراث فن الرقص في الغرب. وقد ظهرت في بداية القرن الحالي في العالم العربي راقصات من أعضاء الجماعات اليهودية يقمن بما يُسمَّى «الرقص الشرقي»، ولا يزال يُوجَد عدد كبير منهن في الولايات المتحدة. وتُوجَد مدرسة لتعليم الرقص الشرقي في إسرائيل. جوليــلـمو إبريـــو (النصف الثاني من القرن الخامس عشر) Guglielmo Ebreo أستاذ رقص إيطالي من القرن الخامس عشر، وربما يكون قد وُلد في إسبانيا قبل عام 1440، لكنه على أية حال ارتبط بمدينة بيسارو الإيطالية. ويشكِّك بعض الباحثين في أصله اليهودي، ولكن الإشارة إليه بلقب «إبريو» أو «العبري» تؤكد هذا الأصل بشكل شبه قاطع. تتلمذ على يد دومينيشينو دا بياسترا مؤسِّس إحدى مدارس الرقص الجديدة في إيطاليا. وكان الرقص يُعتبَر فناً رفيعاً للغاية في عصر النهضة، كما كان جزءاً مهماً من الحياة الاجتماعية للنبلاء والأرستقراطية الأوربية، والدليل على هذا ذلك الكمّ الكبير من الأبحاث والدراسات التي صدرت خلال هذه الفترة حول فن الرقص. وقد كتب جوليلمو بحثاً عن فن الرقص في عصر النهضة شرح فيه أهم قواعده الأساسية إلى جانب شرح مفصَّل لكثير من رقصات عصر النهضة الإيطالية. وقام بتدريس الرقص في قصور الأمراء والنبلاء الإيطاليين، كما قام بالإشراف على كثير من الاحتفالات الراقصة في المدن الإيطالية المختلفة، وأشرف عام 1475 على تنظيم الاحتفالات الضخمة بمناسبة زواج أحد نبـلاء بيسـارو وقام أيضاً بتصميم رقصات خاصة لهذه المناسبة. وصمم جوليلمو كثيراً من الرقصات وأعمال الباليه التي كانت تُعَدُّ متطورة للغاية بالنسبة إلى عصره. ويبدو أن جوليلمو اعتنق المسيحية فيما بعد واتخذ اسم جيوفاني أمبروجيو. ولكنه، سواء اعتنق المسيحية أم لا، فقد ظل في وظيفته كأستاذ رقص لا يعبِّر عن أية هوية يهودية بقدر ما يعبِّر عن انتمائه إلى جماعة وظيفية يضطلع أعضاؤها بوظائف هامشية أو متميِّزة أو رائدة مثل الربا أو البغاء، وهي في حالة جوليلمو «الرقص». |
|
#122
|
|||
|
|||
|
لافض فوك ولاعدموك
وجزاك الله خير الجزاء |
|
#123
|
|||
|
|||
|
تسلم ايدك
|
|
#124
|
|||
|
|||
|
الاخت سوسو 66 :
لا فض لك عقل ولا عدم لك رآي اخي خالد 33 : وايديك ان شاء الله |
|
#125
|
|||
|
|||
|
بسم الله اكمل
الباب السادس: الكوميديا والسينما والجـماعات اليهودية الكوميديــــا وأعضــــاء الجماعـــات اليهوديـــة Comedy and Members of Jewish Communities الكوميديا هي إحدى الصفات التي يحاول بعض الباحثين استخدامها لإثبات أن ثمة شعباً يهودياً له استمرارية تاريخية وله صفاته العرْقية والنفسية المميَّزة. ولذا، نجد أن الكثيرين يتحدثون عن «الكوميديا اليهودية منذ أقدم العصور» وعن «أن روح الكوميديا الموجودة في التوراة والتلمود وغيرها من الكتب الدينية اليهودية». ويأتي اللَبْس هنا من استخدام اللفظ «كوميديا» للدلالة على أكثر من مدلول مختلف، فلا إنكار لوجود كوميديا في التوراة والتلمود، ولكن من الصعب العثور على صلة بين هذه الكوميديا ونمط الكوميديا التي يستخدمها اليوم أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة، أو تلك التي كانت سائدة بين يهود اليديشية في القرون السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر. فالتوراة والتلمود وغيرها من الكتب الدينية اليهودية تتميز بأنها كُتب جادة تدعو إلى الجهامة وتحض على الحزن وتسم الضحك بأنه صفة الضعفاء وغير القادرين. ومع هذا نجد في هذه الكتب شخصية مضحكة مخادعة أو شخصية «الفهلوي». وربما كان التجسيد الأمثل لهذه الشخصية في التوراة هو يعقوب أو يسرائيل، فهو الذي خدع أخاه عيسو في ميراثه وهو الذي خدع أباه إسحق وأخذ البركة التي كان يود أن يمنحها لأخيه. وشخصية الفهلوي القادر على الخداع نجدها عند الرومان في شخصية ديونيزيوس أو باخوس إله الخمر واللهو وهيرمس صاحب الألف وجه، ونجدها عند أهل الشمال في شكل الإله لوكي (إله متعدد الخصال وهو أخبث الآلهة). وترتبط بهذه الشخصية التي تخفِّف من قتامة الدين الحلولي وجهامته احتفالات شعبية صاخبة وماجنة يتم فيها انتخاب إنسان يجسِّد هذه الشخصية ويلعب دور ملك الاحتفال. وكانت هذه الاحتفالات عند بعض أعضاء الجماعات اليهودية هي احتفالات عيد النصيب (البوريم) التي وُصفت بأنها « احتفالات التحلُّل من الارتباطات وإطلاق العنان للهو والمرح ». وكان يتم انتخاب المهرج الأكبر والماجن الأعظم ملكاً للبوريم. وفي هذا الإطار، إذن، يمكننا رؤية الجانب الكوميدي في الكتابات الدينية اليهودية بوصفه امتداداً لأفكار الديانات الوثنية الطبيعية الحلولية. أما بالنسبة للجماعات اليهودية التي نشأت في شرق أوربا والتي تتحدث اليديشية، فظهرت بينها أشكال وأنماط من الكوميديا تميَّزت بالسخرية من الدين ومن الذات اليهودية، واستمدت ملامحها من وضع اليهود في هذه المجتمعات كجماعات وظيفية تعيش على هامش المجتمع وفي عزلة عنه ولكنها تسعى في الوقت نفسه إلى الاندماج فيه. وتزخر الكوميديا اليديشية بالسخرية من الأسلوب التوراتي والكتابات الدينية وطريقة الحاخامات في التعبير. والدين هنا هو موضع السخرية لأنه مصدر الإزعاج الأول والعقبة الرئيسية في طريق الاندماج، وبالتالي تكون الكوميديا السـاخرة وسـيلة اليهود في التخلـص من يهوديتهم. ونحن نرى هذا بكثرة في كتابات الكاتب اليديشي الساخر شالوم عليخيم، خصوصاً في كتابه مغامرات مناحم مندل. بل إن احتفالات عيد النصيب (بوريم) في هذه المرحلة تحوَّلت إلى احتفالات تسخر من الدين والحاخامات. وكانت الفقرة الرئيسية في الاحتفال هي «توراة البوريم» أو المحاكاة الساخرة للتوراة حيث صار ملك البوريم تجسيداً للحاخام الأعظم وسخرية منه. هنا صارت الكوميديا وسيلة من وسائل الاندماج في المجتمع وأيضاً طريقة لإنكار الذات من أجل إتاحة الفرصة للدخول في منظومة الآخر. كما أخذت الكوميديا شكل السخرية من ازدواجية المرغوب/المرفوض التي جسَّدها أعضاء الجماعات اليهودية كجماعات وظيفية تقوم بدور مهم ومطلوب في المجتمع الذي تعيش فيه، ولكنها تحيا في الوقت نفسه منبوذة منه وعلى هامشه، وكثير من الكتابات الكوميدية في جميع أنحاء العالم تزخر بالسخرية من الجماعات الوظيفية، فنجد معروف الإسكافي كشخصية ساخرة، والأحدب مهرج الملك، وحلاق بغداد، وحلاق إشبيلية)، ومن هنا تبلورت في الأدب اليديشي الساخر سمات اليهودي المهاجر البخيل القذر. وقد قَبل هذا الأدب الساخر صورة اليهودي التي تقدمها كتابات الآخرين أو الأغيار ولكنه خفَّفها، فمن يهودي مالطة وشيلوك تاجر البندقية ذات المحتوى التراجيدي تحوَّلت شخصية اليهودي إلى ذلك اليهودي البخيل الذي يقع في شر أعماله والذي يرى كل شيء من خلال المال. نستطيع أيضاً أن نحدد ملامح كوميدية خاصة بيهود الولايات المتحدة منذ بداية هذا القرن حيث كانت الولايات المتحدة محطة لجوء لكثير من يهود اليديشية. وكان دخولهم عالم الإمتاع والفن أمراً طبيعياً حيث إنه مجال المرفوض/المرغوب الذي يميِّز مجالات عمل الجماعات الوظيفية. ولذا، نجد أنهم دخلوا مجالات مسرح الفودفيل والمسرحيات الموسيقية، ولا ننسى بالطبع السينما الصامتة. وكان الانتقال بين المجالات الثلاثة يتم في حرية تامة. ونذكر في هذا المجال آل جولسون نجم المسرحيات الموسيقية الكوميدية والإخوة ماركس (من الفودفيل إلى السينما) وماكس ليندر (من المسرح إلى السينما) وغيرهم. واشتغال عضو الجماعة اليهودية المهاجر بالكوميديا يحقِّق له نوعاً من القبول الاجتماعي، إذ أن الآخر سيقبله باعتباره مسخرة المجموعة والتي لا غنى عنها. وهو بسخريته من الذات اليهودية، يمارس إحساساً يمارسه أعضاء الأغلبية، ومن ثم فهو يحقِّق نوعاً من الاندماج فيهم بسخريته هذه. كما أن القيام بهذا الدور يحقِّق للمؤدي الإحساس بالابتعاد عن الذات التي يتعمد السخرية منها وإنكارها. ولنا أن نلاحظ أن عضو الجماعة اليهودية في أدائه الكوميدي كان يسخر من الصفات التي يخلعها المجتمع المضيف على اليهود مثل البخل والدناءة والقذارة، وهي ليست بالصفات الخطيرة التي تؤدي إلى لفظهم أو رفضهم تماماً، وإنما هي صفات هزلية تسمح لهم بدخول المجتمع باعتبارهم المرغوب/المرفوض. كانت المسرحيات الموسيقية التي شارك فيها اليهود، كبرلين وجرشويين وآخرين، تتكلم (في الأساس) عن الزنوج كما في «بورجي وبس» و«سفينة الاستعراض» وغيرهما. والزنوج هم الجماعة الوظيفية التي تتعرض لأكثر أنواع الاضطهاد والتمييز لأنها أكثر الجماعات الوظيفية تميُّزاً، فاللون والمظهر الجسماني هو ما يميِّزها. وبالتالي، تتيح تلك المسرحيات لليهود ميزة الإحساس بالتميُّز والاندماج والانتماء للجماعة النخبوية في إطار المجتمع الهرمي، كما تتيح لهم (وهو الأهم) استخدام آلية الإزاحة أو نقل المشاكل التي تعاني منها الأنا وإسقاطها على الآخر، وبالتالي تيسير عملية قبول الأنا داخل مجتمع «الآخرين». أما فيما يتعلق بمجال التمثيل، فقد اتجه معظم أعضاء الجماعة اليهودية من الجيل الأول إلى الكوميديا كتطوير لعملهم في الفودفيل والمسرحيات الموسيقية (بالإنجليزية: مويوزيكالز musicals)، وأهم من قدَّمهم تاريخ السينما: ماكس ليندر وماك سينيلت والإخوة ماركس وآل جولسون. ومع تنظيم صناعة السينما في الثلاثينيات، لم يحدث تغيير كبير في طبيعة عمل الممثلين اليهود، فالتغيير في النطاق الإداري المالي كان أسرع وأهم منه في النطاق الفني. ولذا، ظلت الكوميديا المجال الأول للممثلين اليهود أمثال جيري لويس وبوليت جودار وآدي كانتور وملفين دوجلاس وغيرهم. وإذا كان من غير الممكن الحديث عن كوميديا يهودية، فلا يمكن أيضاً الحديث عن كوميديا أمريكية يهودية واحدة، إذ أن هذه تتطوَّر وتتنوَّع بتطوُّر المجتمع وبتعدُّد الأجيال من المهاجرين إلى أبناء المهاجرين إلى أبناء الجيل الثالث، فيُلاحَظ مثلاً أنه، مع استقرار أوضاع الجماعات اليهودية المهاجرة في الولايات المتحدة وصعودها درجات متوالية في السلم الاجتماعي، ومع ازدياد وضوح الطابع المادي الدنيوي للمجتمع، أخذت الكوميديا التي ينتجها اليهود الأمريكيون أكثر من شكل يُعبِّر كلٌ منها عن محتوى مختلف. فهناك كوميديا الطبقة المتوسطة وأبرز ممثليها المؤلف المسرحي نيل سايمون وهي كوميديا تعبِّر عن مشاكل الطبقة المتوسطة الأمريكية، ومن أمثلتها «جناح كاليفورنيا» و«نفس الموعد العام القادم» و«فتاة الوداع» وغيرها، وكلها تتكلم عن صعوبة التواصل وانعدام الأمان وتآكُل المؤسسات الاجتماعية كالأسرة والكنيسة أو المعبد... إلخ. ويحاول سايمون أن يصبغ أعماله، سواء المسرحية أو السينمائية، بصبغة الدعابة اللفظية واللعب بالكلمات والتي يعتبرها البعض من السمات اليهودية عند سـايمون ويُرجعونها إلى الألاعيب اللفظية في التـوراة. وهي، كما نرى، حجة واهية وإلا أمكننا أن نرجع أية ألاعيب لفظية إلى أصل توراتي. ويعود محتوى الألاعيب اللفظية عند نيل سايمون أساساً إلى فكرة انعدام التواصل أو تعدُّد مستويات الحديث،الأمر الذي يعني أساساً الإحساس بعدم الأمان. ويُلاحَظ التطور نفسه في مجال التمثيل السينمائي، فكثير من الممثلين اليهود الذين بدأوا حياتهم في مجال الكوميديا، أمثال توني كيرتس وبيتر سيلرز وكيرك دوجلاس، واتجهوا فيما بعد إلى الأدوار التراجيدية الجادة. بل نجد أن الممثلين من جيل الستينيات، كداستين هوفمان، قلما يؤدون الأدوار الكوميدية. وذلك دليل على تغيُّر وضعية أعضاء الجماعة اليهودية في المجتمع، فلم يعودوا الهامشيين والمنبوذين القادمين من الخارج الذين يتعيَّن عليهم إضحاك الآخرين والسخرية من أنفسهم حتى يجدوا مجالاً للقبول والاندماج، بل حققوا حراكاً اجتماعياً وأصبحوا جزءاً من الطبقة الوسطى التي يسعى كثير من أبنائها لدخول عالم السينما، الذي أصبح بحق مصنع الخيال والأحلام الضخم والعامل الأول في تشكيل وجدان وتفكير الأمة. ظهرت مجموعة من الكوميديانات اليهود المتفردين والمتميزين في أسلوبهم مثل: وودي آلين ومل بروكس وجين وايلدر ومارتن فيلدمان. وعاد هؤلاء للسخرية من اليهود ولكن بشكل آخر، فلقد تعمدوا السخرية من الصورة الأخرى التي خلعها عليهم أيضاً المجتمع المضيف، والتي لم يمسها الأوائل وتجنبوها، وهي صورة اليهودي كقاتل للمسيح حليف للشيطان، فيقول وودي آلين في فيلمه «الحب والموت» عن الفرق بين اليهودي الألماني واليهودي الروسي أن الأول له قرنان والأخير له ذيل، أي أنهما كليهما حليف للشيطان ولا يوجد اختلاف بينهما إلا في التفاصيل. ويقول مل بروكس في فيلمه «نكون أو لا نكون»: « كيف نقدم مسرحاً ساخراً دون يهود أو غجر أو شواذ ». فلم تَعُد تلك مناطق محرمة بل صارت مجالات للبحث عن الذات وعن الهوية الفردية في مواجهة مجتمع مادي يقهر خصوصية وإنسانية الفرد. فهؤلاء اليهود الجدد يستخدمون الكوميديا استخداماً معاكساً لاستخدام الأوائل، فهم يرفضون القبول الاجتماعي الذي حققه آباؤهم ودفعوا ثمنه من هويتهم الفردية بل وإنسانيتهم ذاتها، ويبحثون عن ذات خاصة بهم. ولذا، فإننا نجد وودي آلين في أفلامه الأخيرة لا يتحرج إطلاقاً من إعلان يهوديته بل لا يتحرج من البحث عن عناصر مهمة وأساسية في هذه الهوية، كما هو الحال في فيلمه «برودواي داني روز» الذي يُعيد للأذهان صورة وكيل الفنانين اليهودي ولكن المحب للبشر الباحث عن العفو والحب والقبول. ظهرت أيضاً الكوميديا الداعرة أو الفاحشة وأبرز ممثليها هو ليني بروس الذي اتخذ من النوادي الليلية مجالاً أساسياً. وهي تعبِّر أساساً عن رفض عدمي لكل المؤسسات مع عدم وجود بديل لها، فهي تدمير عنيف لكل شيء ورفض لأخلاقيات المداهنة والرياء التي تميِّز المجتمع الدنيوي، وتنتهي إلى عبثية كل شيء وعدمية الوجود الإنساني في ذاته. وانتهج هذا النهج وسار عليه وودي آلان في أفلامه الأولى، وها هو يقول في فيلم «النائم» الحقيقة الوحيدة في هذا العالم هي الجنس والموت. ويرى مل بروكس أن « الضحك هو الحقيقة الأساسية في هذا الوجود ولا معنى لأي شيء آخر ». ليــني بـروس (1926-1966) Lenny Bruce اسمه الأصلي ليونارد ألفريد شنايدر. واحد من أهم الكوميديين الأمريكيين اليهود في الخمسينيات والستينيات. بدأ حياته في سلسلة البورش الشهيرة. وكان النادي الليلي يُعتبَر آخر الجهات الحرة للإمتاع بغير رقابة ولا معوقات. امتلأت أعماله الساخرة بروح التمرد الشديد على المؤسسات كافة، سواء مؤسسات الدولة أو المجتمع أو الدين، واتسمت بمحتوى شديد الفُحْش حتى أن البعض اعتبره أهم ممثلي الاتجاه الداعر الفاحش في الكوميديا الأمريكية. كتب عام 1965 سيرة حياته في مؤلف أسماه كيف تتكلم بطريقة فاحشة وتؤثر في الناس؟. وانغمس ليني بروس في كل أنواع التمرد على المؤسسات، فكان مفرطاً في تناول المخدرات وخصوصاً الكيميائية منها. وسُجن عام 1964 بتهمة البذاءة واستخدام ألفاظ تخدش الحياء. وتُوفي بروس عام 1966 بسبب جرعة مفرطة من المخدرات. وتتلمذ عليه معظم جيل السبعينيات من صناع الكوميديا الأمريكية، مثل وودي آلان وميل بروكس وجين وايلدر، وتحوَّل إلى رمز للتمرد على المؤسسات في أمريكا، ذلك التمرد العدمي الذي يسم كل محاولات تغيير النسق من الداخل التي انتشرت في ستينيات هذا القرن، ومن ثم، يَسهُل على المؤسسة العلمانية المادية استيعابه. وهو ما حدث بالفعل فيما بعد عندما انتجت السينما الهوليودية فيلماً عنه عام 1976 قام ببطولته داستين هوفمان وأخرجه بوب فوسي محوِّلة إياه إلى أيقونة جديدة للعدمية والانحلال. وتتسم الكوميديا في أعمال ليني بروس بروح الرفض المطلق التي لا تستطيع إيجاد بديل، فهي روح عدمية تسعى إلى تدمير الموضوع في محاولة لخلاص الذات، فلا تستطيع في النهاية إلا تدمير الذات ومآلها إلى الذوبان في الموضوع. وهو نفسه ما حدث لكل الحركات الرافضة في الستينيات مثل حركة الهيبيز والفهود السود. السينمـــــا وأعضــــاء الجماعــــــات اليهوديـــــة The Movie Industry and Members of Jewish Communities يحلو للبعض أن ينظر إلى الدور الذي يلعبه أعضاء الجماعات اليهودية في عالم السينما باعتباره مؤامرة يهودية تضاف إلى سلسلة المؤامرات التي يحيكونها ضد العالم منذ بدء الخليقة، والتي تهدف إلى تدمير الأخلاق وتقويض المجتمع. ولتفـسير عـلاقة اليهود بصناعة السينما، لابد أن نجرد بعض السمات الأساسية لهذه الصناعة. ويمكن القول بأن السينما عند بداية ظهورها كانت مهنة لا يرتادها سوى المنبوذين ولا يمتهنها سوى الهامشيين والباحثين عن المغامرات، مهنة مشينة لا يليق بالمحترمين امتهانها. ولكنها كانت في الوقت نفسه مصنع الوهم ومخزن الحلم، فكانت السينما تمثل ازدواجية المرغوب/المرفوض، وبالتالي أصبحت السينما تمثل مهنة المُحتَقر على مستوى الواقع والمرغوب فيه على مستوى الحلم، وأصبحت المجال الذي يتحوَّل فيه المنبوذ إلى بطل ورجل أعمال ناجح. ولذا، فليس من الغريب أن يتجه عدد كبير من المنبوذين والهامشيين إلى السينما، وفي مقدمتهم المهاجرون (اليهود وغير اليهود) الذين لا يتقنون الإنجليزية، ولكنهم يجيدون المحاكاة لهذا السبب ذاته. ولذا، كانوا عنصراً مناسباً تماماً للسينما الصامتة. كما أن المهاجرين لا يجيدون أياً من المهن الأساسية. وحتى إن أجادوها، فهي مغلقة دونهم لأن أعضاء المجتمع المضيف يقومون بشغلها. والمهاجر لا يحمل عادةً رأس مال ولا آلات، وصناعة السينما في بداياتها كانت لا تتطلب آلات ثقيلة ولا رأس مال ضخماً، أي أن ثمة تكاملاً بين هذه الصناعة والمهاجرين، فتحولوا إلى جماعة وظيفية، توفر لنفسها وظيفة من خلال ارتياد عالم جديد يُحجم أعضاء المجتمع المضيف عن ارتياده، وتحقِّق حراكاً اجتماعياً لا يمكنها تحقيقه إلا بهذه الطريقة، وتفي في الوقت نفسه بحاجة المجتمع إلى التسلية والترويح (وهي حاجة آخذة في التزايد مع تزايد أوقات الفراغ في المجتمع الحديث وتزايُد علمنته)، وهو ما يؤدي إلى تضخُّم ما نسميه «قطاع اللذة». كما أن الاشتغال بالسينما يفي أيضاً بحاجة نفسية واقتصادية لدى المهاجر المشتغل بها. وإذا كانت الجماعة الوظيفية تعيش عادةً في الجيتو، وتستمد هويتها من الحلم بصهيون والعودة إليها، فإن أعضاء الجماعة اليهودية الذين يعملون بالسينما يجعلون السينما أرض الميعاد التي يعيشون فيها بأحلامهم. ومن هنا تواتُر المرجعية السينمائية كموضوع أساسي في أفلام أعضاء الجماعة اليهودية، فالسينما هي عالمهم، وإليه يرجعون دائماً، وهم يُنتجون أفلاماً عن أفلام، ولعل أهم أفلام المرجعية السينمائية فيلم وودي ألين «وردة القاهرة القرمزية». ولكن يجب أن نضيف أن موضوع المرجعية السينمائية أمر شائع في كثير من الأفلام التي أخرجها يهود أو غير يهود، كما أن الفن الحديث (وما بعد الحديث) يحول نفسه إلى مرجعية ذاته، وهذا مرتبط بتصاعُد معدلات العلمنة وتآكل اليقين الفلسفي إلى درجة أن الواقع الموضوعي لا يزوِّد الإنسان بأية دلالة وبالتالي لا يمكنه أن يشكل مرجعية للإنسان، الأمر الذي يضطره إلى البحث عن دوال مكتفية بذاتها، ملتفة حول نفسها، ومن هنا تأتي المرجعية الذاتية أو السينمائية أو المرجعية الانعكاسية. لكل ما تقدم، نجد أن أعضاء الجماعة اليهودية لعبوا منذ الأعوام الأولى للسينما، دوراً أساسياً في تطور هذه الصناعة وكانوا بارزين في كل فروعها. وكان المهاجرون من اليهود في الولايات المتحدة من أوائل من قاموا بتأسيس واحتلال دور العرض الرخيصة أو «النيكلوديون» (نسبة إلى النيكل أو النكلة). وساعدهم ميراثهم كجماعات وظيفية ذات خبرات مالية وتجارية في ارتياد هذه الصناعة البكر حيث كانت لا تزال صناعة هامشية تفتقد إلى تقاليد ومعايير الصناعات الأخرى. ومن أشهر أعضاء الجماعة اليهودية في مجال صناعة السينما في تلك الفترة وليام فوخس الذي تحول اسمه بعد ذلك إلى «فوكس» وهو مؤسِّس شركة فوكس للقرن العشرين. وُلد (فوكس) في المجر عام 1879 وهاجر مع أسرته إلى أمريكا حيث عمل في محل للملابس ثم اشترى أول دار نيكلوديون عام 1904، ونجح فوكس بعد ذلك في توسيع أعماله فاشترى سلسلة من دور العرض، ثم اتجه للتوزيع والإنتاج وأسس شركته الشهيرة «فوكس للقرن العشرين» عام 1915. وكما حدث مع فوكس، تكرر الأمر مع العديد من أمثاله: هاري كون رئيس شركة كولومبيا، وصمويل جولدوين الذي وُلد في وارسو وعمل في صناعة القفازات ثم دخل عالم السينما عام 1913 كشريك لزوج أخته جيسي لاسكي. وقد بدأ هذا الأخير كباحث عن الذهب ووكيل للفنانين وعمل مع بعض شركات الإنتاج السينمائي مثل يونيفرسال وآر. كى. أو.(R.K.O) ثم أسس مع جولدوين شركة مترو. أما لويس ماير المولود في روسيا، فقد بدأ كصاحب مسرح ثم تحوَّل إلى دار نيكلوديون، ثم شرع مع صمويل جولدوين في تأسيس شركة مترو. وهناك كذلك كارل ليمل مؤسس يونيفرسال الذي وُلد في ألمانيا وبدأ عام 1906 في شيكاغو بمسرح صغير، كما أسَّس سلسلة مسارح ثم شركة توزيع وإنتاج. وتم تأسيس بارامونت عام 1917 بفضل أدولف زوكور الذي وُلد في المجر وبدأ كتاجر فراء في نيويورك ثم انتقل إلى العمل في السينما بامتلاك دار نيكلوديون. أما إرني بالابان (1887 ـ1971)، فعمـل رئيسـاً لبارامونت منذ 1936. ومن أهم العائلات اليهودية الرائدة في صناعة السينما عائلة وارنر المكونة من أربعة أشقاء بولنديي الأصل. وحققت السينما الأمريكية على يد الرواد الأوائل نجاحاً كبيراً وأثبتت القدرة على تحقيق الربح وعلى الاستمرار، كما فتحت أبواب النجاح المادي والحراك الاجتماعي والقبول في المجتمع الأمريكي للمهاجرين من أعضاء الجماعة اليهودية. وشهد العقد الثالث من هذا القرن تحوُّلين حاسمين في مجال السينما، الأول هو دخول الصوت عام 1927 والثاني هو تنظيم صناعة السينما اقتصادياً وإدارياً والذي أذن بتحوُّلها من صناعة وليدة تفتقر إلى النظام والتقاليد إلى صناعة ضخمة مستقرة شديدة التنظيم والدقة. وشهدت هذه الفترة، خصوصاً إبان الأزمة الاقتصادية الكبرى، تساقُط الرواد الكبار الأوائل، فتقاعد ماير عام 1936 وليمل عام 1935 وفوكس في بداية الثلاثينيات، وتحول آخرون كبالابان ولاسكي إلى وظيفة المنتج المنفِّذ. ووظيفة المنتج المنفِّذ كانت تعني بالنسبة إلى المهاجرين من أعضاء الجماعة اليهودية دخول مجال الطبقة الوسطى العليا ذات الدخل الثابت، كما أنها كانت تعني تحقيقهم قدراً من الحراك الاجتماعي وقدراً من القبول داخل المجتمع الأمريكي بعد أن اكتسبت صناعة السينما وضعية جديدة في المجتمع الأمريكي، ولم تَعُد مهنة المنبوذين والباحثين عن المغامرة التي قد تنتهي بالثراء أو بالإفلاس. وكان أهم نجوم هذه الوظيفة إرفين ثالبرج ودور شاري والإخوة سلزينك أبناء لويس سلزنيك. واشتهر أصغرهم (ديفيد) بأنه من أعظم المنتجين المنفذين في تاريخ السينما الأمريكية، ويكفي أنه منتج «ذهب مع الريح» أنجح فيلم في تاريخ السينما الأمريكية. وقد فقدت هذه العائلة ثروتها أثناء الأزمة الاقتصادية الكبرى. أما عائلة وارنر، فنجحت في الاستمرار حيث أسَّس أفرادها بنكهم الخاص القادر على تمويلهم ونجحوا في تحويل مؤسستهم من مؤسسة فرد أو عائلة إلى مؤسسة نظامية ابتلعت غيرها من الشركات المنهارة وتحولت إلى شركة متعددة الجنسيات عابرة للقارات هي وارنر للاتصالات. السينما اليهودية والصهيونـية واليديشية Jewish, Zionist and Yiddish Cinema عبارة «السينما اليهودية» يُقصَد بها الأفلام التي صُنعت أو تُصنَع بواسطة أعضاء الجماعات اليهودية في أي مكان أو أي زمان. وتروِّج الصهيونية لهذه العبارة بدلاً من عبارة «السينما الصهيونية» على أساس أن اليهودية قومية وليست ديانة فقط، وأن هناك بالتالي ما يجمع بين كل فيلم صنعه أو يصنعه كل يهودي. وغني عن القول أن مثل هذه النظرة ليس لها ما يساندها في الواقع، فالفيلم الذي ينتجه يهودي في الاتحاد السوفيتي (سابقاً) يختلف بشكل جوهري عن الفيلم الذي يخرجه يهودي في الهـند أو في الولايات المتحـدة. وبالتالي فإن عبارة «السينما اليهودية»، شأنها شأن عبارات مثل «التجارة اليهودية» أو «العبقرية اليهودية» أو «التاريخ اليهودي» هي عبارة ليست لها قيمة تفسيرية أو تصنيفية كبيرة. ويرى البعض أن اليهود سيطروا على صناعة السينما في الولايات المتحدة الأمريكية لكي يروجوا لما يُسمَّى «الدعاية الصهيونية». لكن كثرة عدد أعضاء الجماعات اليهودية في السينما والمسرح في الولايات المتحدة، ليس ضمن أي مُخطَّط يهودي أو صهيوني، وإنما يرجع إلى هجرة يهود اليديشية إلى الولايات المتحدة بعد عام 1881. كما يجب أن نشير إلى شيء أساسي في يهود العالم الغربي وهو اضطلاعهم بدور الجماعة الوظيفية الهامشية المالية، وقد ترك هذا أثره فيهم إذ نجدهم يتركزون في الصناعات الخفيفة القريبة من المستهلك البعيدة عن قاعدة الهرم الإنتاجي (الصناعات الأولية) كما أنهم يتركزون في قطاع الإعلام. وصناعة السينما تنطبق عليها كل هذه المواصفات. كما أن المهاجرين اليهود إلى الولايات المتحـدة ينجـذبون عادةً، شأنهم شأن المهاجرين كافة، إلى قطاعات اقتصادية مثل السينما وعالم الفنون الاستعراضية، وهي قطاعات لا يحتاج المرء لكي يعمل فيها أن ينتمي إلى طبقة معيَّنة أو يحصل على درجة معينة من التعليم أو حتى رأس المال. والدارس لتاريخ صناعة السينما في مصر يعرف أنها بدأت على يد عناصر غير مصرية (من بينها يهود) عندها من الخبرة والحركية ما يمكِّنها من ريادة هذه الصناعة الجديدة القريبة من المستهلك التي تحقق عائداً سريعاً دون استثمار كبير. وشهدت هوليود، في عصر السينما الصامتة، إنتاج العديد من الأفلام عن قصص العهد القديم، ومنها «يهوديت من بتوليا» إخراج دافيد وارك جريفث عام 1913، و«الوصايا العشر» إخراج سيسل دي ميل عام 1923، و«التائه» إخراج راؤول والش عام 1926، و«بن هور» إخراج فردنبلو عام 1926، و«سفينة نوح» إخراج مايكل كورتيز عام 1928. وأغلب هؤلاء المخرجين من اليهود، وأفلامهم هذه من إنتاج شركات أسسها ويملكها يهود. ولكن الهدف منها لم يكن دينياً ولا حتى دعائياً، وإنما كان تجارياً بالدرجة الأولى وبصفة أساسية، فهي أفلام تهدف إلى إبهار المتفرج بالملابس والديكورات التاريخية وجموع الممثلين الهائلة والمعارك العنيفة، ومن ثم يَسهُل تحقيق الربحية العالية. وظلت الدوافع التجارية لأفلام هوليود عن قصص العهد القديم قائمة بعد إنشاء إسرائيل عام 1948، ولكن لا شك في أنها لم تصبح الدوافع الوحيدة، خصوصاً أن هذه الأفلام تدفقت من هوليود في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات بمعدل فيلم كل عام تقريباً، وهي الفترة التي شهدت نمو الصراع العربي الإسرائيلي في الفترة ما بين حرب السويس عام 1956 وحرب يونيه عام 1967. وثمة أفلام تتناول حياة أعضاء الجماعات اليهودية كأقلية إثنية لا تختلف كثيراً عن الأقليات الأخرى، وهي أفلام يمكن أن ينتجها يهودي أو غير يهودي، تماماً مثلما ينتج مخرج أمريكي مسيحي فيلماً عن السـاموراي في اليابان، فهذا ليـس فيلماً يابانياً وإنما يظل فيلماً أمريكياً. والأفلام ذات المضمون اليهودي التي ينتجها يهودي، ليست بالضرورة يهودية، وإنما هي أفلام أمريكية يهودية مثل أفلام وودي ألين، فالشخصيات اليهودية في هذه الأفلام هي شخصيات أمريكية يهودية. كما أن الرؤية هي رؤية وودي ألين، لا باعتباره يهودياً خالصاً له أحزانه الفريدة التي تختلف عن أحزان الأغيار من غير اليهود، وإنما باعتباره إنساناً يعاني من أزمات المجتمع العلماني الغربي، فيهوديته ليست مسألة جوهرية وإنما عرضية. ولذا، فنحن نتعاطف معه في مأساته باعتباره إنساناً حديثاً، ولا نستبعده باعتباره يهودياً. ولكن هناك أفلاماً تروج الأفكار الصهيونية، سواء صُنعت بواسطة يهود أو غير يهود، قبل أو بعد إنشاء إسرائيل، وسواء أكانت تتناول حياة اليهود أم كانت تتناول حياة أية جماعة دينية أخرى، وهذا هو ما ينطبق عليه اصطلاح «السينما الصهيونية»، وهي تنقسم في مرحلة ما قبل عام 1948 إلى قسمين: القسم الأول يضم الأفلام التي تم إنتاجها على أرض فلسطين، ويضم الثاني الأفلام التي تم إنتاجها في الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا. ويُعتبَر جاكوب بن دوف، وهو يهودي روسي هاجر من روسيا بعد ثورة 1905، أباً للسينما الصهيونية، فقد أخرج فيلم «حياة اليهود في أرض الميعاد» عام 1912 عن يهود فلسطين، ثم أخرج عام 1923 فيلم «الفيلق اليهودي»، وهما من الأفلام الصهيونية الأولى التي صُوِّرت على أرض فلسطين. وفي الثلاثينيات، أخرج ناثان إكسلرود فيلم «أودد» عام 1932 الذي تدور أحداثه في مزارع اليهود الجماعية. وأخرج باروخ أجراتي فيلم «هذه أرضك» عام 1932 أيضاً، وكان أول فيلم ينطق باللغة العبرية في تاريخ السينما، كما أخرج البولندي ألكسندر فورد فيلم «صابرا» عام 1932 عن هجرة يهود أوربا إلى فلسطين وحقهم في العودة (وقد هاجر فورد إلى إسرائيل بعد حرب يونيو عام 1967). وفي عام 1947، تم تصوير ثلاثة أفلام صهيونية على أرض فلسطين، هي: «الأرض» إخراج هملر أداماه، عن شاب يهودي أُنقذ من معسكرات الاعتقال النازية ولا يتمكن من استعادة توازنه إلا في فلسطين، و«بيت أبي» إخراج هربرت كلين عن صبي أُنقذ من معسكرات الاعتقال النازية، ويبحث عن أبيه في فلسطين، ثم «الوعد الكبير» إخراج جوزيف لبيتز. ولعل أهم فيلم صهيوني أُنتج في الولايات المتحدة في الثلاثينيات هو فيلم «آل روتشيلد» من إخراج ألفريد وركر (عام 1934) عن تاريخ تلك العائلة اليهودية الشهيرة ودورها في تنمية الوجود اليهودي (أي الصهيوني) في فلسطين وفي دعم الحركة الصهيونية والدعوة إليها في أوساط اليهود في كل مكان. ويذهب البعض إلى اعتبار كل فيلم معاد للنازية فيلماً صهيونياً أو فيلماً يخدم الصهيونية، وهـو خـطـأٌ فادح يخدم الصهيونية في واقع الأمر. وتبدو هذه الحركة كأنها حركة معادية للنازية، بينما هي في واقع الأمر حركة لا تختلف في جوهرها عن النازية، ولذا تعاونت معها. وقد تعاظم دور السينما الصهيونية بعد إنشاء إسرائيل عام 1948، خصوصاً في الولايات المتحدة. ومن أهم الأفلام الصهيونية الأمريكية: فيلم «الحاوي» إخراج إدوارد ديمتريك عام 1953، و«الخروج» إخراج أوتو بريمنجر عام 1960، و«يهوديت» إخراج دانييل مان عام 1964، و«الظل العملاق» إخراج ملفيل شافلسون عام 1966، و«راشيل... راشيل» إخراج بول نيومان عام 1967. ومن الأفلام الأوربية الصهيونية: الفيلم الإيطالي «معركة سيناء» إخراج مورتيز ولوتشيدي عام 1968، والفيلم البريطاني «إنها أرضه» إخراج جيمس كوللر عام 1969، والفيلم الفرنسي «حائط القدس» إخراج فرانسوا رايشنباخ عام 1969، وأيضاً الفيلم السويسري «المواجهة» إخراج رولف ليوسي عام 1975. والسينما التي نستطيع أن نُطلق عليها، أكثر من غيرها، تعبير «السينما اليهودية»، إن كان ثمة سينما يهودية، هي تلك السينما الناطقة باليديشية، فهي سينما لا تعبِّر عن ثقافة اليهود بشكل عام وإنما تعبِّر عن ثقافة يهود شرق أوربا وعما يمكن تسميته «القومية اليديشية». وقد بدأت السينما اليديشية، في الولايات المتحدة، في أواخر عصر السينما الصامتة حيث كان الحوار يُطبَع على الأفلام في كادرات منفصلة، وأهم أفلام هذه الفترة هي: «مازل طوف» عام 1924، و«القلوب المحطمة» عام 1925، و«الجانب الشرقي لساري» عام 1929، وكلها من إخراج سيدني جولدوين. ومع بداية ظهور الأفلام الناطقة في عام 1927، بدأ عصر ازدهار السينما اليديشية الذي وصل إلى ذروته في النصف الثاني من الثلاثينيات، حيث بلغ عدد الأفلام الناطقة باليديشية حوالي مائة فيلم أغلبها أمريكي، وبعضها بولندي أو من بلاد أوربية أخرى، إلى جانب 35 فيلماً تسجيلياً قصيراً. ومن أهم الأفلام الأمريكية اليديشية: «الأب أبراهام صوت إسرائيل» إخراج جوزيف سيدني عام 1931، و«قوة الحياة» إخراج هنري لين عام 1938، و«يوسف في مصر» عام 1932، و«اليهودي التائه» عام 1932 إخراج جوزيف رولاند، و«أضواء القمة» إخراج إدجار أولمير عام 1939. أما في بولندا، فكان جوزيف جرين أهم مخرجي الأفلام اليديشية، ومن أفلامه: «مهرج عيد النصيب» عام 1937، و«خطاب إلى أم» عام1938. وانخفض عدد الأفلام اليديشية في الأربعينيات مع تآكُل الثقافة واللغة اليديشيتين، ثم كاد الإنتاج السينمائي أن يندثر بعد ذلك حيث لا يُعرف منه إلا فيلمان طـوال الخمسـينيات، وهما: «الإله والإنسـان والشيطان»، و«مونتشيللو هنا جئنا» إخراج جوزيف سيدني عام 1950، وفيلم واحد طويل في الستينيات، وهو «الشقيقات الثلاث» إخراج جوزيف سيدني أيضاً عام 1961. وترجع جذور السينما اليديشية إلى المسرح اليديشي. وهي، شأنها شأن المسرح اليديشي، يرجع معظمها إلى تراث يهود اليديشية في شرق أوربا. ورغم أن الحركة الصهيونية سعت إلى إحياء اللغة العبرية، وقاومت اليديشية، إلا أن أغلب الأفلام اليديشية هي أفلام صهيونية. الإخـوة ماركـس Marx Brothers أربعة من أهم الممثلين اليهود الأمريكيين في السينما الأمريكية الكوميدية وهم جروشو (جوليوس) (1895 ـ 1977) وهاربو (أدولف) (1893 ـ 1964) وشيكو (ليونارد) (1891 ـ 1691) وزيبو (هربرت) (1901 ـ 1979). بدأوا حياتهم الفنية كفرقة للفودفيل مع أخيهم الخامس جومو (ميلتون) (1894 ـ 1977) وأبيهم ميني. وقد اكتشفهم الفرنسي روبير فلوري المقيم في هوليود حينما كانوا يعملون بنجاح في مسرحية كوميدية موسيقية لإرفنج برلين، حيث قام بإعدادها للشاشة لتكون أول أفلامهم «ثمرة الكاكاو» (1929). ومن أهم أفلامهم «عملة القرد» (1932) و«ليلة في الأوبرا» (1935) و«يوم في ميدان السباق» (1936) و«ذعر في الفندق» (1938). وقد انفصل عنهم زيبو بعد تصويرهم فيلم «ريشة الجواد» (1932) ليصبح منتجاً ومموِّلاً سينمائياً. وارتبط ظهور الإخوة ماركس بدخول الصوت إلى السينما، وقد استغلوا الإمكانيات الجديدة لتقديم خاصية مميِّزة لهم هي تحوير ألفاظ اللغة لتتفق مع أغراضهم. وفي الحقيقة، فإن جذور هذه الفكرة تعود إلى شخصية المهرج في السيرك ومقدِّم الفقرات الخفيفة في الملاهي الليلية أو ما يُسمَّى «وان لانرone liner» أي الشخص الذي يطلق النكات فيما بين الفقرات أو داخل الفقرة. وكانت أفلامهم نوعاً من كوميديا اللامعقول والسريالية، وكان كل فرد في المجموعة له الشخصية المميزة التي يكررها في كل الأفلام. وتنبع الكوميديا عندهم أساساً من الموقف الذي تتجمع فيه تلك الشخصيات حول محور خارجي هو شخصية أمريكية « سوية » لتقوم تلك الشخصية مقام عامل التفجير الخارجي الذي يُظهر التناقضات الكامنة، وفي نفس الوقت يلعب دور مركز الاهتمام الذي تنصب عليه سخريتهم. وكان جروشو يمثل التشاؤم الذي يميِّز رجل الأعمال الأمريكي الفاشل ويحاول دائماً أن يقوم بدور زير النساء شديد المراس مع أنه يفشل باستمرار. وكان شيكو يلعب دور الرجل البارد الذي لا تهزه الأزمات متقمصاً شخصية المهاجر الإيطالي القادم لبلاد العم سام وفي ذهنه هدف محدد هو تكوين ثروة، يدعمه في ذلك تراثه الذي يجعله يحسن التصرف في الأزمات. أما هاربو فكان يؤدي وظيفة المراقب الخارجي ذلك الخيالي المتفائل الذي يبدو أنه أبله أو خائب لا يتكلم أبداً ولكنه موسيقي موهوب ومرهف الحس. والشخصيات الثلاث تتكامل فيما بينها لتقدم صورة ما يمكن تسميته «الفشل المضحك»، تلك الصورة التي تمثل أحد آليات النجاح التجاري السينمائي إبّان فترة الكساد العظيم في الثلاثينيات والتي تفسر هذا النجاح المنقطع الذي أحرزه الإخوة ماركس عند ظهورهم. إذ قدموا التوليفة السحرية التي يحتاج إليها الناس للعودة إلى التوازن، فالفشل يصيب الجميع ولا داعي إذن للحزن واليأس، فها هو الموهوب الذكي أبله وخائب، وها هو رجل الأعمال زير النساء فاشل ومحبط، أما المهاجر فيمكن أن يجد في موروثه الثقافي ذخيرة لتسلُّق السلم في مجتمع البحث عن الثروة وتحقيق الحلم الأمريكي. وإذا كانت الكوميديا وسيلة لاسترجاع الثقة بالنفس للمُحبَطين والفاشلين، فقد كانت أيضاً وسيلة الجيل الأول من الفنانين من أبناء المهاجرين من يهود اليديشية لدخول المجتمع المضيف، عن طريق أداء دور المهرج والبهلوان الذي يسخر من نفسه ليُضحك الآخرين في الوقت الذي يضحك هو عليهم فيه ويأخذ أموالهم. وتمثل آلية تحطيم اللغة وسيلة سحرية لتحقيق هذا الهدف فهي تكشف كم الزيف الذي تحمله الحياة الاجتماعية، ولكنها في الوقت نفسه الوسيلة الممكنة لتحقيق الذات في هذه الحياة المزيفة. وهذه الآلية تمثل أيضاً الموروث الثقافي للمهاجر الذي يجيد لغته الأصلية (اليديشية) ويتملك ناصية لغة الوطن الجديد ويظل مع هذا خارجها، فهي لغة برانية (الإنجليزية). فثمة لغة جوانية تموت ولغة برانية تُكتَسب من خلال التقليد الجيد، ويقف المهاجر في منطقة رمادية، ولذا فهو يملك مقدرة فائقة على تحوير اللغة الجديدة البرانية بحيث تصبح وسيلة لتحقيق الذات وكشف الآخر، أو تحقيق الذات عن طريق كشف الآخر. وبعد أن استعاد المجتمع الأمريكي توازنه المفقود على حساب أوربا بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد أن حقق أعضاء الجماعات اليهودية توازناً كبيراً وحراكاً اجتماعياً داخل المجتمع الأمريكي، وبعد أن ظهرت موجات تحطيم اللغة فيما سُمي «مسرح العبث»، كان من الطبيعي أن يتفرق الإخوة ماركس بعد أن استُنفدت أغراضهم. وقد انتهوا سينمائياً عام 1941 وتفرقوا نهائياً عام 1950. ولهذا أيضاً، لم يتكرر نموذج الإخوة ماركس ولكن تكررت الأنماط المأخوذة عنهم مع عودة أزمة المجتمع في نهايات الستينيات وأوائل السبعينيات. تشـارلي تشـابلين (1889-1977) Charlie Chaplain وُلد (سير) تشارلي تشابلن عام 1889 لأسرة إنجليزية ويُقال إن أمه كانت تعمل ممثلة في مسرح متجول وإنها من أصل يهودي. ولكنها مسألة ليست أكيدة. وصرح تشارلي تشابلين نفسه مرة قائلاً: « ليتني كنت يهودياً » (وهي عبارة لا معنى لها فلو كان المقصود «يهودي» بالمعنى الديني فلم يكن هناك ما يمنعه من التهود. ولو كان المقصود «يهودي» بالمعنى الإثني فهي رغبة مستحيلة إذ من الصعب أن يُغيِّر الإنسان جلده أو ماضيه! ولكن المهم في هذا السياق أن هذه العبارة تدل على أنه لم يكن «يهودياً» لا بالمعنى الديني ولا بالمعنى الإثني). ظهر تشارلي الصغير على المسرح ليلعب دوراً قصيراً لإضحاك الجمهور عندما مرضت أمه. ودخل إلى عالم السينما عام 1914 وابتكر شخصية الصعلوك التي اشتُهر بها بعدئذ. ثم اقتحم عالم الإنتاج والإخراج السينمائي وأسَّس شركة «الفنانون المتحدون» (يونايتيد آرتستس). ومثَّل تشارلي تشابلن في كل أفلامه التي أخرجها عدا فيلمي «امرأة من باريس» عام 1923 و«كونتيسة من هونج كونج» عام 1967. وتميَّزت أفلامه الكوميدية بمسحة إنسانية عميقة وإحساس عال بمتاعب الإنسان في المجتمع الرأسمالي بدءاً من أفلامه الأولى مثل «الصعلوك» و«الشارع السهل» و«الشقاء والمهاجر» و«حياة كلب» وغيرها، مروراً بفيلم «البحث عن الذهب» (1925) و«السيرك» (1928) و«أضواء المدينة» (1931) و«الأزمنة الحديثة» (1936)، وانتهاءً بفيلمه «ملك في نيويورك» (1957) الذي مُنع من العرض في الولايات المتحدة. ويعتبر البعض أن فيلمه «الديكتاتور العظيم» (1940) دعاية يهودية حيث لعب فيه دور الحلاق اليهودي المضطهَد كما لعب دور هينكل الديكتاتور المجنون، وكان أول فيلم يسخر صراحة من ألمانيا الهتلرية في الوقت الذي لم تكن الولايات المتحدة قد حددت بعد مع مَنْ سـتدخل الحرب! وكانت شخصية الصعلوك الذي يواجه السلطة بكل أشكالها بدءاً من صاحب العمل والملاحظ، مروراً بالشرطي، وانتهاءً بالسياسيين المرتشين ورجال الأعمال الفاسدين، تعبيراً عن رفض البنية الاجتماعية الهرمية ورغبة في الارتباط بالإنسان الضعيف المسحوق. وامتازت الشخصية التي قدمها بالبساطة والتلقائية الأمر الذي قربها كثيراً إلى الجماهير في أنحاء العالم كافة حتى أصبحنا نجد «تشابلن» في كل مكان. وحتى صارت الشخصية في ذاتها رمزاً مرتبطاً بكوميديا الحركة والمواقف الساخرة. وأدَّت آراء تشابلن الجذرية ورؤيته الإنسانية الرافضة للبناء الاجتماعي الاسـتهلاكي إلى وضعه في القائمـة السـوداء واتهامه بالشيوعية، حتى أنه هاجر من الولايات المتحدة في الفترة التي سادت فيها المكارثية ولجنة مكافحة الشيوعية. وقد اعتبر هذا من علامات يهودية تشابلن حيث إن معظم الفنانين الذين اُضطهدوا في هذه الفترة كانوا من اليهود. ومرةً أخرى، لم يحاول البعض أن يربط بين آرائه الثورية الرافضة للنموذج الاستهلاكي العلماني وبين رفض البنية الهرمية له، بل اتجهوا للحل الاختزالي الأسهل وهو تفسير موقفه على أساس يهوديته. كلـــود لانزمـــان (1925- ) Claude Lanzman كاتب فرنسي ومنتج سينمائي، وُلد في باريس لعائلة من البورجوازية الصغيرة. درس الفلسفة في جامعة السوربون، ثم عمل محاضراً في جامعة برلين. وانجذب نحو الأنشطة الصهيونية، ثم تأثر فيما بعد بفكر جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار الوجودي، وأصبح منذ عام 1952 من المقربين لهما حيث تعاون معهما في أعمالهما الفكرية وأنشطتهما العامة، كما اهتم بقضايا عديدة داخل فرنسا وخارجها. وقد أسس معهما مجلة الأزمنة الحديثة وكان من أصغر المساهمين والمحررين بها. ومنذ الستينيات، تزايد اهتمام لانزمان بالقضايا اليهودية، وخصوصاً مسألة الهولوكوست أو الإبادة النازية. وترك الصحافة عام 1970 واتجه نحو الإنتاج السينمائي حيث أنتج فيلماً بعنوان «لماذا إسرائيل» عُرض عام 1973 وقيل عنه إنه من أفضل الأفلام التي أُنتجت عن إسرائيل على الإطلاق، وهو في الواقع لا يعدو أن يكون دعاية صهيونيـة عادية وُظّفـت في خدمتها إمكانيـات فنيـة ضخمة. وفي عام 1985، عُرض له فيلمه الضخم «شواه» أي «الهولوكوست» الذي ظل يُعدُّ له لمدة عشرة أعوام. ويتناول الفيلم موضوع الإبادة من خلال تسع ساعات من الحوارات واللقاءات مع شخصيات يهودية وبولندية ونازية. ولا يُلقي هذا الفيلم أيضاً أي ضوء جديد على الظاهرة النازية أو ظاهرة الإبادة ويكرر الخط الغربي الذي يحول اليهود (على وجه العموم، وليس يهود أوربا على وجه التحديد) إلى ضحايا ومن سواهم إلى جزارين. وقد نال لانزمان عن هذا الفيلم أهم الجوائز التي تقدمها الجماعة اليهودية في فرنسا وهي جائزة المؤسسة اليهودية الفرنسية. ويقيم لانزمان حالياً في باريس ويعمل مديراً لمجلة الأزمنة الحديثة. مـيل بروكـس (1926- ) Mel Brooks واحد من أهم مخرجي الكوميديا في عقدي السبعينيات والثمانينيات في السينما الأمريكية. ويمثل، مع مجموعة تشمل مارتن فلدمان وجين وايلدر ووودي ألين (في أفلامه الأولى)، مدرسة خاصة في الكوميديا. وهو يُعرِّف نفسه قائلاً: « لا أحب أن أكون ما يظن الناس أنه أنا، لكن المشكلة أنني لا أدري حقاً من أنا ». وُلد في نيويورك عام 1926 لأسرة من يهود اليديشية، ونشأ في حي اليهود ببروكلين حيث لم تكن حياة الفقراء سهلة،وكانت أسرته فقيرة.كان اسمه الأصلي هو ملفين كانسكي ولكنه غيَّره عام 1940 إلى ميل بروكس (أي أنه تبنَّى اسماً غير يهودي).وعمل كمهرج في مجموعة فنادق «البورش»،وهي فنادق كان يرتادها يهود أوربا الوسطى،وبدأ بها كل من جيري لويس وداني كاي وليني بروس. تعود علاقة بروكس بالسينما إلى أيام طفولته. إذ كانت السينما تمثل، لهذا الصبي اليهودي الفقير المُجبَر على العمل، ملاذاً وملجأ من عالم قاس لا يرحم في مجتمع الأغيار الغني الذي لا يهدأ. وتضافرت عوامل متعددة لتكوين الأسلوب البروكسي في الكوميديا، بيد أنها جميعاً ترجع إلى خصيصة واحدة ألا وهي الرعب؛ الرعب من مجتمع الأغيار الذي يرفض اليهود، والرعب من مجتمع الأغيار الذي يرفض الفقراء، والرعب من المجتمع الصاخب الذي لا يهدأ ويرفض من لا عمل له. وتأكَّد هذا الرعب عندما بدأ بروكس في العمل في مجال السينما والتليفزيون. ويتخذ أشكالاً ثلاثة في أفلامه، وهي: البذاءة، والعبثية المرة، والمرجعية السينمائية (أي أن تصبح الأفلام الأخرى هي المرجعية الوحيدة والركيزة النهائية للفيلم). وهي تمثل آلياته الدفاعية لدخول مجتمع الأغيار ونقده في الوقت نفسه، إنها آليات إرضاء الآخر بالسخرية من الذات، ومن خلال ذلك إرضاء الذات بالسخرية من الآخر وفَضْحه. ويحمل فيلمه «تاريخ العالم» (1981) وجهة نظره كاملةً، كما يمثل أسلوبه المتميِّز في أجلى ملامحه. ومن أهم أفلامه الأخرى، «منتهى التوتر» (1977) و«نكون أو لا نكون» (1985). وودي أليــــن (1935- ) Woody Allen مخرج سينمائي وممثل وكاتب سينمائي أمريكي يهودي اسمه الأصلي هو ألان ستيورات كونيجسبرج، وُلد في بروكلين (وهو حي يتركز فيه عدد كبير من يهود الولايات المتحدة في نيويورك) لأب كان يعمل جرسوناً في مطعم وفي قطع الجواهر. التحق بجامعة نيويورك، ولكنه لم يحصل على شهادة جامعية. فاختار اسم وودي ألين اسماً فنياً وبدأ حياتـه المهنيـة ككاتب نكات يقـدمها للصحف أو لمقدمي البرامج التليفزيونية.وفي هذه الفترة، ابتكر ملامح الشخصية الأساسية التي تظهر في معظم أفلامه؛ شخصية البطل المضاد والمعادي للبطولة، أو البطل المهزوم الذي يخسر دائماً ويفشل. وثمة موضوعان أساسيان في أفلام وودي ألين، وهما مترابطان تمام الترابط؛ أما الأول فهو وجود البشر في الزمان حيث يحصدهم الموت بمنجله، أما الموضوع الثاني فهو الجنس. والجنس هو وسيلة للمتعة ولكنه أيضاً طريقة للتواصل والتضامن ومعرفة النفس البشرية. ولكن الزمان يؤدي إلى التغيُّر فتصبح كل الأمور نسبية، ومن ثم يصبح العالم خالياً تماماً من أية مطلقات معرفية أو أخلاقية، ومن أي معنى أو هدف، وتصبح الحركة آلية رتيبة مكرَّرة، ويُفرَّغ الجنس من المعنى تماماً ويصبح مجرد مسألة جسمانية لا تحل مشكلة المعنى. ويحاول البطل المهزوم أن يتجاوز كل هذا عن طريق الإيمان الديني. ولكنه يرتد دائماً على عقبيه فاشلاً، إذ يدرك استحالة بحثه، فيظل قابعاً رغم أنفه في عالمه العلماني يبيِّن حدوده ومأساته، ولكنه لا يتجاوزه قط. ولكنه لا يقنع بهذا أيضاً، إذ نجده يبين حدود الإيمان الديني كذلك، ومن ثم فهو في تصوُّرنا واحد من أهم نقاد المجتمع العلماني الذي يراه بوضوح ويرى الكارثة المعرفية والأخلاقية الناجمة عن النسبية، ولكنه يظل داخل حدود نسقه، يجلس على عتبات الإيمان الديني يُطلق نكاته المظلمة المنيرة. وعادةً يتناول وودي ألين هذه الموضوعات من خلال حشد كبير من الشخصيات بعضهم له ملامح إثنية واضحة مُستمَدة من حياة مهاجري يهود اليديشية في الولايات المتحدة (هم وأبناؤهم الذين حققوا قدراً من التأمرك ولكنهم لم يندمجوا تماماً، وهو ما يجعلهم غير مستقرين لا في القالب اليهودي اليديشي ولا داخل قالب الواسب، أي الأمريكيون البيض البروتستانت). وهم، في هذا، يشبهون الإنسان الغربي الحديث الذي فقد عالمه التقليدي ولكنه لم يجد نفسه إلا غريباً في عالمه الحديث. ومن أفلام وودي ألين الأولى، التي تستخدم نمط البطل المهزوم، فيلم «فلتأخذ النقود وتهرب» (1969)، وهو محاكاة ساخرة للأفلام الوثائقية، التي يكون بطلها عادةً شخصية ذات أبعاد بطولية. ولكن بطل هذا الفيلم هو مجرم لا يتَّسم بأية كفاءة، فهو في واقع الأمر إنسان عادي. ولذا، فهو دائم الفشل، يبدأ وينتهي في السجن ولا يضيء حياته سوى قصة حب قصيرة. وتدور أحداث فيلم «العبها مرة أخرى ياسام» (1972) حول ناقد سينمائي مُستوعَب تماماً في أفلام همفري بوجارت، وفي شخصيته التي تتسـم بالذكـورة الفائقـة. ولذا، بدلاً من أن يصـبح هذا الناقد مبدعاً، تتبدد طاقته في الحلم بالقيام بغزوات تشبه غزوات بوجارت، فتهجره زوجته ويبحث هو عن حب حقيقي أو علاقة غرامية أو جنسية ذات معنى. أما فيلم «النيام» (1973)، فيتناول الحياة في عالم المستقبل الذي يشبه الكابوس. فبطل الفيلم لا يمكنه التأقلم مع هذا العالم المنظَّم بشكل هندسي، وهو ما يجعل تجربته تشبه تجربة اليهودي في الحضارة الأمريكية الحديثة، وتجربة الإنسان بشكل عام في المجتمع الصناعي الحديث. وفيلم «كل ما كنت دائماً تود معرفته عن الجنس وتخشى السؤال عنـه» (1972) هو محاكاة كومـيدية لعـدة أنواع ومواضـيع أدبية وسينمائية: رواية الخيال العلمي، وقصة فرانكنشتاين، وأفلام الإباحية والشره الجنسي ومشكلة الشذوذ الجنسي في المجتمع الحديث. والفيلم يتضمن نقداً عميقاً للعقلية المادية الحديثة التي تحاول الوصول إلى الحد الأقصى في كل شيء: التمتع بالجنس والتحكم في الواقع واستكشاف المجهول. والصوت الروائي في الفيلم ينظر إلى كل هذا بشيء من عدم التصديق وبكثير من السخرية. ويُعتبَر «الحب والموت» (1975) من أهم أفلام وودي ألين، وتدور أحداثه في روسيا القيصرية أثناء غزو نابليون لها. وبطل الفيلم هو بطل وودي ألين المعتاد، الإنسان الصغير الذي يفشل دائماً، ولكنه يجد نفسـه في هـذه المرة بطلاً رغم أنفه. وتدور حبكة الفيلم حول الحب والموت، ومحاولة البطل أن يصل إلى الحب وأن يفهم الموت، وهو يحقق شيئاً من النجاح في محاولته الأولى إذ يتزوج ابنة عمه سونيا بعد سنوات طويلة من الحب المرفوض، لكن زواجه هذا يتم عن طريق الصدفة. أما الموت، فيظل الشيء البعيد الذي لا يُفهَم: يحاول البطل أن يغتال نابليون فيُقبَض عليه ويُحكَم عليه بالإعدام، وفي الليلة المحددة لتنفيذ الحكم يأتيه في سجنه ملاك يبشره بالنجاة والخلاص فيتقدم البطل إلى الموت دون خوف، ثم يظهر أن الملاك كان يكذب عليه وينتهي الفيلم بإعدام البطل! ويُعتبَر فيلم «آني هول» (1977) نقطة تحوُّل في تاريخ وودي ألين السينمائي. والفيلم يتناول كثيراً من الموضوعات الأمريكية اليهودية، علاقة اليهودي بالشيكسا (أنثى الأغيار الشقراء)، وموقف اليهودي المُبهَم من حضارة الواسب، إذ هو يحبها ويكرهها في آن واحد، يود دخول عالمها والاندماج فيه ولكنه يخشى أن يفعل ذلك. وهناك أيضاً موضوع كره اليهودي لنفسه وعشرات الموضوعات الأمريكية الأخرى مثل البارانويا والتحليل النفسي. وتزداد قضية المعنى أهمية في هذا الفيلم، بل وتشغل المركز. ويُعَدُّ فيلم «الداخل» (1978) من أفلام وودي ألين القليلة المأساوية والتي لا يمثل دوراً فيها. ويتناول قصـة حيـاة امرأة تفقـد علاقتها بالحياة، إذ تُستوعَب تماماً في القيم الفنية، خصوصاً قيمة التناسق، إلى درجة أنها تحاول أن تفرضها على الواقع. وحينما ينفصل عنها زوجها ثم يطلقها، لا تتحمل هذه الصدمة وتنتحر. ويتزوج الرجل بعد ذلك امرأة سوقية بعض الشيء ولكنها مليئة بالحيوية، وهي رغم كره بقية أعضاء الأسرة لها تأتي لهم بالحياة. ورغم أن الفيلم لا يستخدم الأنماط الإثنية المحددة، إلا أن من الواضح أن الزوجة الأولى تنتمي إلى حضارة الواسب الجميلة المتسقة. أما الثانية، بردائها الأحمر، فترمز إلى المهاجرين اليهود والذين قد يتسمون بالسوقية ولكنهم مليئون بالحياة . ومن أهم أفلام وودي ألين فيلم «مانهاتن» (1979)، ومانهاتن هي أهم أحياء نيويورك ومركز المال والتجارة، وهو الحي الذي يعيش فيه وودي ألين نفسه. وهو في هذا الفيلم، يتناول الفوضى الأخلاقية والعاطفية الناجمة عن النسبية، واختفاء المعنى والقيمة، وتحوُّل كل شيء إلى جزء من الحياة العامة. فزوجته، على سبيل المثال، تتركه لتعيش مع امرأة أخرى (فهي مُساحقة)، وتؤلف كتاباً عن حياتهما الشخصية تتعرض فيه لأدق وقائعها. ولكن، وسط كل هذا، تُوجَد فتاة صغيرة تحب البطل وترتبط به. ورغم محاولته الهرب منها، فإنها تظل تؤكد حتى النهاية ضرورة أن يثق البشر، الواحد بالآخر. ويتناول فيلم «زيليج» (1983) قصة حياة رجل يتلون كالحرباء تبعاً للوسط الذي يعيش فيه حتى يفقد هويته تماماً. ولعل زيليج تعبير عن مأساة الإنسان الحديث الذي يفشل تماماً في تحقيق الانتماء، لأية عقيـدة ولأي مجتمـع، ولذا يظل دائماً غريباً لا مأوى له. والإنسان الحديث، في هذا، يشبه المهاجر اليهودي (أو غيره من المهاجرين) حيث يبذل قصارى جهده لكي يصبح جزءاً من مجتمعه ويحاول في الوقت نفسه ألا يفقد هويته، ولكن المحاولة تبوء عادةً بالفشل إذ أن ما يحدث هو أن المهاجر يفقد يهوديته، ولكنه في الوقت نفسه لا يصبح من الواسب. ولذا، فإن محاولته الاندماج تصبح حالة مرضية مثل حالة زيليج. وفي فيلم «برودواي داني روز» (1984) نجد البطل الصغير المهزوم في عالم تسوده قيم التنافس والقوة، وهو في هذه المرة وكيل أعمال فنانين ينبذونه حينما يحققون النجاح، أما هو فيستمر في جمع المهزومين والفاشلين والعاطلين عن المواهب من حوله، هؤلاء الذين لا يمكنهم تحقيق البقاء في مجتمع التنافس الدارويني. ومن أهم أفلام وودي ألين «وردة القاهرة القرمزية» (1985) وهو فيلم لا يظهر فيه هو نفسه، والفيلم يقف ما بين الكوميديا والمأساة، بطلته امرأة متواضعة الحال تعيش حياة بائسة، حياة لا يوجد فيها نبل أو تجاوز أو تعال، وزوجها عاطل عن العمل بسبب الكساد الاقتصادي في الثلاثينيات، ولا تجد ملجأ من كل هذا الكابوس إلا في عالم الأحلام الوردية، عالم السـينما. تذهب إلى السـينما كل يوم وتشـاهد نفس الفيلم، المرة تلو الأخرى، فعالم السـينما هو عـالم غير حقـيقي ولكنه جمـيل ويعـلو على واقعها الرديء. والفيلم الذي تشاهده هو فيلم من الثلاثينيات يُسمَّى «وردة القاهرة القرمزية»: فيلم هروبي، أبطاله أثرياء يتنقلون من القاهرة إلى شرفات شققهم الفاخرة في شيكاغو وإلى المطاعم التي تغنى فيها أشهر المغنيات. وتُستوعَب البطلة تماماً في الفيلم الذي تشاهده إلى أن يزول الخط الفاصل بين الواقع والخيال، ويقع بطل الفيلم في غرامها ويترك الشاشة ويهرب معها لتعيش البطلة الحالمة معه حياة مليئة بالمغامرات، ثم يأخذها البطل ويدخل معها عالم الفيلم ذاته حيث تختلط بالنجوم وتحيا حياة المتعة والثراء. ولكن الفيلم ينتهي حين يأتي ممثل الفيلم ويخبرها بأن عليها أن تختار بينه (هو الممثل الحقيقي) وبطل الفيلم الوهمي، فتختاره هو بطبيعة الحال. ولكن يظهر أنه خدعها، إذ يعود إلى هوليود وتعود هي إلى حياتها العادية الرتيبة لتشاهد مزيداً من الأفلام وتعيش مرة أخرى في عالم البؤس تتطلع إلى عالم الأحلام الوردية! وتظهر في «حنا وأخواتها» (1986) قضية المعنى بكل حدة، فبطله كاتب تليفزيوني أمريكي يهودي لم يَعُد يؤمن باليهودية، ويبدأ رحلة البحث فيعتنق المسيحية الكاثوليكية بضعة أيام ولكنه يتركها، ثم يجد العزاء والمعنى في الحب والسينما. وبعد هذا، ظهر فيلم «قصص نيويورك» (1988)، وهو فيلم يتكوَّن من ثلاثة أجزاء، أخرج وودي ألين ثالثها بعنوان «أطلال الملك أوديب» (لعب على لفظ «ركس rex» اللاتينية التي تعني «ملك» وكلمة «ركس wrecks» الإنجليزية وتعني «يحطِّم» أو «يهدم»). وفي هذا الفيلم، يعود ألين إلى الموضوع اليهودي ويتناوله بشكل مباشر كما فعل في «آني هول»، فالفيلم يتناول حياة شاب أمريكي يهودي يحاول أن يندمج في المجتمع، فيغيِّر اسمه ويتصرف تماماً مثل الواسب ويحب شيكسا. ولكن أمه اليهودية ذات الشخصية المتسلطة والهوية اليديشية الواضحة الفاضحة ترفض هذا الوضع تماماً. وفي يوم من الأيام، تختفي الأم ولكنها تظهر في سماء نيويورك على هيئة صورة ضخمة تتحدث معه ومع المارة حيث تستمر في مطاردة ابنها إلى أن يرضخ في نهاية الأمر ويحب أنثى يهودية تشبه أمه تماماً. ولا يتسم هذا الفيلم بكثير من التركيب ربما بسبب قصره. أما فيلم «جرائم وجنح» (1989) فتتبلور فيه كثير من الموضوعات وتصل إلى منتهاها، فقضية المعنى ومصدر القيمة الأخلاقية المطلقة في المجتمع العلماني تصبح هنا قضية مركزية. وبطل الفيلم مخرج سينمائي (متخصص في الأفلام الوثائقية) يؤمن بفنه وتشاركه هذا الإيمان فتاة يعتقد أنها تحبه. ويُوجَد في الفيلم كذلك طبيب عيون يهودي أمريكي ناجح، مندمج في مجتمعه، يُقدِّم خدمات عديدة للمجتمع، أحد مرضاه حاخام أعمى. وينتهي الفيلم حين يجد البطل أن صديقته تتركه لتتزوج رجلاً سوقياً متخصصاً في العلاقات العامة ويقوم طبيب العيون باستئجار قاتل ليقتل عشيقته التي تهدده بالفضيحة، فكأن العام والبراني ينتصر تماماً على الخاـص والجـواني، ويختفي اليقـين المعرفي والمطلقية الأخلاقية. وعلى كلٍّ، فإن الحاخام أعمى منذ البداية، أما الطبيب الذي يحاول أن يرجع النور لعيونه فهو مجرم! وظهر عام 1990 فيلم «أليس»، ويتناول حياة أنثى أمريكية ثرية تعيش حياة رتيبة تماماً لا يوجد لها هدف أو معنى. بدأت تشعر بالفجوة العاطفية التي تفصل بينها وبين زوجها، وبالمسافة التي تفصلها عن أطفالها بسبب اعتمادها على مربية في تنشئتهم وعلى آلاف الأشياء الأخرى (مثل اللعب والهدايا التي لا تنتهي)، وتقرر تغيير حياتها فتستشير طبيباً صينياً يعرف بعض الوصفات السحرية، من بينها دواء إن أعطته لشخص فإنه يقع في غرامها على التو. وبعد أن تجربه ترفض هذا الحل السحري، كما ترفض أن تذهب للاستقرار في الهند بحثاً عن تجربة دينية وإنما تترك زوجها وتأخذ أطفالها وتتفرغ لتربيتهم متخطية المسافة التي تفصل بينها وبينهم. وأفلام وودي ألين الأخيرة تتناول الموضوعات نفسها بشكل أكثر عمقاً وظلمة. ففيلم «رصاص فوق برودواي» (1994) يطرح السؤال التالي: هل من حق الفنان (هل من حق أي إنسان) أن يكون له عالمه الأخلاقي المستقل، أي أن يحكم على العالم بقيمه هو، دون مرجعية إنسانية مشتركة؟ ويدور الفيلم في عالمين: عالم المسرح وعالم المافيا وتربط بينهما شخصية عضو المافيا الذي يؤمن إيماناً مطلقاً بالفن يَجُبُّ أي التزام آخر (بما في ذلك الالتزام الخلقي تجاه البشر) والذي يعرف خبايا فن المسرح ويُقدِّره حق قدره. هذا المجرم، الفنان يقوم بحراسة ممثلة من الدرجة الرابعة، تعمل في ملهى ليلي ولكنها تتطلع للشهرة. وتنجح في الحصول على دور ثانوي في مسرحية يقوم عشيقها زعيم المافيا بتمويلها إرضاءً لها حتى يوفر لها دوراً فيها. ويتدخل الحارس الفنان تدريجياً أثناء البروفات فيُعيد صياغة حدث هنا وعبارة هناك في النـص المـسرحي، إلى أن يصـبح عملاً جيداً. ولكنه يدرك تماماً أن الممثلة، عشيقة زعيم المافيا، ستُفسد العرض، وتدمر العمل الفني. وانطلاقاً من ولائه المطلق للقيم الجمالية يقوم بإطلاق الرصاص عليها. وهنا يُدرك الكاتب الأصلي للمسرحية التضمينات اللا إنسانية لهذا الالتزام النيتشوي بالفن، فيرفضه ويعود لصديقته ليحيا حياةً إنسانية سوية بعد أن كان قد هجرها لينطلق في عالم الفن. وتدور أحداث فيلم «أفروديت العظمى» في نيويورك (حيث تدور معظم أحداث أفلام وودي ألين) حول مشاكل الطبقة المتوسطة الأمريكية. ومع هذا حاول وودي ألين أن يتناولها في إطار يمنحها شيئاً من العظمة والبطولة، ويبدأ الفيلم لا في نيويورك وإنما في اليونان القديمة إذ نرى مشاهد من مأساة بطل الفيلم الذي يحاول أن يعرف من هي الأم الحقيقية لابنه بالتبني. وحينما يكتشف أنها تعمل بالبغاء يُصدَم ويقرر أن يصلحها، حتى لا يُصدَم ابنه حينما يكبر ويقرر أن يكتشف أمه الحقيقية. ورغم تعثُّر محاولاته، إلا أن كل الأمور تسـتقر وينتـهي الفيلم " نهاية سعيدة ". ويمكننا الآن أن نتناول «يهودية» وودي ألين. وكما أسلفنا، هناك بُعد يهودي قوي في أفلامه. فثمة إشارات واضحة أو كامنة، إلا أن أبطاله يهود (في العادة). ففي «آني هول» و«أطلال الملك أوديب» و«جرائم وجُنح»، نجد أن يهودية البطل في مجتمع الواسب هي الموضوع الأساسي.أما في فيلم «مانهاتن»،فإن يهوديته يشار إليها وحسب ولا تشكل موضوع الفيلم. وفي فيلم «الحب والموت»، يُعرَّف البطل في البداية باعتباره يهودياً ولكنه يصبح مسيحياً في النصف الثاني من الرواية.وفي «حنا وأخواتها»،نجد أن الأسرة يهودية،ولكنها أسرة أمريكية يهودية يواجه أعضاؤها مشاكل المجتمع العلماني الأمريكي من تفكُّك وصراع ومحاولة تجاوز كل ذلك من خلال شكل من أشكال التضامن.ولكن شخصياته،سواء كانت يهودية أو كانت غير يهودية،فإنها تتجاوز وضعها الخاص لتصبح جزءاً من نمط إنساني عالمي يمكن للجميع المشاركة فيه والإحساس به. ولهذا، فإن يهودية وودي ألين (حينما تظهر) ليست استبعادية، وإنما هي رمز لمعاناة الإنسان في مجتمع فقد المعنى والقيمة، ذلك هو الموضوع المباشر البارز في العمل،بينما الموضوع غير المباشر والكامن موضوع ذو طابع إنساني عام. وهذا يثير، بلا شك، إشكالية يهودية وودي ألين، إذ أن تناوله الموضوع اليهودي قد لا يختلف كثيراً عن تناول أي مخرج آخر، إلا إذا أخذنا في الاعتبار أن ألين ينظر إلى الموضوع من الداخل باعتبار أن الموضوع اليهودي يخصه بشكل شخصي ومباشر، فأبطاله على علاقة وثيقة بسيرته الشخصية. وألين لا يختلف كثيراً عن فنانين يهود آخرين، مثل مارك شاجال وإسحق بابل، حيث لا يشكل العنصر اليهودي سوى تلك المادة الخام التي يتناولونها في أعمالهم بشكل إنساني عام. وهذا يجعل بوسعنا التعاطف مع الضحايا من اليهود، والوقوف إلى صفهم، والتمتع بما في مثل هذه الأعمال الفنية من جمال وإدراك لحالة الإنسان في العصر الحديث. ومما يجدر ذكره أن وودي ألين كتب مقالاً شديد الأهمية عن الانتفاضة، مستخدماً فيه نفس الصوت الروائي الذي يستخدمه في أفلامه، أي صوت البطل الفاشل الذي يحاول أن يأتي بأعمال بطولية ويخفق ولكنه يصر مع هذا على أن يتمسك بموقفه المبدئي. وهو، في هذا المقال،يهاجم الدولة التي تدع جنودها يضربون الناس ليكونوا عبرة للآخرين، وتُكسِّر أيادي الرجال والنساء حتى لا يلقوا بالحجارة، وتَجر المدنيين من بيوتهم بشكل عشوائي لتحطمهم ضرباً في محاولة لإرهاب بقية السكان وإرغامهم على الهدوء. وحينما احتجت المؤسسة الصهيونية، كتب وودي ألين مقالاً آخر يُعلن فيه تمسُّكه بموقفه، ودهشته ممن يطالبونه بعدم الهجوم على الدولة الصهيونية لأنه يهودي. وموقف وودي ألين من الانتفاضة هو استمرار لموقفه في أفلامه وبحثه عن المعنى والقيمة المطلقة رغم إدراكه أن قوى الشر والنسبية مسيطرة تماماً بل ومهيمنة. وقد تزوج وودي ألين ثلاث مرات وعاش مع الممثلة ميا فارو (التي لعـبت دور البطولة في معـظم أفلامه الأخيرة) وأنجـبت منه طفلاً (ساتشيل). وانتهت هذه العلاقة شبه الزوجية بانفصال عاصف حين اتهمت ميا فارو وودي ألين بأنه يتحرش جنسياً بأطفالها، وأنه أغوى ابنتها الكبرى بالتبني (وهي من أصل آسيوي). وقد دافع وودي ألين عن نفسه بأنها ليست ابنته وأنه لم يعتبرها كذلك في أية لحظة من حياته. وقد برأه القضاء، وهو يعيش الآن مع الابنة الكبري المشار إليها. دســتن هـوفمـان (1937- ) Dustin Hoffman ممثل أمريكي يهودي ونجم من نجوم السينما الأمريكية. تميَّز بأداء عدد من الأدوار المهمة والصعبة التي نال عن اثنين منها جائزة الأوسكار ورُشح عن ثلاثة منها للجائزة نفسها، وهو يُعَدُّ واحداً من أهم الممثلين الأمريكيين على الإطلاق. لمع نجمه بعد أول فيلم له وهو فيلم «الخريج» (1967) حيث لعب دور خريج الجامعة الذي يدخل في علاقة مع امرأة أكبر منه ويحب في الوقت نفسه ابنتها. ورُشح عن دوره في هذا الفيلم لجائزة أوسكار أحسن ممثل. وتكرَّر ترشيحه بعدئذ عن فيلم «راعي بقر منتصف الليل» حيث لعب دور المُقعَد الذي يقوم بإغواء شاب قوي قادم من الريف الأمريكي ويبيعه للمُخنَّثين.وكذلك رُشح لثالث مرة عن فيلم «ليني» حيث لعب دور أحد أشهر الكوميديانات اليهود في أمريكا والذي كان يُعتبَر أيضاً أكبر المتمردين على اللغة. ثم نال جائزة الأوسكار عن فيلم «كريمر ضد كريمر» الذي مثل فيه دور المُطلَّق الذي يرعى ابنه بمفرده فيكون له بمنزلة الأب والأم معاً. وبعدئذ نالها ثانية عن دوره في فيلم «رجل المطر» حيث قام بدور الشقيق المتخلِّف عقلياً لأخ انتهازي ولكنه رغم تخلُّفه العقلي إنسان ذو عبقرية رياضية. ومن أدواره المهمة الأخرى، دوره في فيلم «الفراشة» وهو دور المتهم النصاب المسجون في أكبر قضية تزييف في فرنسا. وبعد أن يتم نفيه إلى جزيرة الشيطان، يحاول أن يؤقلم نفسه فيرشو الحراس ويخلق لنفسه عالماً خاصاً. أما في فيلم «ذئاب من قش»، فقد لعب دور الأستاذ المسالم الذي تتعرض زوجته للاغتصاب فيتحول لوحش مفترس. ثم لعب دوراً مشابهاً لهذا في فيلم «رجل الماراثون» حيث يموت أخوه، رجل المخابرات الإسرائيلية، أمامه ويطارده النازيون، فيقاتلهم بضراوة. ومن أهم أدواره الكوميدية، دوره في فيلم «توتسي» حيث يلعب دور الممثل الذي لا يجد عملاً رغم تميُّزه الشديد، وربما بسبب تميُّزه هذا، فيضطر إلى التنكر في شخصية امرأة ويقوم بدور امرأة في مسلسل تليفزيوني ويحيا هذه الحياة المزدوجة للذكر/الأنثى. أما في فيلم « البطل » فهو يلعب دور الرجل الفاشل الذي يقوم بفعل بطولي حين يُنقذ ركاب طائرة ولكن فعله هذا يُنسب لغيره. ويُعَدُّ هوفمان نموذجاً بارزاً لجيل الستينيات من الممثلين من أعضاء الجماعات اليهودية في السينما الأمريكية الذين يتميَّزون بأداء جميع الأدوار ولا يقتصرون على الكوميديا فقط كما كان الحال مع الجيل الأول. وكان أعضاء الجماعة اليهودية قد حققوا حينذاك حراكاً اجتماعياً وانصهاراً في المجتمع الأمريكي واحتلوا مكانة مستقرة ضمن الشرائح العليا من الطبقة الوسطى، ولم يَعُد لزاماً على الممثل اليهودي أن يستخدم آلية السخرية من الذات من خلال الأدوار الكوميدية التي تميَّز فيها اليهود في نهاية العشرينيات والثلاثينيات لتحقيق القبول الاجتماعي وتحقيق نوع من الاندماج. وبالإضافة إلى ذلك، تطوَّرت مكانة السينما في المجتمع الأمريكي بحيث أصبحت بعد أكثر من خمسين عاماً صناعة استثمارية ضخمة وبالتالي منطقة جذب للناجحين من أبناء الطبقة الوسطى، اليهود غير اليهود، ومجالاً لتحقيق مزيد من النجاح المادي والثراء من خلال آليات صناعة الخيال ونشر الحلم. ويُلاحَظ أيضاً أن هوفمان يلعب دوراً يكاد يكون مشابهاً لشخصية غير السوي في مجتمع الأسوياء أو الشخصية الازدواجية السوي/غير السوي. فهناك قدر من الغربة في كل أدواره المركَّبة التي اشتُهر بأدائها،فهـو خريج الجامعـة الذي يحـب المرأة (التي هي في مقـام أمه) وبنتها،المتخلف عقلياً/حاد الذكاء،المزيِّف الذي يقبل الأمر الواقع في المنفى، المسالم/الوحش، ثم الرجل/المرأة (وظيفياً) في كريمر ضد كريمر، والرجل/المرأة (فيزيقياً) في «توتسي»، وهذا الدور المتكرر يتضح تماماً في ضوء وضع ومكانة أعضاء الجماعة اليهودية في المجتمع الأمريكي فهم في أواسط السلم الاجتماعي دائماً، أي تجسيد لفكرة ازدواجية السواء/اللا سواء في آن واحد. سـتيفن سـبيلبرج (1950- ) Steven Spielberg أحد أهم مخرجي السينما الأمريكية اليوم، ولا نغالي إذا قلنا إنه من أهم العاملين في قطاع الترويح والترفيه في عالم اليوم. حصل فيلمه «قائمة شندلر» الذي أخرجه وأنتجه عام 1993 على سبع جوائز أوسكار منها جائزة أفضل فيلم وأفضل مخرج. وحصل فيلمه «الحديقة الجوراسية» على ثلاثة جوائز أوسكار في نفس العام، أي أنه حصد عام 1994 عدد عشرة جوائز أوسكار (في التصوير والصوت والمونتاج والمؤثرات الخاصة والموسيقى وغيرها). وحققت الأفلام التي أنتجها أعلى أرقام في التوزيع وفي شباك التذاكر. وتمثل أفلام سبيلبرج للمواطن الأمريكي أجـمل حل لكل مشكلاته، فهي تمجِّد الفرد في مواجهة آلة ضخمة غير محدَّدة الهوية، وهي تضع العالم في إطار من الثنائية الصلبة، حيث قوى الخير تحارب بشراسة ضد قوى الشر الغيبية التي لا نفهم أبداً من أين أتت. ففي «المبارزة» (1972) تطارد سيارة نقل ضخمة شرسة، أسرة أمريكية تركب سـيارة صغـيرة على طول طرق الولايات المتحـدة الواسـعة والمتعرجة، أي عالم المواطن الأمريكي الذي يمتطي سيارته صباحاً ويقطع بها مئات الأميال ليؤدي عمله الروتيني. ولكنه يريد المغامرة والاقتحام والمتعة فيوفرها له سبيلبرج. ثم يأتي فيلم «فكوك» (1975) حيث نجد وحشاً هائلاً جباراً من وحوش عالم أعماق البحار الغامض هو تلك السمكة الجبارة من نوع القرش المفترس، يهاجم مجموعات البشر الأسوياء الأبرياء على الشواطئ، ويقتحم لحظات مرحهم ولهوهم (أقدس اللحظات عند المواطن الأمريكي). ثم لا ينجح سوى شريف المدينة أو رمز المواطن الخيِّر الفرد راعي البقر الجديد الذي ينتصر على المساحات الشاسعة ويهزم هذا الشر الغيبي الكامن في المجهول تماماً. وسنجد أن هذه المعادلة التبسيطية الثنائية الصلبة خير/شر ـ مقدَّس/مدنَّس ـ ذات/موضوع تتكرر في كل أفلامه ويتخذ صوراً متعددة تتماهى مع الوضع السياسي أو الاجتماعي القائم وقتها وهو ما يزيد من جاذبيته لدى المواطن الأمريكي. فمثلاً تُظهر سلسلة « أنديانا جونز »، عالم الآثار السوبرمان، أثناء فترة احتدام الحرب الباردة في أوائل الثمانينيات، ومع ارتفاع الشعارات الريجانية حول « إمبراطورية الشر » و« الشر الذي يتهدد العالم »... وغيرها. ونجد أن «مغتصبو التابوت المفقود» يُقدّم هذه الشعارات في التوليفة السبيلبرجية المعهودة، أسطورة السوبرمان الفرد الذي يتحدى كل شيء ويُحطم كل المؤامرات التي يحيكها الأشرار. إن «أنديانا جونز» هو التجسيد الأمثل للبطل السوبرمان في السينما الأمريكية، أو البطل الملحمي الضد الذي يسير إلى قدره المحتوم، ولا يبالي بشيء ولا يهمه شيء، فالغاية تبرر كل الوسائل. وهذه خلطة سحرية ومزيج أسطوري بسيط في إطار تقني معقد يصل مباشرةً إلى المواطن الأمريكي المستهدَف كجمهور مستهلك. ويخاطب فيه نزعاته الاستهلاكية وتمركزه حول الذات ومفاهيمه التبسيطية ويُقدِّم له الصورة التي يريد أن يراها في الخيال بديلاً عن ذاته المقهورة المستلبة المتحوسلة في إطار عمله الروتيني اليومي المتكرر. ونرى في أفلام سبيلبرج بعدئذ تكراراً لموضوعات أساسية أسطورية عديدة، بل إن هناك موضوعات قديمة (مثل «مغتصبو التابوت المفقود» أو «عبدة الشر في المعبد الملعون» وهي تنويعات على موضوع إمبراطورية الشر، حيث هؤلاء الهنود الشرقيون يريدون غزو العالم ويُقدِّمون ضحايا من البيض). وهناك موضوعات حديثة مثل «القادمون من السماء في لقاءات قريبة من النوع الثالث» أو «E.T.» أي الكائن غير الأرضي الذي يُعيد التوازن للعالم، وهي تنويعة على أسطورة الجولم أو الكائن اليهودي المخلوق على يد البشر. وهناك موضوعات ما بعد حداثية مثل إعادة الخلق واستخدام الهندسة الوراثية كما في « الحديقة الجوراسية ». تلك الموضوعات الأسطورية مهمة جداً عند الجمهور المُستهدَف لأنها تمثل الجانب الغيبي والخرافي الضروري لاستكمال معادلة الحلول في الذات. إنها بمثابة الديانة السحرية الخرافية البسيطة التي تحل محل الدين المركَّب (أي أن موقف سـبيلبرج يقف على طرف النقيـض من موقف وودي ألين في فيلم « أليس » حيث يرفض الحل السحري تماماً). ومن أهم أفلام سبيلبرج فيلم « الحديقة الجوراسية » أو حديقة الديناصورات. وهو تعبير عن اتجاه في السينما الأمريكية يكشف عن مراجعة الفكر الغربي في مرحلة ما بعد الحداثة. ففي عصر التحديث لا يؤمن الإنسان الغربي إلا بالعلم ومقدرته على التحكم في الواقع وترشيده بحيث يمكنه التحكم في العالم وحوسلته. أما في عصر ما بعد الحداثة فثمة خوف عميق من مواجهة التاريخ إذ أن عملية البرمجة لا يمكن أن تكون كاملة وبالتالي تخرج الأمور عما هو مقرَّر لها. يدور فيلم « الحديقة الجوراسية » حول محاولة الرأسمالي الأمريكي جون هاموند أن يقيم حديقة للديناصورات، هي الوحيدة من نوعها في العالم،مستخدماً أرقى وآخر أنواع التكنولوجيا:من هندسة وراثية إلى عالم كمبيوتر،مُطبِّقاً كل هذا على الحفريات. ورغم أن هاموند يمتلك عالم الطبيعة تماماً (محميات للحيوانات في كينيا ـ مناجم في جمهورية الدومينـكان في أمريكـا اللاتينية)،إلا أنه يريد امتـلاك الماضـي والمستقبل،ومن ثَم يحـاول أن يخرجه من الكتـب ليحـوِّله إلى واقع يتم بيعه لمن يستطيع الدفع، فكل شيء قابل للبيع والشراء.ولكي يمرِّر هاموند مشروعه يستعين باثنين من علماء الحفريات (جرانف واستايلر)،وعالم رياضيات (مالكوم).يدخل الجميع عالم الديناصورات المُحاصَر بالأسوار المُكهربة والمُراقَب بواسطة الكمبيوتر،وينبهر الجميع،فقد أصبح الماضي حقيقة، فالديناصورات تتحرك أمامهم.ولكن الجنة المثالية تنقلب إلى جحيم حقيقي حين يفقد الإنسان السيطرة على الديناصورات (بسبب خيانة أحد علماء الكمبيوتر ومحاولته تهريب أجنـة الدينـاصورات خـارج الجزيرة). وعبر تركيبة السينما الأمريكية التقليدية تدور أحداث هروب جرانت وحفيدي هاموند من الوحوش،ويطرح الفيلم قضية الحد الذي يمكن أن يصل إليه الإنسان في محاولته التحكم في واقعه من خلال مقدراته العقلية وأن يسيطر عليه من خلال العلم.والفيلم يعلن أن ثمة حـدوداً.فالطبيعـة تتحايل على العلم.فالديناصورات تتعلم بسرعة وتتكيف مع الواقع الجديد وتتوالد رغم محاولة منعها من التناسل. وينتهي الفيلم بالإنسان وقد وقع صريعاً أمام قوة الماضي،متمثلة في الديناصورات،وقوة المستقبل متمثلة في التكنولوجيا. وأم سبيلبرج يهودية إثنية لا تكترث بالشعائر الدينية وهو متزوج من امرأة غير يهودية. وهو يتناول أحياناً موضوعات يهودية في أفلامه («مغتصبو تابوت العهد» و«اللون القرمزي» و«قائمة شندلر»). لكن المؤكد هو أن أفلامه التي يصفها هو نفسه بأنها « لا تهدف إلا إلى الإمتاع الخالص واللذة فقط » هي التجسيد الأمثل للرؤية المعرفية الإمبريالية العلمانية الشاملة والحلولية الكمونية الكاملة حيث يصبح الإنسان مكتفياً بذاته، هو العبد والمعبود والمعبد، يُشبع رغباته ونزواته في عالم كل شيء فيه محكوم ومُتحكَّم فيه لخدمته ولا أهمية لشيء إلا ذاته. قائمـــة شـندلــر Schindler's List «قائمة شندلر» واحد من أهم أفلام المخرج الأمريكي ستيفن سبيلبرج. والفيلم يستند إلى قصة روائية ومع هذا يأخذ الفيلم شكل الفيلم الوثائقي من أجل صبغ الفيلم بصبغة حقيقية، ولذا يستخدم المخرج أحياناً بعض المشاهد المألوفة لدى الناس من خلال صور الهولوكوست الكثيرة التي نُشرت أكثر من مرة. وبطل الفيلم هو شندلر، وهو صناعي ألماني سوديتي (من الألمان الذين طُردوا بعد الحرب العالمية الثانية من منطقة السوديت في غربي تشيكوسلوفاكيا). وهو إنسان غير مكترث بالسياسة متمركز حول ذاته مهتم بجمع المال وإنفاقه. ذهب إلى بولندا في بداية الحرب كي يُحقق الربح ويُمتع نفسه. وفي هذا الإطار يعقد صفقة مع النازيين يتم بمقتضاها تزويده ببعض العمال اليهود من معسكرات الاعتقال والإبادة لتشغيل مصنعه الذي ينتج أواني تساعد ألمانيا في جهودها العسكرية. ورغم أن أهداف شندلر المبدئية نفعية مادية دنيئة، خالية تماماً من المثاليات، إلا أن إنسانيته تهزمه تدريجياً ويبدأ في التعاون مع اليهود ويُضحي بثروته من أجلهم إذ يقوم بتقديم الرشاوي لكبار الضباط النازيين كي يضمن بقاء اليهود الذي يعملون في مصنعه. وهكذا تتحول الصفقة المادية المبرمة بين شندلر والنازيين إلى آلية لإنقاذ بضع مئات من اليهود الذين يظهرون على «قائمة شندلر». ولفَهْم فيلم «قائمة شندلر» حق الفهم لابد أن نضعه في سياقه الحقيقي، وأهم عناصر هذا السياق أن مخرج الفيلم سبيلبرج هو أمريكي يهودي (وليس يهودياً أمريكياً) مندمج تماماً، أي أنه من «اليهود الجدد»، تمييزاً لهم عن يهود أوربا، فتجربتهم الحضارية مختلفة عن تجارب يهود أوربا، فهم لم يعرفوا الجيتو ولا التخصص المهني أو الوظيفي. فقد نشأ سبيلبرج في منزل لم يحافظ على الطقوس الدينية، ولم يُطبِّق قوانين الطعام الشرعية وتزوج من غير يهودية. وكل هذا يعني أن علاقته بهويته اليهودية علاقة واهية للغاية فهي ليست هوية متماسكة متكاملة وإنما هي في واقع الأمر بقايا مجموعة من الرموز وشتات من الذكريات. وتجربة سبيلبرج في المجتمع الأمريكي تجربة إيجابية للغاية فقد حقَّق نجاحاً مذهلاً، وأصبح من أهم رموزه، بل أصبح يشارك في تطوير رموز هذا المجتمع ووجدانه من خلال أفلامه. فكيف يمكنه أن يتقبل الثنائية الصهيونية البسيطة: يهود ضد أغيار؟ وكيف يمكن أن يقبل الطرح الصهيوني لفكرة المركز الإسرائيلي مقابل الهامش اليهودي؟ ومن هنا كان لابد أن يكون بطله شخصاً قادراً على أن يتحرك بكفاءة بين العالمين: عالم اليهود وعالم الأغيار، فهذا أقرب لتجربة سبيلبرج مع المجتمع الأمريكي من الأنماط الإدراكية الساذجة والثنائيات الصلبة التي تُوجَد في الأدبيات الصهيونية حيث يقف اليهودي وحيداً أمام ذئاب الأغيار. ولكن هناك بُعْداً آخر أعمق في «قائمة شندلر». والأطروحة الأساسية في الفيلم هي أن النازيين لم يكونوا يقتلون اليهود كُرهاً فيهم أو حقداً عليهم، وإنما لأنهم كانوا غير نافعين. ولذا لم يكن يُباد النافع منهم، أي كل من يمكن توظيفه أو تسخيره في خدمة الاقتصاد الألماني. كان هناك من النازيين من يُكِّن كراهية خاصة لليهود، ولكن القيمة الحاكمة الكبرى لم تكن الكراهية وإنما المنفعة. وأدرك شندلر هذا وتحرك في إطاره وتمكن من إنقاذ مجموعة من اليهود من أفران الغاز عن طريق توضيح نفعهم. ولعل أهم اللحظات في الفيلم من هذا المنظور اللحظة التي يقوم أحد الحراس النازيين فيها بتصنيف بعض الأطفال اليهود المرحَّلين إلى مصنع شندلر باعتبار أنهم لا نفع لهم، فهم مجرد أطفال لا يمكن أن يعملوا في المصنع. ولكن شندلر يُبيِّن لهم، في لهجة غاضبة، أن أيدي الأطفال الصغيرة ضرورية لأنها هي وحدها القادرة على الوصول إلى داخل بعض الأواني التي تخصَّص مصنع شندلر في صنعها. المسألة كلها مسألة نفعية عملية لا تعرف الحب أو الكره، خاضعة للحسابات الصارمة، ومن هنا اسم الفيلم: «قائمة شندلر»، وكأن البشر أرقام ووحدات ليست ذات قيمة في ذاتها، تُدرَج في قوائم! بل إن سبيلبرج يتشجع ويتناول قضية المجالس اليهودية، وهي المجالس التي نصبها النازيون والتي تعاون أعضاؤها من اليهود مع السلطات النازية في عمليات الإبادة. ولكن رغم أن أطروحة الفيلم الفكرية تقول إن اليهود لم يُقتلوا كيهود وإن ثنائية يهودي/أغيار الصهيونية ليست حقيقية، إلا أنه على المستوى المرئي الفني أرسل رسالة صهيونية كاملة تتنافى مع مضمون الفيلم الفكري. تتضح الرسالة الصهيونية بشكل متبلور في نهاية الفيلم الملونة ولكنها تتغلغل أيضاً في بنية الفيلم وفي شخصياته، فلا يظهر أمامنا غير شندلر ممثلاً للأغيار، أما بقية ممثلي الجنس البشري فهم يدورون داخل الأُطُر الإدراكية الاختزالية التي ركز عليها الفيلم بشكل سوقي. أما الضحايا، فنحن نعرف أن الدولة النازية طبقت مبدأ المنفعة المادية لا على اليهود وحسب، وإنما على كل البشر بدون تمييز. ولو فعل سبيلبرج هذا وربط واقعة المحرقة بالنمط التاريخي المتكرر لاتضح النموذج الأكبر وراء الهولوكوست، وهو نموذج غربي نفعي مادي بدأ في أمريكا الشمالية واستمر في أفريقيا وفلسطين ووصل لحظة التبلور النماذجية في اللحظة النازية. ولعل الفارق الوحيد بين عمليات الإبادة الغربية الأخرى وعملية الإبادة النازية، أن عمليات الإبادة الأخرى كانت تتم دائماً ضد السود أو المسلمين أو الآسيويين، هناك وفي بلاد بعيدة، وعلى يد جنود مهمتهم القتل والقتال. أما الإبادة النازية فقد حدثت هنا، على أرض أوربية، وبشكل منهجي مخطط، وعلى يد مجتمع حديث متحضِّر يستمع لموتزارت وبيتهوفن ويُناقش الفلسفة وهو يشم رائحة اللحم الإنساني المحترق (في إحدى مناظر فيلم «قائمة شندلر» يتناقش جنديان نازيان حول الموسيقى وهما يقومان بالهجوم على بعض الضحايا اليهود). ولكن البشر لا يمكنهم أن يواجهوا حقيقة وجودهم ببساطة، وكذلك الحضارة الغربية لا يمكنها أن تواجه التضمينات الفلسفية الأساسية للرؤية العقلانية النفعية المادية (العقل الأداتي - على حد قول مفكري مدرسة فرانكفورت) التي حوَّلت العالم بأسره إلى مادة استعمالية، ولذا لابد من تحاشي المواجهة، وحيث إن تغيير الحقائق أمر مستحيل في عصر المعلومات، إذن، لنتلاعب بمستويات التعميم والتخصيص، وبدلاً من رؤية الجريمة النازية باعتبارها جريمة حضارة نفعية مادية ضد البشر، فإنها تعمَّم للغاية أو تخصَّص للغاية فتصبح بالنسبة للحضارة الغربية جريمة الألمان وحدهم ضد اليهود وحدهم، أما بالنسبة لليهود فتصبح جريمة الأغيار كلهم ضد اليهود كلهم، فيحتكر اليهود دور الضحية أما الجزار فهو إما الألمان الأشرار وحدهم (شيء خاص للغاية، مجرد حادثة عرضية) أو الجنس البشري بأسره (شيء عام للغاية ولذا فالجميع مسئول)، وفي كلتا الحالتين تتم تبرئة الحضارة الغربية الحديثة. وهكذا تضيع الحقيقة وتميد الأرض وتُوظَّف الحقائق لا للرؤية وإنما للتعمية. ومن ثم يمكن الاستمرار في الإبادة في فيتنام وفلسطين والبوسنة والهرسك مع الثرثرة المستمرة عن ضحايا النازية، وضرورة إيقاف المذابح. |
|
#126
|
|||
|
|||
|
الباب السابع: الأدب اليهودي والصهيوني
الأدب اليهودى Jewish Literature «الأدب اليهودي» عبارة تُستخدَم لتصنيف بعض الأعمال الأدبية، إما من منظور مضمونها أو من منظور الانتماء الإثني أو الديني (الحقيقي أو الوهمي) لكاتبها إذ تُصنَّف الأعمال الأدبية التي تتناول موضوعاً يهودياً أو مُستمَّداً من حياة أعضاء الجماعات اليهودية (بغض النظر عن لغة العمل أو التقاليد الفكرية أو الحضارية التي يدور في إطارها) باعتبارها «أدباً يهودياً». ويمكن تصنيف الأعمال الأدبية من منظور انتماء كاتبها، فإن كان يهودياً صُنِّف ما كتبه على أنه «أدب يهودي». وهذا التعريف الأخير يستبعد الأدباء غير اليهود الذين تناولوا موضوعات يهودية في أدبهم. والمقدرة التفسيرية والتصنيفية لهذا المصطلح محدودة للغاية لعدة أسباب: 1 ـ إن أخذنا بالتصنيف الذي يستند إلى مضمون العمل الأدبي، فنحن بذلك نكون قد تجاهلنا لغة الأدب والتقاليد الحضارية والأدبية والشكلية التي يَصدُر عنها وصرنا نختزله تماماً في بُعْد واحد. فالأعمال الأدبية التي كتبها أدباء مثل برنارد مالامود وسول بيلو وفيليب روث هي أدب يهودي (بالمعنى الإثني لا بالمعنى الديني، فهم لا يؤمنون باليهودية) إذ يتناولون فيها موضوعات وشخصيات يهودية في أدبهم. ولا شك في أن تصنيفنا لأدبهم على هذا النحو سيحد من توقعاتنا، وسييسر علينا فهم أعمالهم الأدبية اليهودية وتفسيرها. ولكن هذا التصنيف رغم فائدته قاصر عن أن يحيط بأدبهم بكل تركيبيته، فهو أدب مكتوب بالإنجليزية وينتمي إلى التقاليد الأدبية الأمريكية. والموضوعات والشخصيات التي يتناولونها ليست يهودية بشكل عام ومجرد، وإنما هي أمريكية يهودية تحددت هويتها داخل التشكيل الحضاري الأمريكي، بل إن البُعْد الأمريكي في نهاية الأمر أكثر أهمية من البُعد الإثني اليهودي. 2 ـ يربط مصطلح «الأدب اليهودي» بين أعمال أدبية كُتبت داخل تقاليد أدبية مختلفة باعتبار أنها جميعاً «أدب يهودي»، وكأن ثمة موضوعات متواترة وأنماطاً متكررة تبرر تصنيف هذه الأعمال الأدبية داخل إطار واحد. فقصيدة كتبها شاعر روسي يهودي عن اليهود باللغة الروسية، ورواية كتبها مؤلف فرنسي يهودي عن اليهود باللغـة الفرنسية، وقصة قصيرة كتبها كاتب أمريكي يهودي عن اليهـود باللغـة الإنجليزية، ومقال أدبي كتبه أديب من ليتوانيا باليديشية، ودراسة نقدية كتبها أديب إسرائيلي بالعبرية، تُصنَّف كلها باعتبارها «أدب يهودي». أي أنه مصطلح يفترض وجود أطر ثقافية وفكرية يهودية عالميـة. ومثل هذا الافتراض لا يسانده الكثير في واقع أعضاء الجماعات اليهودية، وهو يؤكد الوحدة والتجانس والعمومية على حساب التنوع وعدم التجانس والخصوصية، وفيه تأكيد للمضمون اليهودي للعمل الأدبي على حساب أبعاده الفكرية والشكلية الأخرى، أي أنه مصطلح يُفقد الأدب ما يُميِّزه كأدب. ويمكن أن يُقال إن هناك موضوعات مثل الإحساس بالغربة أو انتظار الماشيَّح تربط بين هذه الآداب. ولكن سيُلاحَظ أن هذه الموضوعات من العمومية بحيث نجد أن ما يربط بينها هنا ليست يهودية المؤلف، وإنما أحاسيسه الإنسانية، أي أن المرجعية النهائية هي إنسانيتنا المشتركة، أو البُعْد الإنساني في تجربة عضو الأقلية في مجتمع الأغلبية، بكل ما يحيق بهذه التجربة من مخاطر. 3 ـ إن أخذنا بالتصنيف الذي يستند إلى خلفية الكاتب اليهودية، نكون قد أخذنا بأساس تصنيفي ليس له مقدرة تفسيرية عالية. فكثير من الأعمال الأدبية التي يكتبها مؤلفون يهود (مثل الناقد الأمريكي ليونيل تريلنج) ليس لها مضمون يهودي. ونحن نرى ضرورة عدم استخدام هذا المصطلح بسبب قصوره عن الإحاطة بشكل ومضمون الأعمال الأدبية التي كتبها مؤلفون يهود عن موضوعات يهودية، فالبُعْد اليهودي ليس هو المحدِّد الأساسي للعمل الأدبي، كما أنه لا يوجد بُعْد يهودي عالمي واحد. وبطبيعة الحال، يثير مصطلح «أدب يهودي» مشكلة بشأن أديب مثل هايني الذي تمرَّد على يهوديته ليدخل الحضارة الغربية، فتنصَّر. ولكنه بعد تنصره بدأ يحن ليهوديته! أو أديب مثل نيثان وينشتاين الذي رفض انتماءه اليهودي تماماً وغيَّر اسمه إلى «ناثانيل وست» وكَتَب أدباً عدمياً يهاجم فيه المسيحية واليهودية ومختلف العقائد الدينية. ونحن في هذه الموسوعة نرفض التعميمات التصنيفية الكاسحة مثل «أديب يهودي» ونُصنِّف كل أديب حسب الأبعاد الحقيقية لأعماله الأدبية، ولهذا نستخدم مصطلحات مثل « الأدباء من أعضاء الجماعات اليهودية»، و«الأدب الصهيوني»، و«الآداب المكتوبة بالعبرية»، و«الأدب اليديشي». ولتصنيف أي كاتب من أعضاء الجماعات اليهودية لابد من استخدام مصطلح مُركَّب. فمثل هذا الأديب لا يعيش خارج التاريخ، حتى ولو توهَّم هو نفسه ذلك، بل يعيش داخل حضارة معينة ويكتب أدباً بلغة معيَّنة. لكل هذا، يُستحسَن وصف تشرنحوفسكي، على سبيل المثال، بأنه شاعر روسي يهودي يكتب بالعبرية. ورغم أنه يَصدُر عن التقاليد الأدبية الروسية والغربية، فهو صهيوني النزعة في معظم قصائده، ولذا فهو يكتب أدباً يمكن أن يُسمَّى «أدباً صهيونياً». أما سول بيلو فهو كاتب أمريكي يهودي يكتب أدباً ذا طابع أمريكي باللغة الإنجليزيـة، ويتعرض أحياناً للموضوعات اليهـودية وأحيـاناً أخرى يهملها، وأعماله الأدبية لا تنم عن نزعة صهيونية، وإن كانت إحدى أعماله الصحفية تعبِّر عن هذه النزعة. وبهذا نكون قد وصفنا الانتماء الحقيقي للأديب قومياً وحضارياً وأدبياً (وهذا هو الإطار العام)، ثم ذكرنا الأداة اللغوية والتقاليد الأدبية التي يدور في إطارها (أي انتقلنا إلى الخاص وحددنا الأداة التي يستخدمها)، ثم ذكرنا موقفه السياسي بعد انتمائه الحضاري واللغوي. الأدب الصهـــيوني Zionist Literature «الأدب الصهيوني» عبارة يمكن استخدامها للإشارة لبعض الأعمال الأدبية ذات المضمون الصهيوني الواضح، بغض النظر عن الانتماء القومي أو الديني أو الحضاري أو اللغوي للمؤلف. فرواية دانيال دروندا، التي ألَّفتها الكاتبة المسيحية جورج إليوت بالإنجليزية، تنتمي إلى هذا الأدب الصهيوني، بينما نجد أن بعض الروايات التي كتبها يهود عن الحياة اليهودية لا تنتمي إلى الصهيونية من قريب أو بعيـد، بل إن بعضـها يتبنى رؤية معادية للصهيـونية بـل ولليهودية. وما يُسمَّى «الأدب الصهيوني» هو عادةً أدب من الدرجة الثالثة (أو كما نقول «أدب صحفي»، أي أنه كُتب ليُنشَر في الصحافة كما أنه ذو توجُّه دعائي واضح. ومن أهم أعمال الأدب الصهيوني رواية الخروج للكاتب الأمريكي اليهودي ليون أوريس وأعمال الكاتب الأمريكي اليهودي مائير لفين). والأعمال الأدبية المكتوبة بالعبرية أو اليديشية أو التي كتبها أدباء يهود في مختلف أرجاء العالم نجد أن منها ما هو صهيوني - وهو القليل - ومنها ما هو معاد للصهيونية، وغالبيتها غير مكترثة بها. ولا يصف مصطلح «الأدب الصهيوني» شكل الأدب ولا محتواه ولا حتى لغته، وإنما يصف اتجاهه العقائدي العام، تماماً مثل عبارة «الأدب الرأسمالي» أو «الأدب الاشتراكي». ولذلك، فهو مصطلح عام ومجرد مقدرته التفسيرية والتصنيفية ضعيفة للغاية ولا يُعَدُّ تصنيفاً أدبياً، شأنه في هذا شأن مصطلح «الأدب اليهودي». الأدبـــاء مـن أعضــاء الجماعــات اليهوديـة Men of Letters from Jewish Communities «الأدباء من أعضاء الجماعات اليهودية» مصطلح نستخدمه بدلاً من مصطلحات مثل «الأدب اليهودي» أو حتى «الأدباء اليهود» (انظر: «الأدب اليهودي» ـ «الأدب الصهيوني»). وقد أشرنا في المداخل الخاصة بهؤلاء الأدباء إشكالية البُعْد اليهودي في أدبهم، فبعضهم تنصَّر والبعض الآخر وُلد مسيحياً وبعضهم هاجم اليهودية بعنف والبعض الآخر لم يكترث بها، وهناك من تناول يهوديته باعتبارها موضوعاً إنسانياً (وحسب)، أما خصوصيته اليهودية فهي مسألة عرضية تشكل جزءاً من الكل الإنساني. وكل أديب من هؤلاء ينتمي إلى التشكيل الحضاري الذي يعيش في كنفه بشكل شبه كامل، ومن ثم أمكنه أن يبدع من خلاله. هاينريش هـايني (1797-1856) Heinrich Heine واحد من أشهر شعراء ألمانيا الرومانسيين، وُلد لأب يهودي ثري يعمل بالتجارة. تلقَّى هايني تعليماً بروتستانتياً ثم التحق بمدرسة ابتدائية يهودية ثم بمدرسة ثانوية كاثوليكية. كما أن المدينة التي وُلد فيها (دوسلدورف) تغيَّر انتماؤها بحيث أن هايني غير جنسيته ست مرات دون أن يغيِّر مكان إقامته. وربما ساهم هذا في إضعاف هويته وتقـوية عـدم انتمائه إلى وطـنه ألمانيا وحماسـه لفرنسا وللثقافة الفرنسية. كان هايني ينوي الالتحاق بخدمة نابليون ولكن هزيمة الجنرال الفرنسي قضت على هذه الآمال، فاشتغل بعض الوقت في أمور المال والتجارة ولكن لم يحالفه النجاح. ثم درس القانون وتأثر بفلسفة هيجل. وقد تنصَّر، وهو أمر كان شائعاً بين يهود ألمانيا، وعلى وجه الخصوص بين دارسي القانون، إذ أن الوظائف في السلك القانوني كانت مقصورة على المسيحيين. ولكن لم تكن الاعتبارات العملية وحدها هي السبب في تنصُّره، فكما أشرنا لم يكن هناك انتماء محدَّد لهايني. ويمكن القول بأن هايني أدرك تماماً أن الحلولية (الكمونية) هي المدخل الحقيقي لفهم الفلسفة الغربية. فالحلولية بالنسبة له هي تقديس (تأليه) الطبيعة وهي أيضاً تأليه الإنسان وهو تَناقُض أساسي: إذ كيف يمكن لإله أن يُقدِّس الأشياء المتألهة، وأيهما يسبق الآخر: الإنسان المتأله، أم الطبيعة المتألهة؟ ويرى هايني أن إسبينوزا هو نبي الحلولية، وأن الفلسفة الألمانية المثالية هي الوريث الحقيقي لهذه الحلولية، ولذا فهي فلسفة «هدَّامة» ولكن ديباجاتها أكاديمية ضبابية تُخبِّئ معناها الإلحادي العميق، بل وأحياناً تظهرها بمظهر إيماني. وقد قام كانط - حسب تصوُّر هايني ـ باستكمال ما بدأه إسبينوزا فأسقط فكرة الألوهية في ألمانيا (تماماً كما أسقط الثوار النظام القديم في فرنسا). بل إن كانط في تصوُّر هايني أكثر إرهابية من روبسبير، فالثورة الفرنسية لم تقتل سوى ملك، أما كانط (وتلاميذه) فقتلوا إلهاً. ودفاع شلنج عن فلسفة الطبيعة هو ذاته حلولية إسبينوزا. أما في حالة جوته فإن القشرة الرياضية الصلبة التي تحيط بفلسفة إسبينوزا قد سقطت، وظهرت روح إسبينوزا الحقيقية ترفرف في شعره في فاوست وآلام فرتر. وهيجل هو أيضاً وريث إسبينوزا. وإذا كان إسبينوزا قد ساوى بين الطبيعة والتاريخ أو بين الطبيعة والإنسان وجعل للطبيعة تاريخاً دون أن يجعل منه روحاً، فإن هيجل أعلى من شأن التاريخ وجعل منه روحاً. ويقف هايني مع إسبينوزا في إلغاء أية ثنائية وفي الإصرار على المساواة الكاملة بين الطبيعة والتاريخ وبين المادة والروح. هذه الحلولية تعبِّر عن نفسها في شعر هايني العميق، فهو شاعر نيتشوي (قبل ظهور نيتشه) يحتفي بالحياة، حياة تخبئ نفسَها بنفسها. وكما يقول في إحدى قصـائده « الحيـاة الحمراء تنبـض في عروقـي، وتحت قدمي تذعن الدنيا، وفي توهُّج الحب أعانق الأشجار والتماثيل، وتعيش هي في عناقي ». وهذا عالم عضوي يشير إلى ذاته؛ مات فيه الإله، ولذا فالإنسان هو سيد نفسه، خالق قيمه وعالمه. وفي قصيدة « ألمانيا: قصة شتاء » يصل هايني إلى ألمانيا ليسمع فتاة صغيرة (رمز ألمانيا): كانت تغني عن الحب وأحزان المحبين عن التضحية، حتى نلتقي في يوم آخر في عالم أفضل لا يعرف الألم أو الأحزان. غنت في وادي الدموع الدنيوي هذا عن الحب الذي لا يُمسك به إنسان عن العالم الآخر العظيم حيث تعيش الأرواح في غبطة وقد تحوَّلت إلى نشوة أزلية. ويدرك هايني أن هذا إن هو إلا الأفيون الديني الذي يُعطَى للجماهير (هذا العملاق الأحمق)، فيغني للفتاة أغنية أخرى: أغنية جديدة، أغنية أفضل يجب أن نلدها الآن يا رفاقي، ولنبدأ على التو في بناء مملكة السماء على الأرض، فالتربة تعطينا خبزاً يكفي لإطعام بني الإنسان كلهم، وتعطيهم الزهرة والآس، والجمال والفرح، كما تعطيهم البازلاء الخضراء. ثم يضيف قائلاً: بوسعنا أن نترك السماء بلا تردُّد للملائكة والطيور. والنزعة الحلولية المشيحانية واضحة في هذه الأبيات. فالأرض هي مصدر كل القيم المادية والمعنوية، وثمة نزوع نحو الفردوس الأرضي ونهاية التاريخ. وتتضح نفس الحلولية في أفكار هايني السياسية. فقد كان ثورياً وارتبط اسمه بعض الوقت بالسان سيمونية (التي أسماها «المسيحية الجديدة»). ورحَّب بثورة 1830 في فرنسا (واستقر في باريس). ومن هنا عداوته للمسيحيين، بل لكل الأديان بما في ذلك اليهودية، فقد كان يكرهها بعمق. وقد كتب مرة يقول إنه يوجد أمراض ثلاثة شريرة: الفقر والألم واليهودية. بل كان يعتبر اليهودية قوة معادية للإنسانية، فهي « مصيبة وليست ديناً»، على حـد قوله. ورغـم احتقـاره لليهودية الحاخامية، أي الأرثوذكسية، فإنه كان يحتقر أيضاً اليهودية الإصلاحية التي ستقضي على اليهود. وفي عام 1847 أصيب هايني بمرض في عموده الفقري بسبب أحد الأمراض السرية، وهو ما أقعده في الفراش. وهكذا أصبح شاعر المادة يعيش في « مقبرة المادة » على حد قوله. ولا ندري هل هذا هو الذي أدَّى به إلى إعادة النظر في حلوليته الإلحادية؟ إذ بدأ يُعبِّر عن مخاوفه من أن الشعب قد يتحوَّل إلى غوغاء يعبد المادة. وواكبت ذلك مراجعة لموقفه من كانط، إذ اكتشف أن كانط تَرك مسألة الإله دون اتخاذ قرار، أي أنه لم يَعُد كانط الملحد الذي بشَّر به هايني من قبل. وعبَّر هايني عن احتقاره لفلسفة هيجل التي أشار إليها بأنها " جدلية برلين العنكبوتية " التي لا يمكنها أن تقتل قطاً أو إلهاً. أما البروتستانتية التي كان يراها في الماضي بداية الإلحاد فقد أصبحت حينئذ بداية الإيمان، وأعلن تراجُعه عن عملية التسوية الحلولية بين الإنسان والطبيعة، وبدأ يحن إلى اليهودية كجزء من حنينه الديني العام. كما كان يوقع خطاباته برسم نجمة داود السداسية. وقد ازداد صيت هايني ذيوعاً بعد موته، ولحَّن شوبرت وشوبان وبرامز قصائده. والحديث عن البُعْد اليهودي في شعر هايني سيكون حديثاً عن أمور هامشية ليس لها مقدرة تفسيرية. إذ أن القضية الكبرى في حياته هي نفسها القضية الكبرى التي شغلت المفكرين في عصره وهي قضية الحلولية. ولذا فمحاولة فهم رؤية هايني وأشعاره في إطار يهودي لن تفيد كثيراً، فمثل هذا الإطار قد يُفسِّر لنا تطرفه الحلولي المشيحاني وعلمانيته الشرسـة في المرحلـة الأولى، ولكنه لن يُفسِّر لنا جوهر الإشكالية، ولذا سيكون الإطار الألماني الغربي هو الأجدى والأكثر تفسيرية. إمــــا لازاروس (1849-1887) Emma Lazarus شاعرة أمريكية يهودية، وُلدت في نيويورك لأبوين ثريين من يهود السفارد المندمجين. ولم تكن لازاروس ذات موهبة أدبية كبيرة. وهي تتناول في أعمالها موضوعات يهودية. قامت لازاروس بترجمة بعض قصائد ابن جبرول ويهودا هاليفي إلى الإنجليزية (عن الألمانية لأنها لم تكن تعرف العبرية). وفي عام 1883، كتبت لازاروس قصيدة «التمثال الضخم الجديد» من أجل جمع التبرعات لإقامة قاعدة لتمثال الحرية، وألهبت بقصيدتها هذه حماس الكثيرين. وحُفرت القصيدة على لوحة برونزية ووُضعت على مدخل التمثال عام 1903. والقصيدة من طراز السونت وتتحدث عن المثل الأعلى الأمريكي، ويتذكرها معظم الأمريكيين باعتبارها قصيدة وطنية أمريكية تُعبِّر عن رؤيتهم لأنفسهم. وبعد موتها، رفضت اختها أن تضم أعمالها الكاملة «أي شيء يهودي » (على حد قولها). مارسيل بروست (1871-1922) Marcel Proust روائي فرنسي، وُلد في باريس لأب كاثوليكي وأم يهودية، نشأ نشأة كاثوليكية ليبرالية وإن اختلط من خلال أمه بأعضاء الطبقة الوسطى من اليهود وغير اليهود. تخرَّج في إحدى مدارس الليسيه الفرنسية المرموقة كما درس في السوربون، وعاش حياة اجتماعية واسعة مختلطاً بالطبقة الراقية التي شكلت مادة خصبة لكتاباته الروائية. صدرت أول أعماله عام 1896 تحت عنوان الملذات والأيام. أما أهم أعماله على الإطلاق فهي رواية البحث عن الزمن المفقود التي صدرت في 15 جزءاً و7 مجلدات في الفترة ما بين عامي 1913 و1927، وهي تُعتبَر واحدة من أهم الأعمال الروائية المعاصرة. وهذه الرواية، وإن لم تكن سيرة ذاتية، إلا أنها تستمد كثيراً من شخصياتها وأحداثها من تجارب بروست وذكرياته الشخصية ويتخللها عدد من الأفكار المحورية التي تتكرر في أشكال مختلفة عبر جميع الأجزاء، مثل الإغراء الدائم للأرستقراطية الفرنسية، والشذوذ الجنسي (بروست نفسه كان شاذاً جنسياً)، وفكرة الحب التي اعتبرها بروست نوعاً من المرض أو الوهم، ثم موضوع الزمن الذي اعتبره بروست السيد النهائي للإنسان والكون. فالحياة في مجراها ليست إلا زمناً مفقوداً وأوهاماً زائلة، والذاكرة والفن هما السبيل الوحيد لاستعادة هذا الزمن المفقود وتحويل الأوهام إلى أشكال ملموسة من الجمال الأبدي. ويتميَّز أسلوب بروست الأدبي بانتمائه إلى التراث الأدبي الفرنسي الكلاسيكي، فقد تأثر بفلوبير وسان سيمون كما تأثر بالأدب الإنجليزي، وخصوصاً أدب ديكنز وجورج إليوت وراسكين، ويُقال أيضاً إنه تأثر بوردزورث ومفهوم الذاكرة عنده. ورغم أن بروست كان كاثوليكي النشأة فرنسي الثقافة لا يرتبط عقائدياً أو وجدانياً باليهودية، فإن كثيراً من الأدبيات والمراجع اليهودية تُصنِّفه باعتباره يهودياً، بل حاول البعض التلميح بوجود مسحة من اليهودية التلمودية في أسلوبه الروائي الغريب الذي هو في الواقع أسلوب ينتمي إلى التراث الأدبي الفرنسي. بل ويشيرون إلى تأثره البالغ بقضية دريفوس والتي تناولها في بعض رواياته، وأنه كان أول من أقنع أناتول فرانس بالتدخل في هذه القضية. ومن ناحية أخرى، فإن تناول بروست للشخصية اليهودية في روايته البحث عن الزمن المفقود دفعت البعض لوصفه بمعاداة اليهود. فروايته تضم ثلاث شخصيات يهودية رئيسية، إحداها شخصية عدوانية متفردة تُجسِّد أسوأ الصفات الاجتماعية، أما الشخصية الثانية، فقد تناولها بروست بشكل أفضل وهي ليهودي مندمج يعيش في الأوساط الراقية ويكتشف هويته عقب حادثة دريفوس وينفصل عن حياة البرجوازية. وقد اعتبر البعض أن هذه الشخصية تجسيد لبروست نفسه. وتتميَّز شخصياته اليهودية بالتَكبُّر الشديد ولكنه تكبُّر يخفي وراءه شعوراً عميقاً بعدم الأمان، فاليهود في نظر بروست أقلية مضطهدة يتملكها جنون الإحساس بالاضطهاد والارتياب الشديد في الآخرين، وهم « جنس ملعون » أشبه بالشواذ جنسياً، على حد قوله. وهذا الربط بين اليهود واللبيدو أو الطاقة الجنسية أو الانحراف أو قوى الظلام هو موقف متجذِّر في الحضارة الغربية يعود إلى الرؤية المسيحية للكون، حيث يلعب اليهودي دور قاتل الرب وحيث لا يمكن خلاص العالم بدون تنصيره. فرانــز كافكـا (1883-1924) Franz Kafka روائي ألماني يهودي، وُلد ونشأ في تشيكوسلوفاكيا لأسرة يهودية مندمجة. درس القانون وعمل في أحد مكاتب المحاماة، ثم في شركة تأمين تابعة للحكومة، ولذلك فإنه لم يكن يكتب إلا في أوقات فراغه. كان أبوه شخصية متسلطة تركت أثراً عميقاً فيه. وكان كافكا يعاني طيلة حياته من الصداع النصفي والأرق. وتم تشخيص مرضه في عام 1917 على أنه السل، فقضى بقية حياته في مصحة. وكان كافكا قد عهد بمخطوطاته لصديقه وكاتب سيرته ماكس برود، ولكنه أوصى وهو على فراش الموت بأن تُحرَق أعماله بعد وفاته، ولكن برود لم يُنفِّذ رغبته. وكثيراً ما تُطرَح قضية يهودية كافكا: فهناك من يرى أنه كان يهودياً بل وصهيونياً حتى النخاع، وهناك من يذهب إلى أنه كان غير مكترث بيهوديته بل معادياً للصهيونية، ويورد كل فريق من الشواهد ما يدل على صدق رؤيته. كما أن هناك تناقُضاً عميقاً بين مذكراته من ناحية ورواياته من ناحية أخرى. ففي المذكرات اهتمام شديد بالموضوع اليهودي، على عكس رواياته التي يلتزم فيها الصمت حياله. وهناك، في المذكرات، إشارات إلى المدينة اليهودية القديمة والجيتو والمشروع الاستيطاني الصهيوني (بل قيل إن كافكا حضر أحد المؤتمرات الصهيونية). أما رواياته فلا تكاد تشير إلى الموضوع اليهودي، ففي رواية أمريكا (1927) توجد شخصيات من كل الجنسيات (ألمان ومجريون وأيرلنديون وفرنسيون وروس وسلاف وإيطاليون) ولا يوجد سوى يهودي واحد. ونعرف أنه يهودي من اسمه، إذ لا تحمل شخصيته أية سمات من تلك التي تُسمَّى «يهـودية». ومع هـذا، فإننا لا نعـدم من يُقدِّم قـراءة صهيونية لأعماله. ففي دراسة للكاتب العربي كاظم سعد الدين بعنوان «حل رموز كافكا الصهيونية»، يذهب الكاتب إلى أن رواية المحاكمة (1925) تسعى إلى كشف فساد دار الحاخامية، سليلة السنهدرين، أي المجمع الديني الأعلى. ورواية المسخ أو التحول (1927) إنما تشير إلى التاجر اليهودي المتجول. والقلعة (1926) هي حصن صهيون، وترمز وظيفة المسَّاح إلى الحياة الدنيا لليهود، كما تشير إلى ضرورة معرفة قوانينها وعاداتها وإيجاد نوع من العلاقة الجيدة بينها وبين القلعة التي ترمز إلى السلطة الدينية اليهودية العليا. ويرى كاظم سعد الدين أن كافكا أسقط رمز سور الصين على حدود الدولة المُرتقَبة، وأراد أن يقول إن سور الصين سيُشكِّل لأول مرة في تاريخ العالم أساساً راسخاً لبرج بابل جديد!! وأن بدو الشمال هم الشعب العربي، وأن أبواب الهند هي أبواب فلسطين، وسيف الملك هو سيف داود! ويشير الكاتب أيضاً إلى أن كافكا عارض اندماج اليهود في الشعوب الأخرى ذاهباً إلى أن المدينة اليهودية القديمة غير الصحية، أي الجيتو، حقيقة أكثر رسوخاً بالنسبة إلى اليهود من الشوارع العريضة للمدينة المبنية حديثاً!! ويشير أيضاً إلى أن كافكا ذكر أن أرض كنعان هي أرض الأمل الوحيد. وأوضحت الدكتورة بديعة أمين في كتابها هل ينبغي إحراق كافكا؟ أن هذين الاقتباسين الأخيرين قد نُزعا من سياقهما، إذ يتبع الاقتباس الأول الخاص بالجيتو عبارة « إننا لسنا سوى شبح زال، أما أرض كنعان فهي ليست بأرض على الإطلاق، وإنما حلم وحسب». ووصفت الدكتورة بديعة تفسيرات الأستاذ كاظم سعد الدين بأنه استنبطها من الكتب الدينية والتاريخية، ثم اعتبرها معادلات موضوعية مادية حسيَّة للرمز الكافكاوي استناداً إلى بعض العوامل الخارجة عن كتابات كافكا. ثم أضافت الدكتورة تحليلها لرؤية كافكا مبيِّنة استحالة أن يتبنى مثل هذا الكاتب رؤية صهيونية، فموضوعات أدبه هي الإحساس العميق بالغربة والعزلة الروحية حتى وسط الأهل والأصدقاء، والوعي بالذات وما يؤدي إليه هذا الوعي، وعلاقة الإنسان بالسلطة وبيروقراطيتها القاتلة، والانسحاب والانسلاخ الاجتماعيان، واختفاء الهدف والإحساس بالهزيمة. وقد عبَّر كافكا عن هذه الموضوعات بأسلوب غامض مغلق لا يسمح بتسرب قطرة ضوء. والواقع أن أدباً يتناول مثل هذه الموضوعات بمثل هذا الأسلوب لا يمكن أن يكون صهيونياً، لأن الأدب الصهيوني أداة أيديولوجية ووسيلة إلى هدف واضح بطريقة واضحة، ولذا فإن مثل هذا الأدب لابد أن يتسم بالوضوح والإيجابية. كما أن الأدب الصهيوني يهدف إلى الدفاع عما يُسمَّى حقوق الشعب اليهودي الذي يحمل خصائص عرْقية وإثنية خاصة ثابتة عبر الزمان والمكان، بل ويُركِّز على تقديس هذا الشعب. وغني عن القول أن رؤية كافكا للطبيعة البشرية مختلفة تماماً، فهي بالنسبة له طبيعة متقلِّبة كالغبار غير مستقرة ولا تحتمل أية قيود. كما أن اليهودي بالنسبة له شخصية هامشية تقف بين عوالم مختلفة ولا تنتمي إلى أي منها. أما كافكا ذاته، فهو يؤكد عدم انتمائه إلى أي عالم، وهو لا يخلع القداسة على أحد، يهودياً كان أو غير يهودي، فعالمه عالم حداثي تماماً، خال من أية مطلقات أو مرجعيات أو مقدَّسات. هذا فيما يتصل بموقف كافكا من الصهيونية. ولكن ماذا عن المضمون اليهودي في أدبه؟ إن مثل هذه المسألة يمكن أن تُحسَم إن قبلنا التحليل السياسـي والمباشـر للمضمـون ثم أضفنا إليه مستويات أكثر عمقاً، ولعلنا لو قبلنا صيغة تفسيرية مُركَّبة تقبل المستويات المتناقضة المختلفة، لفهمنا كافكا حق الفهم. ولنبدأ بكافكا الإنسان والكاتب. كان كافكا يهودياً مندمجاً، ولذا فإنه لم يكن في البداية مدركاً للكتابات الدينية اليهودية أو كتابات المؤلفين اليهود، ولكنه بالتدريج بدأ يهتم بها وبالموضوع اليهودي. وهو أمر طرحته عليه عدة عناصر من أهمها أنه رغم الرغبة الصادقة لقطاعات كبيرة من يهود وسط أوربا في الاندماج، بل والانصهار في الحضارة الغربية، ورغم محاولة كثير من المجتمعات قبولهم ودمجهم وصهرهم، إلا أن عملية مثل هذه لم يكن من الممكن أن تتم في جيل واحد أو جيلين، فقد كان الجيل الأول والثاني من اليهود المندمجين يشعر أنه فقــد الجيتو والأمن الذي كان اليهودي يشعر به داخله، بل ووجد نفسه في عالم معاد له. ولا شـك في أن حركات معاداة اليهـود التي تصاعد نفوذها وازدادت شعبـيتها عمَّقت هذا الإحساس لدى كثير من المثقفين اليهود. كما أن هجرة يهود اليديشية (أي يهود شرق أوربا)، الذين كان يتزايد عددهم داخل الإمبراطورية النمساوية المجرية، ساهم في خلخلة وضع اليهود المندمجين، وهو الوضـع الذي فُــرضَ على يهودي مندمج مثل هرتــزل أن يبحث عن حل للمسألة اليهودية، أي مــسألة يهود شرق أوربا، وأن يصوغ الحل الصهيوني. ويعني هذا أن الموضـوع اليهودي قد فُرضَ على كافكا فرضاً. فبدأ يقرأ في الكتابات الدينية اليهودية وفي كتابات المؤلفين اليهود العلمانيين. قرأ في كُتب القبَّالاه والحسيدية، ودرس العبرية، وقرأ كتابات صهيونية أو شبه صهيونية (بل يُقال إنه كتب دراسات يُفهم منها تأييده للمشروع الاستيطاني الصهيوني). وعلى أية حال، فإن المصادر الغربية لفكره كانت أكثر تنوعاً وعمقاً وشمولاً، فقد تأثر بكلٍّ من كيركجارد ودوستويفسكي وفلوبير وتومـاس مان وهيـس وجـوركي، وبالفكر الاشتراكي والفوضوي في عصره. ويبدو أنه كان معادياً للرأسمالية ولاقتصاديات السوق التي تحوِّل الإنسان إلى شيء. وهذه الازدواجية (اليهودي/غير اليهودي) تُعبِّر عن نفسها في مختلف المستويات. ولنأخذ موقفه من الدين؛ من الواضح أن كافكا كان رافضاً للدين كحل لمشكلة المعنى، ومن هنا كانت حداثة رواياته وإحساسه بالضياع الشامل. وهو في هذا، يُعبِّر عن موقف كثير من يهود عصره، حيث كانت اليهودية الحاخامية تعاني من أزمتها العميقة، إذ أخذت تحل محلها العقائد العلمانية المختلفة، مثل الصهيونية والداروينية والماركسية والنازية. ولكن موقف كافكا في هذا كان لا يختلف كثيراً عن موقف كثير من المثقفين الغربيين الذين ابتعدوا عن عقيدتهم وعن مجتمعهم بسبب تَصاعُد معدلات العلمنة وبسبب تآكل المجتمع التقليدي. لقد اندفعوا نحو المجتمع الجديد، ولكنهم لم يجدوا فيه المعنى، ولم تتحقق لهم الطمأنينة. بل إن أزمة اليهودية الحاخامية، لم تكن إلا جزءاً من أزمة العقيدة الدينية في الحضارة الغربية، كما أن كلتا الأزمتين نتاج حركيات واحدة: الانتقال من مجتمع تقليدي إلى مجتمع حديث، ولكنه انتقال لا يأتي بالسعادة، وإنما يؤدي إلى عدم الاستقرار والغربة. ومعنى هذا أن الظاهرة نفسها يمكن أن تُفسَّر على أساس يهودي خاص، وعلى أساس غربي عام، ثم نكتشف أن كلاًّ من الأساسين اليهودي الخاص والغربي العام هما شيء واحد. ولكن موقف كافكا الديني يتجاوز مجرد الرفض، ذلك أن كافكا كان يمارس إيماناً دينياً عميقاً من نوع خاص. فكان يرى أن فعل الكينونة لا يعني الوجود المادي وحسب، وإنما يعني أيضاً الانتماء إلى الإله، فالإله كامن في أعماق الذات البشرية. وهذا الجزء في الإنسان هو الجزء غير القابل للدمار، وهو ذاته عالم المُطلَق والكمال، المتجرد من الخطيئة والنقص، وهو العالم الذي يُسمِّيه المؤمن «الإله». ولكن قُرْب الإنسان من الإله يعني أن يعيش حياة صحيحة، وهذا الموقف يَنتُج عنه رفض العالم المحسوس (عالم السببية والمادة). وإذا كان الموقف السابق الرافض للدين يعبِّر عن أزمة اليهودية الحاخامية الخاصة وأزمة المعنى في المجتمع الغربي ككل، فإن هذا النوع من الإيمان الديني يعبِّر هو الآخر عن رؤيتين متشابهتين: إحداهما يهودية (القبَّالاه)، والأخرى غربية عامة (الغنوصية). وكلتا الرؤيتين تطرح فكرة الإله الخفي (الديوس ابسكونديتويس في الغنوصية، والإين سوف في القبَّالاه) الذي تبعثرت شراراته، فاختلطت الشرارات بالمادة بحيث أصبح الإله موجوداً داخل البشر، مع أنه بعيد عنهم تماماً. ويحاول الإنسان جاهداً عبر حياته أن يتجه نحو الالتحام به والعودة إليه، ولكنها عودة أصبحت مستحيلة (ولذا يستحيل فهم «المحاكمة»، كما يستحيل دخول «القلعة»). والتراث القبَّالي والغنوصي تراث منتشر في الحضارة الغربية بين اليهود وغير اليهود. فهناك قبَّالاة يهودية، وهناك قبَّالاة مسيحية (من أصل يهودي)، وهناك غنوصية يهودية وأخرى مسيحية. ومن ثم، فإن من الممكن تفسير هذا الجانب أيضاً على أساس يهودي خاص وأساس غير يهودي أو غربي عام. وسنُلاحظ نفس الشيء في أهم جوانب روايات كافكا،أي شخصياتها الأساسية.فأبطال كافكا رجال بلا تاريخ، رجال يعيشون خارج الزمان والمكان في فراغ لا اسم له، وفي زمان لا يمرُّ به تاريخ، يوجدون في كل الأوطان ولا وطن لهم، شخصيات تبحث عن شيء ما لا تعرف هويته، ويسقطون ضحايا شر لا يفهمون كنهه. وتبدأ رواياته عادةً خارج نطاق التجربة اليومية. فافتتاحية المحاكمة تقدم لنا البطل جوزيف ك. وقد قُدِّم للمحاكمة بسبب جريمة لا يعرف ما هي، كما أنه لا يعرف شيئاً عن طبيعة هيئة المحكمة التي تقرر إعدامه، وتنتهي المحاكمة نهاية عبثية. وفي الروايات الأخرى لكافكا، لا توجد نهاية على الإطلاق، ففي القلعة مثلاً لا يصل البطل إلى أي هدف. ويمكن تفسير هذه العزلة من منظور يهودي خاص، فشخصيات كافكا ليسوا بعيدين عن تجربته كيهودي مندمج، فهم أيضاً تركوا حيِّز الشتتل والزمان الشعائري اليهودي ودخلوا في وجود بلا زمان ولا مكان، وهي حالة الدياسبورا بلا خلاص، أو المصير اليهودي الذي يُلحق باليهود الأذى دون ذنب اقترفوه، فكأن حالة النفي والعزلة هي مصير دائم بالنسبة إليهم. ولكن يمكن القول بأن مأساة أبطال كافكا هي أيضاً مأساة كل الشخصيات في الأدب الغربي الحديث التي تشعر بحالة النفي والغربة، فهي شخصيات فقدت الإيمان، إذ وجدت نفسها في مجتمع متناثر ذري لا يربط أجزاءه رابط، مجتمع تعاقدي، الإنسان فيه منفيٌّ دائماً، مجتمع ازدادت فيه معدلات الترشيد حتى أصبح كل شيء آلياً أو شيئاً شبه آليّ تم التحكم فيه، ولكنه ترشيد إجرائي لا هدف له. ومن ثم، ورغم تزايد تحكم الإنسان، إلا أنه يشعر بإحساس عميق بالاختناق وبأنه لا حول له ولا قوة. ويمكننا القول بأن الموضوعات الأساسية في أدب كافكا هي موضوعات أساسية متواترة في الأدب الغربي الحديث بصفة عامة، وبالتالي فإن أصولها غربية، ولا يمكن فهمها إلا على مستوى الحضارة الغربية ككل. ولكننا في حالة كاتب من أصل يهودي فَقَدَ يهوديته مثل كافكا، نجد أن وضعه هذا يخلق عنده قابلية غير عادية لاكتشاف هذه الموضوعات وتطويرها، فهي تكتسب حدة خاصة في أدبه، وبعبارة أخرى، فإن يهودية كافكا ليست مصدر الرؤية العبثية عنده (فهي رؤية تضرب بجذورها في حضارته الغربية) والأدب الغربي. ومع هذا فانتماؤه اليهودي يُعمِّق هذه العبثية ويزيد من حدَّتها. وقد ترك كافكا أثراً عميقاً للغاية في الأدب الغربي الحديث (مسرح العبث). ويُستخدَم مصطلح «كافكاوي» أو «كافكوي» لوصف الإحساس بالضياع والسقوط في شبكة متداخلة من الأحداث العبثية. ولعل عمق أثره على الحضارة الغربية يُبيِّن مدى تجذُّره في التشكيل الحضاري الغربي، كما يُبيِّن مدى هامشية خصوصيته اليهودية، اللهم إلا إذا كانت هذه اليهودية نفسها تعبيراً عن شيء جوهري في الحضارة الغربية. سـارة ميـلين (1889-1967) Sarah Millin مؤلفة وروائية يهودية من جنوب أفريقيا، وُلدت في ليتوانيا ولكنها استقرت وهي بعد طفلة مع أهلها في جنوب أفريقيا، وتزوجت من القاضي فيليب ميلين، وهو قاض في المحكمة العليا في جنوب أفريقيا. نشرت عدة أعمال روائية وغير روائية، ولكنها حققت قدراً من الشهرة مع نشر روايتها أطفال الله (1924) وهي رواية عن الملونين في جنوب أفريقيا. نشرت ميلين سيرة حياة سيسل رودس (1933) وقد حُوّل الكتاب إلى فيلم عام 1936. كما نشرت سيرة حياة الجنرال سمتس (من جزأين) عام 1936، وهو تاريخ لجنوب أفريقيا ولدور اليهـود فيها. ونشـرت سـيرتها الذاتية بعنوان طويل هو الليل (1941). وتعود شهرتها إلى هذه الأعمال أكثر من أعمالها الروائية. وكانت مواقفها السياسية والأخلاقية بشأن المستوطنين السود في جنوب أفريقيا لا تخرج عن سياسة التفرقة اللونية (الأبارتهايد). وكما هو متوقع من كاتبة مثل هذه، نجد أنها تدافع بشدة عن الدولة الصهيونية. وقد كرَّست سارة معظم كتابتها بعد الحرب العالمية الثانية للدفاع عن إسرائيل وجنوب أفريقيا. وحررت عام 1966 كتاباً بعنوان الأفريقيون البيض هم أيضاً بشر وساهمت فيه بدراسة، وهو كتاب يدافع عن روديسيا وجنوب أفريقيا. ولا يمكن القول بأن ميلين تؤيد إسرائيل بسبب يهوديتها (فهي لم تهاجر إلى الدولة الصهيونية)، بل ينبع تأييدها للدولة الصهيونية من انتمائها للجيب العنصري في جنوب أفريقيا وللتشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي. بوريـس باسترناك (1890-1960) Boris Pasternak شاعر وروائي روسي، وُلد في موسكو ابناً للرسام الروسي ليونيد باسترناك. تنصَّر باسترناك في طفولته، وتعكس أعماله الشعرية التي تُعتبَر من أهم الأعمال الشعرية الروسية في القرن العشرين الروح المسيحية الأرثوذكسية. درس الفلسفة في جامعة موسكو ثم في ماربورج في ألمانيا، وأصدر أول أعماله الشعرية عام 1914. ولم تتناول أعماله أية مواضيع يهودية بشكل خاص فيما عدا روايته الشهيرة دكتور زيفاجو التي كتبها عام 1958، وتتناول هذه الرواية المسألة اليهودية. وتتخلل أعمال باسترناك بعض أفكاره الأساسية التي تعكس رؤية المثقف الليبرالي للقضايا السياسية، ولفكرة الثورة وقضايا الفن. فتتكرر في أعماله مسألة عدم جدوى الأيديولوجيات، وغياب أي نوع من العلاقة بين السياسة والسعادة الإنسانية، كما تتكرر حيرة المثقف إبان الثورات بين تأييده للتغيير ورفضه للعنف المصاحب للثورات. وقد انعكس كره باسترناك للعنف، واتجاهه نحو الفرار من الواقع السياسي في سبيل السعادة الفردية، في روايته دكتور زيفاجو. وعكست هذه الرواية أيضاً انفصال باسترناك عن اليهودية تماماً، كما عكست اعتزازه وإيمانه بتفوق المسيحية، واعتقاده بأن الاندماج هو السبيل الوحيد أمام اليهود للتخلص من المآسي التي تلحق بهم. وقد نالت هذه الرواية جائزة نوبل عام 1958، وأثار حصوله على الجائزة زوبعة سياسية نظراً لما كانت تحتويه الرواية من نقد للنظام السوفيتي وأيديولوجيته ولما كان يتخللها من مسحة دينية مسيحية. واضطر باسترناك إلى رفض الجائزة تحت ضغط من السلطات السوفيتية. ومن الجدير بالذكر أن باسترناك ظل في نظر السلطات السوفيتية، منذ الثلاثينيات، فناناً منعزلاً محباً للجمال متميِّزاً بحرفية فائقة، كما اعتُبر من بقايا مثقفي فترة ما قبل الثورة المنفصلين عن واقعهم الجديد. وقد مُنعت روايته من التداول في الاتحاد السوفيتي. وبعد وفاته، رُدَّ إليه اعتباره بشكل جزئي. وفي عهد البريسترويكا، تم نشر دكتور زيفاجو في الاتحاد السوفيتي، وأُعيد نشر أعماله الأخرى. وتُصنِّف بعض الموسوعات اليهودية باسترناك باعتباره «يهودياً»، وهو تصنيف يفتقر إلى أية قيمة تفسيرية أو تصنيفية. فإذا كان باسترناك قد وُلد يهودياً، فإن علاقته باليهودية انتهت بعد بضع سنوات من مولده، ولا يمكن تفسير أدبه إلا بالعودة لاهتماماته الدينية المسيحية ولموقفه المبهم من الثورة البلشفية. فرانــز فرفــل (1890-1945) Franz Werfel روائي نمساوي يهودي وكاتب مسرحي وشاعر. وُلد في براغ لعائلة يهودية ثرية ودرس في جامعات براغ وليبزيج، واشتغل محرراً في دار نشر، وصادق ماكس برود وفرانز كافكا. استهل فرفل حياته الأدبية بكتابة الشعر وصدرت له مجموعة أشعار عام 1911 تحت عنوان صديق العالم والتي دعَّمت مركزه الأدبي ووضعته ضمن أهم الشعراء التعبيريين في عصره. وتميَّز هذا العمل بطابع ديني مشيحاني وتمحور حول فكرة الحب والصداقة والأخوة الكونية العميقة. خدم فرفل خلال الحرب العالمية الأولى في صفوف الجيش النمساوي، وصدرت له عقب الحرب مجموعة أشعار بعنوان يوم القيامة (1919)، جسَّدت انطباعاته عن الحرب وتناولت الموت والهلاك والبعث والخلاص، وأكد فيها فرفل أن المحبة والأخوة بين البشر هما المفتاحان الوحيدان لإحياء شباب العالم الذي أصبح ملطخاً بالدماء. وفي عام 1923، أصدر مجموعة أخرى من الأشعار تحت عنوان إهابة سحرية دعا فيها إلى أخوة ديونيسية جديدة (نسبة إلى ديونيسوس إله الخمر عند اليونان) تجمع بين جميع المخلوقات: الإنسان والحيوان والجماد، ومن ثم فهي وحدة حلولية عضوية ذات توجه نيتشوي واضح. واتجه فرفل بعد الحرب إلى الكتابة المسرحية وكتب عدداً من المسرحيات الناجحة مثل ثلاثية إنسان المرآة (1921) التي تناول فيها فكرة سقوط الإنسان وخلاصه، وهي الفكرة نفسها التي تناولها في مسرحيته الدينية بولس بين اليهود (1926). وفي مسرحية الصمت (1922)، تحدث عن خطر النازية واعتبرها تُمثِّل ثورة الإنسان البدائي ضد الإنسان المُتحضِّر. وبعد صعود هتلر إلى السلطة في ألمانيا،كتب المسرحية التاريخية الدينية الطريق الأبدي (1936) والتي عُرضت بنجاح كبير على مسارح نيويورك،تناول فيها قضية يهود العصور الوسطى الذين عاشوا حياة نفي مستمرة نتيجة تمسكهم بعقيدتهم،كما عبَّر فيها عن حيرته الروحية وعدم وضوح انتمائه الديني. ومع انحسار التعبيرية وانبعاث الواقعية، انتقل فرفل إلى عالم القصة والرواية وحقق من خلالها شهرته العالمية. وتميَّزت رواياته بطابع صوفي تبشيري وتبنَّت قضايا المطحونين والمهزومين والصراع بين قوى الخير وقوى الشر، ومن أهم مؤلفاته الروائية الأربعون يوماً لموسى داغ (1933) والتي أبرز فيها مقدار الظلم الذي يمكن أن تفرضه الأغلبية ضد الأقلية من خلال تناوله صراع الأرمن ضد الأتراك. وفي روايته القلب النقي (1931) يؤكد أهمية السمو الروحي والديني والأخلاقي الذي يعلو عن مستوى الواقع الفج والنشاط السياسي غير النزيه. وقد هرب فرفل من النمسا عام 1938 بعد استيلاء النازي عليها،واستقر في فرنسا،ثم هرب مرة ثانية بعد عام 1940.وأثناء وجوده في فرنسا،ألهمته زيارته لمزار ديني في لودز كتابة رواية أغنية برناديت التي صدرت في الولايات المتحدة عام 1941 وحققت نجاحاً كبيراً وحُوِّلت إلى فيلم سينمائي.وتجسد هذه الرواية الصراع بين قوى الظلام وقوى النور وتُمجِّد المسيحية الكاثوليكية التي ظل فرفل منجذباً إليها طوال حياته.وكان فرفل قد كتب مقالاً عام 1917 بعنوان « الرسالة المسيحية » يوحي بأنه كان على وشك اعتناق الكاثوليكية،إلا أنه لم يُقدم على ذلك أبداً.وقد أكَّد عام 1943 أن تكوينه الفكري والثقافي تم في ظل التأثير الروحي للمسيحية والكنيسة الكاثوليكية كما يتبين بشكل واضح من خلال أعماله الأدبية. ومما يُذكَر أن فرفل تزوج عام 1929 من أرملة الموسيقار اليهودي جوستاف ماهلر التي كانت رافضة لليهودية، واقترحت قبل زواجهما أن يتخلى فرفل عن يهوديته ويتنصَّر، ولكنهما اتفقا في النهاية على أن يتم تعميده بعد وفاته. وفي سنواته الأخيرة عكف فرفل على كتابة عمله الملحمي الضخم نجم الذين لم يولدوا بعد والذي صدر بعد وفاته عام 1946، واستعرض فيه القضايا والأسئلة الأزلية التي تظل دائماً دون إجابة نهائية والتي أرَّقته طوال حياته،وتُوفي فرفل في الولايات المتحدة ودُفن في فيينا. ويظهر اسـم فرفل في كثير من الموسـوعات اليهـودية كمؤلف يهودي، وهو أمر يثير الحيرة لأن رؤيته في جوهرها مسيحية. إيليـا إهرنبـورج (1891-1967) Ilya Ehrenburg كاتب روسي يهودي، وُلد في كييف لأسرة مندمجة في المجتمع الروسي، وكان أبوه يمتلك مصنعاً لتقطير الخمور. انضم إهرنبورج للحركة الاشتراكية واضطر إلى اللجوء إلى باريس. وقد تحوَّل إلى الكاثوليكية عام 1911. كتب إهرنبورج في هذه المرحلة أشعاراً ذات طابع صوفي مسيحي، وتتحدث كتاباته النثرية (منذ عام 1920) عن معاناة اليهـود باعتبار أن ذلك جـزء من المخطـط الإلهي للقضـاء على الشر، وهذه فكرة قبَّالية. ولكنه عاد ورفض الإيمان الديني وقرر التعاون مع « حركة التاريخ ». واضطر للهجرة من روسيا عام 1921، ولم يَعُد إليها إلا في صيف 1941. تتناول بعض مؤلفاته موضوعات يهودية من أهمها رواية حياة لازيك رويتشفانتس العاصفة (1928) بطلها ترزي بسيط سيئ الحظ يبعث على الرثاء ولا علاقة له بالسياسة، ولكنه دائماً محط شك كل النظم، فبعد أن تم تحرير المنطقة التي يعيش فيها على يد القوات البلشفية ينظر إليه ممثلو النظام الجديد باعتباره ممثلاً للحرفيين البورجوازيين ذوي النزعة الفردية. وحينما يفرّ إلى الغرب، يظن الجميع أنه عميل سري شيوعي. وحينما يفرّ إلى فلسطين، لا يكون حظه أحسن حالاً. والبطل يشبه من بعض الوجوه أبطال شالوم عليخم (الكاتب اليديشي). وأثناء الحرب، لعب إهرنبورج دوراً نشيطاً في اللجنة السوفيتية اليهودية المعادية للفاشية، وحرر هو وفاسيلس جروسمان الكتاب الأسود الذي ضم أقوال شهود عيان لجرائم النازيين، ولم تنشر السلطات السوفيتية الكتاب. وحينما أُعلنت دولة إسرائيل واعترف بها الاتحاد السوفيتي، ذكَّر إهرنبورج يهود بلاده بأن الاتحاد السوفيتي هو وطنهم. وبعد سقوط ستالين، كتب إهرنبورج رواية ذوبان الثلوج (1954)، وهي تتناول شخصية مدير مصنع ديكتاتوري إبّان المرحلة الستالينية. ومن شخصيات الرواية طبيب يهودي يُتَّهم بالاشتراك في مؤامرة الأطباء. وظهرت بين عامي 1960 و1965 مذكرات إهرنبورج (الناس والحياة 1962، ومذكرات 1964)، وهي تصف كثيراً من معاصري إهرنبورج، مثـل: مارك شـاجال وأيزاك بابل وسـولومون ميخولز. أوسـيب ماندلستام (1891-1938) Osip Mandelstam شاعر روسي يهودي، وُلد في روسيا لأسرة متدينة. ولكنه تلقى تعليماً علمانياً ثم سافر إلى فرنسا وإنجلترا وألمانيا وإيطاليا، وانضم للحركة الشعرية المسماة «الأكميزم Acmeism» (نسبة إلى «أكمي Acme» أي «القمة» أو «الذروة») والتي تُعَدُّ ثورة على المدرسة الرمزية، إذ طالب دعاة هذه المدرسـة بقدر أكبر من الوضـوح والمباشـرة والتركيز على الشكل. وقد كتب ماندلستام بعض الوثائق الأساسية لهذه الحركة. نشر ماندلستام مجموعة شعرية عام 1913 بعنوان حجر، ولكن المجموعة التي نشرها عام 1922 بعنوان تريستيا هي التي حققت له الذيوع. وموضوعات شعره ذات طابع تاريخي ومُستَقَاة من التاريخ اليوناني والروماني. ويتَّسم شعره بصُوَره الأصيلة وحرفيتها العالية واستخدامه المتميِّز للغة الروسية. وقد تزوج ماندلستام من امرأة روسية غير يهودية. قابل ماندلستام الثورة البلشفية بكثير من الترحاب، ولكن الفجوة بدأت تتسع بينه وبين الثورة وانتهى الأمر بأن قُبض عليه عام 1934، ونُفي إلى سييبريا حيث مات فيها عام 1938 (وربما عام 1937). وقد رفض ماندلستام اليهودية الحاخامية، ووُصف موقفه بأنه هروب من الفوضى اليهودية. ويُعتبَر ماندلستام مثلاً لليهودي الذي يكره نفسه (مثل تروتسكي). ويظهر هذا بشكل واضح في مجموعة مقالاته المسماة ضوضاء الزمان حيث يسخر من اليهود الذين يصفهم بأنهم يستخدمون اللغة الروسية بدقة مبالغ فيها وبتصنع شديد حتى أنهم يزهقون روحها. ويُعبِّر ماندلستام عن كرهه للرطانة التي يتحدث بها يهود شرق أوربا (اليديشية) ولأبجديتهم (العبرية) وللخطوط السوداء والصفراء على شال الصلاة (طاليت)، بل ولرائحتهم الكريهة. ويرى ماندلستام أن المسيحية تُشكِّل الإطار الحقيقي لشعره. وقد نشرت أرملته عام 1971 كتاباً عن حياتها مع ماندلستام يعده بعض النقاد من عيون الأدب الروسي. وقد ضم دليل بلاكويل للثقافة اليهودية مدخلاً عن ماندلستام باعتباره « مثقفاً يهودياً » في الوقت الذي استبعدت فيه هذه الموسوعة الكُتَّاب اليهود من أصل شرقي أو سفاردي، وهو أمر أقل ما يُوصَف به أنه مشكوك فيه، فأين تكمن يهودية مثل هذا الكاتب؟ نيللي ساكس (1891-1970) Nelly Sachs شاعرة ألمانية يهودية حاصلة على جائزة نوبل، وُلدت لعائلة يهودية مندمجة في برلين وكان والدها رجل صناعة ثرياً. بدأت في كتابة أشعارها الأولى بالألمانية في سن السابعة عشرة وظهر أول أعمالها عام 1921. تميَّزت أشعارها بمضمونها المسيحي وطابعها الصوفي ولغتها الرومانسية. وظلت ساكس متباعدة عن أصلها اليهودي وغير مكترثة له إلى أن جاء النازي إلى الحكم في ألمانيا وهو ما اضطرها إلى الفرار إلى السويد عام 1940. وقد تناولت في أشعارها اللاحقة مواضيع خاصة باليهود وبفترة الإبادة النازية، فأصدرت عام 1946 ديوان في مساكن الموت الذي أهدته إلى «إخوتها وأخواتها الموتى »، ومن أشهر قصائد هذا الديوان قصيدة «المداخن». أما ديوانها الصادر عام 1949، فيضم أشعاراً تعبِّر عن إيمانها اللامتناهي بقدرة « شعب إسرائيل » على البقاء وأهمية رسالته في الحياة. وتنتمي أشعار ساكس إلى الموروث الأوربي الرومانسي لألمانيا، ويبدو أنها تأثرت بالصوفية: تأثرت بدايةً بصوفية جيكوب بومه، ثم تأثرت بالقبَّالاه، خصوصاً كتاب الزوهار أهم كتب التراث القبَّالي، كما تأثرت بكتابات مارتن بوبر الحسيدية. وتتمحور أغلب أعمالها حول موضوعات الملاحقة والمطاردة والخوف والوحدة والاستشهاد والمعاناة. وهي تستخدم خلفية كونية في كتاباتها. كذلك كتبت ساكس عدداً من المسرحيات، من أشهرها مسرحية أسرار حول معاناة إسرائيل التي صدرت عام 1943 وتتناول فيها موضوع الإبادة النازية. ورغم تبايُن آراء النقاد واختلاف تصنيفهم لأعمال ساكس وانتقاد الكثيرين لها باعتبار أن أسلوبها الأوربي الرومانسي الألماني لا يتفق مع محتوى أشعارها، وأنها تفتقر إلى عذوبة ودقة اللفظ الذي يتيح للقارئ مشاركتها إحساسها وإدراكها الديني. ورغم أن عدداً كبيراً من النقاد يجد أن أعمالها ليست متميِّزة لا من الناحية الأدبية ولا من الناحية الفكرية، إلا أنها مُنحت عام 1965 جائزة الناشرين الألمان للسلام، ثم جائزة نوبل في الأدب عام 1966 (مناصفة مع الأديب الإسرائيلي شموئيل عجنون). وقد قالت عند تسلُّمها الجائزة « إن عجنون يمثل دولة إسرائيل وأنا أمثل مأساة الشعب اليهودي ». ورغم تأكيد يهودية أدبها، فيجب ملاحظة أن مصادر ساكس الأدبية ألمانية، غير يهودية على الإطلاق، وكذلك مصادرها الفكرية والدينية. إذ تأثرت بأعمال المتصوف الألماني المسيحي جيكوب بومه، كما تأثرت بمارتن بوبر الذي تأثر بدوره بالفكر الديني المسيحي كليةً. أما تأثرها بالحسيدية، فلعله تأثر بالجوانب التي يمكن أن نسميها «مسيحية». وهذا الموروث يظهر في تراثها الأدبي بكل وضوح، وقد وُصفت أعمالها الشعرية الأولى بأنها مسيحية. وفي عام 1940، نجد أنها تستخدم في قصيدتها الشهيرة «المداخن» صورة مجازية مسيحية، إذ تصف الدخان المنبعث من معسكرات الإبادة النازية بأنه يضم جسد إسرائيل، أما المسرحية التي كتبتها فهي ما يُسمَّى «مسرحية أسرار»، وهي نوع أدبي ذو جذور مسيحية واضحة تتناول اغتيال صبي بولندي على يد جندي ألماني (وفي هذا صدى لقصة صلب المسيح)، كما يتردد في المسرحية صدى أساطير حسيدية عن القديسين (تساديك) الذين يساهمون في استمرار العالم بفضل طهارتهم ويساهمون في إصلاح الخلل الكوني (تيقون). وقد بيَّنا المضمون المسيحي لهذا المفهوم في موضع آخر (انظر: «تنصير اليهودية»). وقد وُصِّفت أعمالها بأنها مزج جيد بين المفردات الحسيدية والمفردات المسيحية، وعادةً لا يمكن مزج عنصرين إلا إذا كانت هناك رقعة مشتركة بينهما. وبالفعل، فإننا نجد أن المفردات الحسيدية التي اختارتهـا هي تلك المفردات التي تعبِّر عن الجانب المســيحي في الحسيدية، والتي استوعبها الحسيديون من تربتهم السلافية الأرثوذكسية. وهنا يمكن طرح السؤال التالي: هل أعطت أوربا الجائزة لساكس بسبب تعبيرها عن هويتها اليهودية أم أعطتها لها بسبب تخليها عنها؟ جوليان تـوويم (1894-1953) Julian Tuwim شـاعر بولندي يهـودي، يُعتبَر من أهـم المجددين في الأدب البولندي، وُلد لأب وأم يهوديين، ولكن الأم كانت ذات اتجاه اندماجي قوي فبثت فيه روح الانتماء لبولندا وللقومية البولندية. ولا شك في أنها روح اكتسبت قوة من خلال تلقيه تعليمه في جامعات بولندا في فترة كانت الروح القومية فيها متأججة. وتعبِّر دواوين توويم الشعرية الأولى، في انتظار الإله (1918)، و سقراط الراقص (1920)، و الخريف السابع (1922)، عن إيمانه العميق بالقومية البولندية وتمسكه بها. أسس توويم، هو ومجموعة من الأدباء البولنديين، مجلة أدبية أطلق عليها سكامندر، كما أُطلق الاسم ذاته على حركة أدبية كان يرأسها توويم، وهي تُعَدُّ أهم حركة أدبية في بولندا حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية. وقد أصبح توويم من أهم شعراء بولندا بلا منازع، ومُنح جوائز أدبية عديدة وذاع صيته في أوربا باعتباره «بوشكين البولندي». ورغم إيمانه العميق بقوميته، إلا أنه نحا في شعره منحىً اجتماعياً ثورياً، فهاجم الأثرياء والمستغلين والطبقة العسكرية والرأسمالية في بولندا في ديوانيه إنجيل الفجر (1933)، وحفلة الأوبرا (1936). ولكنه رغم تعاطفه الواضح مع العمال، بقي بمنأى عن الحركات العمالية الثورية، إذ ظل انتماؤه القومي هو الأساس. ولا يظهر الموضوع اليهودي في كتابات توويم إلا نادراً. وهو لم يحاول إخفاء أصوله اليهودية، إذ كان يرى أنها لا تتناقض مع انتمائه البولندي. وانطلاقاً من هذا، كان توويم يهاجم المعادين لليهودية الذين ينكرون عليه انتماءه القومي البولندي ويتهمونه بأنه يفسد اللغة البولندية، كما كان يهاجم الصهاينة وكل دعاة العزلة اليهودية. ولذا، اتهمته بعض الدراسات بأنه ينتمي لنمط اليهودي الذي يكره نفسه. ساهم توويم في حركة المقاومة ضد النازي، وكتب ملحمة أزهار بولندا (1940 - 1944) الذي أصبح أحد أجزائها ( «صلاة ») نشيد حركة المقاومة البولندية. كما كتب في هذه المرحلة كتاباً بعنوان نحن اليهود البولنديون يدافع فيه عن انتمائه البولندي واليهودي. وقام توويم بترجمة كثير من الأعمال الأدبية إلى البولندية خصوصاً من الروسية، كما ترجم أعمال رامبو. وكتب دراسات في مواضيع متنوعة مثل السحر ولهجات السكارى، ونشر ثلاثة من كتب تضم أغاني للأطفال. وقد عاد إلى بولندا بعد استيلاء الشيوعيين على الحكم واستقر فيها حتى موته. ويظهر اسم توويم في كثير من الموسوعات اليهودية باعتباره أديباً يهودياً، الأمر الذي يثير السؤال التالي: من هو الأديب اليهودي؟ فهذا أديب نشأ يتحدث البولندية في بيئة بولندية وتلقى تعليمه في مؤسسات تعليمية بولندية، وينتمي إلى التراث الأدبي والشعبي البولندي، ويؤمن بالمشروع القومي البولندي (وقد كان البولنديون يتغنون بقصائده ويحولونها إلى أناشيد قومية لهم)، وهو يعود إلى بلده بعد تحريرها (وبعد إنشاء الدولة الصهيونية في فلسطين) ليقضي فيها بقية أيامه ثم يُدفَن فيها، ومن ثم لا يمكن فهم حياته أو أدبه إلا في إطار انتمائه إلى بولندا. أما يهوديته، فقد فهمها حق الفهم، أي باعتبارها بُعداً هامشياً في شـخصيته (وهو الأمر الذي فشـل الصهاينة والمعادون لليهود في فهمه). إسـحق بابـل (1894-1941) Isaac Babel كاتب قصة قصيرة ومسرحي سوفيتي يهودي، وُلد في مدينة أوديسا ونشأ فيها. وكانت أوديسا مركزاً كوزموبوليتانياً، إذ كانت تعيش فيها جماعات ذات خلفيات ثقافية وإثنية مختلفة (ولذا كانت المسارح تعرض المسرحية الواحدة بثلاث أو أربع لغات مختلفة)، كما كانت مركزاً لنشاط تجاري دولي واسع النطاق. وإلى جوار هذا كانت أوديسا مركزاً للدراسات العبرية واليديشية ومركزاً لحركة التنـوير اليهـودية والحـركة الصهيـونية والحركات الاشتراكية اليهودية. وُلد بابل لعائلة مندمجة تتحدث اليديشية التي تُعَدُّ لغته الأولى، وتلقى تعليماً خاصاً في منزله حتى سن السادسة عشرة، حيث تعلم مواد دينية ودنيوية عديدة منها العبرية والعهد القديم والتلمود، ثم التحق بمدرسة تجارية في أوديسا. وبعد عام 1915، ذهب بابل إلى بتروجراد (سان بطرسبرج فيما قبل ولينينجراد فيما بعد) متخفياً، حيث كان محظوراً على أعضاء الجماعة اليهودية التواجد فيها دون تصريح، لأنها كانت تقع خارج منطقة الاستيطان على عكس أوديسا. وقد نُشرت أول أعماله الأدبية في بتروجراد، قبل الثورة، في مجلة أدبية كان يرأس تحريرها ماكسيم جوركي. وبعد اندلاع الثورة البلشفية، انضم بابل لقواتها. فعمل في قوات الأمن، وفي قوميسارية التعليم، وفي مهمات التموين، أي في مصادرة المحاصيل في الريف، وفي الجيش البلشفي ضد القوات الروسية البيضاء المعادية للثورة. كما خدم في فرقة الفرسان الأولى التي كانت تضم المحاربين القوزاق وكانت تحارب على الجبهة البولندية. وهذه واحدة من مفارقات عديدة في حياة بابل، فالقوزاق هم أعداء الجماعة اليهودية التقليديون، ومن صفوفهم جاء شميلنكي الذي قاد ثورة شعبية أوكرانية ضد الإقطاع الاستيطاني البولندي وممثليه من يهود الأرندا. كما كانت الدولة القيصرية تجند القوزاق في قوات الأمن الداخلي لقمع المتظاهرين ولفرض الهيمنة الروسية على الشعوب والأقليات التي كانت تضمها الإمبراطورية القيصرية ومن بينهم الجماعات اليهودية. ورغم كل هذا، انضم بابل اليهودي إلى القوزاق أعداء اليهود، وهم فرسان محاربون شرسون من أصل قَبَلي يحملون سيوفهم وأسلحتهم، وهو مثقف من المدينة يرتدي نظارة ويحمل كتبه ولا يجيد ركوب الخيل. وتستمر المفارقات في حياة بابل، فقد نشأ نشأة دينية أرثوذكسية جامدة، ثم تبنَّى عقيدة علمانية لا تقل عنها جموداً. وقد دافع بابل عن النظام السوفيتي، وسقط ضحية هذا النظام في نهاية الأمر. كتب بابل في هذه الفترة الفرسان الحمر (1926) وهو كتاب يتناول تجربته مع المحاربين القوزاق من الفرقة الأولى الحمراء. واتهمه قائد الفرقة الأولى بأنه شوَّه الحقائق وأساء إلى صورة الفرقة. وفي عام 1931، كتب بابل رواية أو مجموعة من القصص عن عملية فرض الصيغة الجماعية على الإنتاج الزراعي، وظهر فصل منها ثم توقفت لأنها كانت متناقضة مع خط الحزب. سُمح له عام 1928 بزيارة زوجته وابنته اللتين كانتا قد هاجرتا إلى باريس. ثم بدأت فترة الإرهاب الستالينية بعد ذلك، فأصبح بابل، حسب قول أحد النقاد، « سيد الصمت ». وبموت ماكسيم جوركي (1936)، فَقَد بابل أحد أهم أصدقائه، إذ كان يزوده بالحماية. وبالفعل، قُبض عليه عام 1939 واختفى على الفور. ولا تُعرَف الأسباب التي أدَّت إلى القبض عليه، ولكن ثمة نظرية تذهب إلى أنها لم تكن سياسية، وأنه أُلقي القبض عليه بسبب علاقة غرامية بينه وبين زوجة رئيس البوليس السري. ويُعَدُّ بابل من أهم الكُتَّاب الروس، فرغم أن لغته الأولى كما أسلفنا هي اليديشية، ورغم أنه كتب أولى رواياته بالفرنسية، إلا أنه امتلك ناصية اللغة الروسية وأصبح من أحسن كتابها. ورغم اختياره الروسية لغة للتعبير، فقد ظل الموضوع اليهودي موضوعاً أساسياً ظاهراً وكامناً في أعماله. ولم يكن بابل منشغلاً بأن يحدِّد موقفاً مع اليهود أو ضدهم، فقد أدرك أن يهوديته (أو بقاياها) هي مُعطى أو ميراث يحدِّد سلوكه كمواطن في عصر الثورة وهو ما يخلق التناقضات والمفارقات العديدة في حياته. ولعل هذا هو سر عظمة أعماله وسر إنسانيتها، فاليهودية هنا ليست نسقاً مغلقاً مكتفياً بذاته يُقسِّم العالم إلى يهود وأغيار ثم يستبعد الأغيار باعتبارهم الأشرار، وإنما هي بُعْد أساسي في بنية إنسانية مأساوية كوميدية ذات دلالة إنسانية عامة. ومأساة اليهودي في رواياته ليست مأساة يهودية خاصة، وإنما هي مأساة إنسان يسقط صريع عمليتي الثورة والتحديث رغم إيمانه بهما وتحمسه لهما وانضمامه لصفوفهما. وهذا نمط إنساني عام يتجاوز يهودية اليهودي وكل الانتماءات الإثنية، ويُعبِّر عن الصراع القائم بين الجديد والقديم وبين المجتمع التقليدي والحديث، فالمرجعية النهائية هنا هي إنسانية البشر المشتركة، وكذلك أفراحهم وأتراحهم. ولم يكن بابل كاتباً غزير الإنتاج، فسمعته الأدبية تستند إلى مجموعتين أدبيتين: الفرسان الحمر (1926)، و روايات أوديسا (1927). وقد تأثر أسلوبه الروائي بفلوبير وموباسان، فهو يجيد رواية الحكايات، حيث تنكشف الشخصيات المتنوعة من خلال الحبكة نفسها. وعادةً ما يكون الراوي في القصة هو الشخصية الأساسية يحكي روايته بلغته سواء كانت لهجة فلاحية أو رطانة جنود أو لغة مواطن يهودي من أوديسا يتحدث الروسية بلكنة يديشية. والموضوع الأساسي في روايات بابل هو صدى لواحد من أهم الموضوعات في الأدب الغربي الحديث: تمجيد الإنسان الطبيعي أو النبيل المتوحش. ولكن الموضوع يأخذ شكلاً خاصاً في أدب بابل، بل يكتسب أبعاداً نيتشوية واضحة، وهو في هذا لا يختلف كثيراً عن كثير من الأدباء اليهود في عصره حيث اكتسحتهم النيتشوية، مثل آحاد هعام فيلسوف أوديسا وحاخامها اللاأدري. فاليهودي التقليدي في أدب بابل هو ممثل أخلاق الضعفاء، المثقل بعبء التاريخ وميراثه، يود أن يتحرر من كل هذا ويصبح مثل الوثنيين ممثلي أخلاق الأقوياء الذين يتسمون بالقوة الجسدية الخارقة وبغياب الحس الخلقي والمقدرة على الحياة في عالم الحس المباشر. ولعل أحسن مثل على ذلك، حسب رؤية بابل، المحاربون القوزاق. ومما يَحسُن ذكره أن لهذا الموضوع صدى في الأدب الصهيوني، فالصابرا أو العبراني الجديد هو هذا الوثني النيتشوي غير المُثقَل بعبء التاريخ، والوثني الجديد قادر على القيام بأفظع الأفعال وأبسطها؛ قتل الآخرين. وفي إحدى قصص بابل، لا يقوى بطلها على أن يُجهز على أحد الرفاق الجرحى، ويصلِّي للإله ليمنحه المقدرة على القتال. وفي قصة أخرى، يحاول البطل أن ينضم إلى جماعة القوزاق، ولذا كان عليه أن يقتل إوزَّة بطريقة شرسة وينجح في ذلك، ولكنه حينما يأوي إلى فراشه يبدأ ضميره (اليهودي) في تأنيبه على فعلته هذه. وإلى جانب ممثلي أخلاق الضعفاء، يوجد يهود آخرون يعيشون في عالم الحس خارج نطاق قيم الخير والشر، أبطال لا علاقة لهم باليهود المساكين الذين صوَّرهم الأدب اليديشي، ولا بالحالمين المثاليين في الأدب ذي التوجه الصهيوني. أما أبطال بابل فهم، على حد قول أحد النقاد، مثل الخمرة الحمراء الرديئة المليئة بالفقاقيع، فمنهم امرأة يهودية ضخمة تدير بؤرة للصوص وماخوراً للدعارة، ومنهم شحاذون ذوو ذقون مدببة يحرسون مقابر اليهود ويتحدثون عن عبث الوجود الإنساني، ومنهم رؤساء عصابات يُدخلون الرعب على قلوب تجار أوديسا وشرطييها، ومنهم ذابحون شرعيون وحسيديون بولنديون. هذا الجانـب من أدب بابل يُعبِّر عن وعيه بالجانب الحسـي لعـالم يهود اليديشية، ولكنه عالم آخذ في الاختفاء بسبب تصاعُد معدلات العلمنة والتحديث، خصوصاً بعد الثورة. ومن هنا يتحوَّل أدب بابل إلى مرثية اختفاء هذا العالم، ولكنها مرثية كوميدية. وهذه النغمة هي التي تنقذه إلى حدٍّ ما من العدمية التي تسم كثيراً من الأعمال الحداثية وتُحل محلها شكلاً بدائياً مباشراً من تأكيد الحياة. فعلى سبيل المثال، هناك بيت للعجزة اليهود يحاول أن يضمن لنفسه الاستمرار بأن يتحوَّل إلى تعاونية اشتراكية للدفن، ولكنه لا يمكنه البقاء إلا بالحفاظ على الجثمان الوحيد لديه وعدم دفنه. ومن ثم، فإن أول جنازة حقيقية ستقوم بها هذه المؤسسة الاشتراكية تعني، في واقع الأمر، نهايتها. وهناك قصة أخرى عن حياة طفل يُسميه أبواه الشيوعيان الملحدان «كارل»، ولكن جديه يختنانه سراً، ومن ثم يُسمَّى الطفل «كارل ـ يانكل» (كارل ـ يعقوب). وفي قصة ثالثة، ينضم ابن أحد الحاخامات للحزب الشيوعي (رمز الجديد) ولكنه يستمر في الحياة مع أبويه لأنه لا يريد أن يترك أمه (رمز القديم). وفي قصة رابعة، يموت ابن الحاخام الشيوعي في معركة ولكنهم (بعد موته) يجدون في أوراقه صورة للينين وأخرى لموسى بن ميمون وقرارات للحزب الشيوعي كُتبت في هوامشها أبيات شعرية بالعبرية ونص من نشيد الأنشاد مع بعض الطلقات الفارغة. ولعل من أهم القصص التي تبيِّن هذا الصراع قصة جيدالي. وبطل القصة يهودي عجوز (صاحب محل تحف)، وقد اعترته الدهشة والحيرة بسبب عمليات السرقة والنهب في مدينته والتي يقوم بها الجانبان الشيوعي والمعادي للشيوعية. ولذا، فهو يسأل: كيف يستطيع المرء إذن أن يفرِّق بين الثورة والثورة المضادة؟ وهو ممن لا يقبلون الرأي الحديث القائل بأن الغاية تبرر الوسيلة، ويعيش في ألم لأن الثورة تطالب الناس بأن ينبذوا كل القـيم القـديمة: الجيـد منهـا والرديء. « سنقول نعم للثورة، ولكن هل يمكن أن نقول لا لشعائر السبت؟ » ثم تنتهي القصة باقتراح يقدمه بطل القصة لزائره الشيوعي: إن ما تحتاجه الدنيا ليس مزيداً من السياسة، وإنما منظمة دولية للأخيار، يعيش كل الناس فيها في سلام ووئام. وقد رُدَّ اعتبار بابل في الاتحاد السوفيتي في فترة ما بعد ستالين ونُشرت أعماله في الستينيات. ويمكن هنا أن نثير قضية تصنيف بابل الذي ورد اسمه في دليل بلاكويل للثقافة اليهودية باعتباره أديباً يهودياً. ورغم أن بابل يكتب باللغة الروسية داخل إطار الثقافة الروسية وتقاليد الرواية الروسية، ولا يمكن فهم أعماله إلا بالعودة إلى هذه التقاليد. وهو يتناول موضوعات يهودية، ولكنها في واقع الأمر موضوعات روسية يهودية، أي أنها موضوعات تخص حياة يهود اليديشية في روسيا بعد الثورة، وهي موضوعات لا تُفهَم هي الأخرى إلا بالعودة إلى المجتمع السوفيتي الجديد ومشاكل الشعوب والأقليات فيه. ويتسم تناول بابل لموضوعاته بالرحابة الإنسانية، ومن ثم فإن أعماله ترقى إلى مستوى العالمية. كل هذا يجعل تصنيفه كروائي يهودي مستحيلاً، فمثل هذا التصنيف لا يُفسِّر إلا جوانب محدودة للغاية من أدبه. بـن هكـت (1894-1964) Ben Hecht صحفي أمريكي يهودي وروائي وكاتب مسرحي، وكاتب سيناريو. وُلد في نيويورك، وانتقل عام 1910 إلى شيكاغو حيث بدأ حياته في مهنة الصحافة التي حقق فيها مكانة بارزة. أرسلته جريدة ديلي نيوز عام 1918 إلى برلين حيث ظل حتى عام 1920، وهناك تدعمت اهتماماته الأدبية. وفي عام 1921، أصدر روايته الأولى أريك دورن والتي عكست تجاربه في برلين. وفي شيكاغو، انضم بن هكت إلى مدرسة شيكاغو التي ضمت كُتّاباً مثل شروود أندرسن وماكسويل بودنهايم. وانتقل هكت بعد ذلك إلى نيويورك، حيث بدأ عمله في المجال المسرحي في برودواي، واشترك في كتابة بعض المسرحيات التي حققت شهرة واسعة. إلا أن هكت حقَّق شهرته الحقيقية من خلال عمله ككاتب سيناريو لعديد من الأفلام السينمائية الشهيرة والتي نال عنها جائزتي أوسكار. وكتب هكت عام 1931 روايته اليهودي المحب التي اعتبرتها الأوساط اليهودية مثالاً لكره اليهودي لنفسه، وذلك لما اتسمت به شخصياتها اليهودية من مكر وتآمر ورغبة في الاندماج. ولكنه، مع نهاية الثلاثينيات، ومع صعود النازية والفاشية في أوربا، بدأ في الاهتمام بالقضايا اليهودية، وأدان النازية، وأيَّد الوجود الصهيوني في فلسطين بشدة.وقد ظل بن هكت حائراً بين رفض النازية من ناحية ورفض السياسة البريطانية في فلسطين من ناحية أخرى، وكتب عام 1944 دليل المرتبكين تعبيراً عن هذه الحيرة.أما بعد الحرب،فقد هاجم بن هكت سياسة بريطانيا،وقدم الدعم المالي لمنظمة إرجون الصهيونية الإرهابية في فلسطين.ولكنه بعد قيام إسرائيل،أصيب بخيبة أمل تجاه إرجون وتجاه سياسات بن جوريون. وفي عام 1961، تضمَّن عمله الأدبي خيانة هجوماً لاذعاً وحاداً على الصهيونية، إذ تناول موضوع رودولف كاستنر (وهو الزعيم الصهيوني المجري الذي تعاون مع النازيين وأيخمان، فقام بخداع يهود المجر وأفهمهم أنهم ذاهبون لمعسكرات العمل، فضمن سكوتهم وعدم مقاومتهم نظير السماح لمجموعة من الشباب اليهودي القوي بالاستيطان في فلسطين). وألَّف بن هكت مسرحية مستقاة من كتابه هذا فشنَّت المؤسسة الصهيونية عليه حرباً شعواء. ناثـانيـل وســت (1903-1940) Nathaneal West روائي أمريكي يهودي اسمه الحقيقي نيثان وينشتاين. وُلد ونشأ في نيويورك لأبوين مهاجرين من يهود اليديشية كانا يرفضان التحدث باليديشية في المنزل، وشجَّعا ابنهما على الاندماج. ولم يحصل وست على شهادة الثانوية العامة، فالتحق بالجامعات بوثائق مزيفة. ولم يُسمَح له بالانضمام لإحدى الروابط الجامعية لأنه يهودي، فكتب قصة رمزية عن ذبابة وُلدت تحت إبط المسيح وتعيش على جسده وتموت لحظة موته. ولعل الذبابة رمز للشعب اليهودي الذي يعيش على هامش العالم المسيحي، منبوذاً منه، عالة عليه، يحيا بحياته ويموت بموته. وفي عام 1927، قبل أن يذهب إلى باريس، غيَّر نيثان اسمه وتبنى الاسم الذي عُرف به بقية حياته، وكتب رواية سيريالية تجريبية بعنوان حياة بالسوسنيل الواهمة (1931) هاجم فيها المسيحية واليهودية، وموضوع الرواية الأساسي هو بحث البطل بشكل عبثي عن شيء ثابت يمكنه الارتباط به. واتهمه بعض النقاد اليهود بأنه معاد لليهود واليهودية، وبأنه يهودي كاره لنفسه، الأمر الذي يثير قضية التصنيف: هل يمكن الاستمرار في تصنيف وست باعتباره «كاتباً أمريكياً يهودياً » أم أن من الأفضل تصنيفه باعتباره « كاتباً أمريكياً من أصل يهودي » أم مجرد « كاتب أمريكي علماني » (فقط) يهاجم مختلف العقائد الدينية؟ وروايات وست عنيفة ساخرة ومُستخفة بالقيم الإنسانية، تحاول أن تُظهر أن الحب الإنساني إن هو إلا وهم لا علاقة له بالواقع الخارجي القاسي الصلب. كما أن روايته المليون البارد (1934) هجوم على الحلم الأمريكي. وتجمع روايته يوم الجراد (1939) التي تدور أحداثها في هوليود بين اللاأخلاقية والأحلام الرؤياوية (الأبوكاليبسية). ويذهب بعض النقاد إلى أن عدمية وست تعبير عن رفضه مجتمعاً صنَّفه يهودياً في وقت لم تَعُد له فيه علاقة باليهودية، ولعل هجومه الشرس على كلٍّ من اليهودية والمسيحية هو تعبير عن هذا الوضع الشاذ والفريد. ليـونيـل ترلنـج (1905-1975) Lionel Trilling ناقد أدبي وروائي أمريكي يهودي، وُلد لأبوين مهاجرين وقضى معظم حياته أستاذاً للأدب الإنجليزي بجامعة كولومبيا (حيث تعرَّف إليه مؤلف هذه الموسوعة). من أهم مؤلفاته ماثيو أرنوُلد (1939)، و إي.ام.فورستر (1943). أما روايته وسط الرحلة (1947)، فتتناول جاذبية الماركسية بالنسبة للمثقفين. ومن أهم أعماله النقدية الوجدان الليبرالي (1950) الذي يحاول فيه أن يؤكد أهمية التركيب في الفكر (مقابل التسطيح والتبسيط) وعلاقة الأدب بالحضارة. وقد نشر أيضاً كتاباً عنوانه الذات المعارضة (1955) يضم مقالاً بعنوان «وردزورث والحاخامات»، وهو من المقالات النادرة التي يتناول فيها الكاتب موضوعاً يهودياً. ويعقد ترلنج في هذا المقال مقارنة بين وردزورث وحبه وتقبُّله الطبيعة ورفضه فكرة الغزو بموضوع مماثل في كتابات الحاخامات. كما أن له مقالاً عن الكاتب الروسي اليهودي إسحق بابل يُبيِّن فيه أن بابل كان يدرك تماماً جدلية الجسد والروح، والمجتمع والذات، وأن يهوديته ليست أساس هذا الإحساس رغم أنها قد عمَّقته. وترلنج غير متعاطف مع تجربة الدولة الصهيونية، فهي تقف على طرف النقيض من الوجدان الليبرالي بتركيبيته وتعدديته. وقد نَشَر ترلنج رأيه هذا في مجلة كومنتاري. ومن هنا، فإن من الصعب إلى حدٍّ كبير استخدام مصطلح «كاتب أمريكي يهودي» للإشارة إلى ترلنج. فالموضوع اليهودي لا يظهر إلا لماماً في كتاباته، وإن ظهرت موضوعات يهودية فهي تظهر باعتبارها موضوعات إنسانية تُوضَع في سياق إنساني عالمي. وقد قال ترلنج إن الاهتمام بما يُقال له «الهوية اليهودية» هو أمر لا علاقة له بمن يود أن يصبح مثقفاً أو فناناً أمريكياً. ومن مؤلفاته الأخرى ما وراء الحضارة (1965). ومن كتبه الأخيرة الإخلاص والأصالة (1974)، وهو هجوم على حركات الستينيات العدمية المعادية للإنسان والحضارة. وقد استفاد ترلنج من علم النفس وتاريخ الحضارة في دراسته. مـائيـر لفــين (1905-1981) Meyer Levin روائي أمريكي يهودي وصهيوني لا يُصنَّف ضمن كُتَّاب الدرجة الأولى. وُلد في شيكاغو لأبوين مهاجرين. ورغم أن رواياته الأولى تجاهلت تماماً الموضوع اليهودي، إلا أنه بدأ علاقة طويلة مع الصهيونية ابتداءً من الثلاثينيات حيث كتب رواية يهودا، وهي أول رواية عن الحياة في الكيبوتس. وبعد هذا التاريخ، أصبحت كل رواياته لا تتناول سوى موضوعات يهودية، ومن وجهة نظر يقال لها «قومية» أي صهيونية. وفي عام 1932، نشر لفين مجموعة من القصص الحسيدية بعنوان الجبل الذهبي (أُعيد نشرها عام 1975 تحت عنوان روايات كلاسيكية حسيدية). وقد نُشر عام 1937 أحد أهم أعماله العصبة القديمة، وهو كتاب ذو طابع صحفي تقريري وصفي عن الشبان اليهود في شيكاغو إبان فترة الكساد الكبير. وقد مدحته النيويورك تايمز، ولكن أحد النقاد اليهود وصف أعماله بأنها تعبير عن كره اليهودي لنفسه. عمل لفين مراسلاً لعدد من الصحف في فلسطين وإسبانيا، وساهم بعد الحرب في الهجرة اليهودية غير الشرعية. وفي عام 1947، نشر كتاباً بعنوان بيت أبي، وهو تأملات في مصير اليهود في ألمانيا النازية وفلسطين. كما كتب قصصاً وسيناريوهات لعدة أفلام ذات طابع صهيوني واضح. ونشر لفين عام 1952 مسرحية مُستَقَاة من حياة آن فرانك، كما كتب رواية بعنوان الإرغام عن جريمة شهيرة لا دافع لها اشترك فيها شابان يهوديان ثريان من شيكاغو مسقط رأسه. استوطن لفين في إسرائيل منذ عام 1958. وأصبح أدبه، بعد ذلك، صهيونياً غارقاً في العنصرية بشكل فاقع، يُضفي غلالة رومانسية على اليهود ويصوِّر العرب في أقبح الصور من خلال أنماط إدراكية استقاها من أدب معاداة اليهود، بحيث أصبح العربي في أدبه يقابل اليهودي في أدبيات معاداة اليهود. ونشر لفين سلسلة من الروايات عن الإبادة النازية لليهود، وآخر أعماله روايتان عن التجربة الصهيونية: المستوطنون (1972)، و الحصاد (1978). وكما أسلفنا، لا تحظى كتابات لفين بإعجاب معظم النقاد حيث لا يعدُّونه من كبار الكُتَّاب الذين يستحقون أن يُقرأوا قراءة جادة. وقد فسَّر لفين هذا الواقع بأن كتبه تتناول الموضوع اليهودي «ولا يمكن لكتاب عن اليهود أن يُعتبَر ضمن التيار الأساسي للأدب الأمريكي »، أي أنه يرى أن يهوديته (لا رداءة أدبه) هي السبب في أنه لا يحظى بالاهتمام الذي يستحقه. وادعاؤه هذا لا أساس له من الصحة، إذ تُترجَم أعمال كثير من الكُتَّاب الإسرائيليين للإنجليزية ويقرِّظها النقاد الأمريكيون، كما يعبِّر كثير من النقاد الأمريكيين عن إعجابهم بأعمال الكاتب الأمريكي اليهودي برنارد مالامود، وهي أعمال أدبية والبُعْد اليهودي فيها واضح. وقد هاجم لفين كبار الكُتَّاب الأمريكيين اليهود، مثل فيليب روث وسول بيلو، واتهمهم بعدم الاكتراث باليهود، بل وبأنهم يعادونهم ويكرهون أنفسهم كيهود. ويمكن أن يُعَدُّ أدب لفين نموذجاً جيداً للأدب الصهيوني. رومـــان براندســتايتر (1906- ) Roman Brandstaetter شاعر وكاتب مسرحي بولندي من أصل يهودي، وهو ابن المؤلف البولندي ديفيد براندستايتر الذي دأب على تأليف كتبه بالعبرية. بدأ حياته الأدبية بنشر عدة دواوين شعرية في مواضيع عامة، ثم أخذ ينحو منحى صهيونياً واضحاً تبدَّى في نشاطه الأدبي، حيث حرَّر بعض الحوليَّات الصهيونية وكتب قصائد عن العودة إلى صهيون وصدر له ديوانان يدلّ عنوانهما على اتجاههما الصهيوني: مملكة الهيكل الثالث (1934) وأورشليم في النور والغسق (1935). ثم اسـتوطَن في فلسـطين عام 1940 حيث أُقيمـت عروض لإحـدى مسرحياته. لكن براندستايتر ترك فلسطين بعد الحرب العالمية الثانية، واستقر في روما حيث تزوج من امرأة مسيحية كاثوليكية وتكثلك هو نفسه، ثم عاد إلى بولنـدا عام 1948 حيث انضـم إلى مجمـوعة من الكتـاب الكاثوليك، وأصبحت أعماله الأدبية تدور حول موضوعات مشتقة من التاريخ البولندي مثل عودة الابن الضال (1948) ورواية يسوع الناصره: زمن الصمت (1967). ويثير براندستايتر مشكلة من هو الأديب اليهودي بحدة غير عادية، وذلك ربما بسبب تحوُّله الجذري. فبعد أن كان يهودياً صهيونياً يتغنى بصهيون ويستوطن في فلسطين، أصبح كاثوليكياً ينزح عن فلسطين ولا يدين بالولاء إلا لبولندا! ألبــرتو مورافيــا (1907-1990) Alberto Moravia روائي إيطالي وكاتب مقال وصحفي، وُلد في روما لأب يهودي وأم سلافية كاثوليكية قامت بتعميده وهو طفل (أي أنه مسيحي تماماً من منظور الشريعة اليهودية). وظل متباعداً تماماً طوال حياته سواء عن اليهودية أو المسيحية. بدأ حياته الأدبية في سن مبكرة حيث كَتَب أولى رواياته له في سن الثامنة عشرة وصدرت عام 1929 بعنوان اللامبالون. وفي هذه الرواية هاجم الطبقة الوسطى الإيطالية بشدة وانتقد أنانيتها وقبولها السلبي للحكم الفاشي في البلاد. وقد ظل عداؤه للبرجوازية، وتحليله النفسي القاسي لأبطاله وشخصياته الروائية، من السمات الأساسية في أغلب أعماله. وتبيَّن ذلك بشكل واضح لأول مرة في رواية عجلة الحظ (1938). عمل مورافيا في الثلاثينيات مراسلاً صحفياً واستمر في عمله هذا خلال الحرب العالمية الثانية في ألمانيا ثم في الشرق الأقصى. وقد أثارت مقالاته المعادية للفاشية خلافات عديدة مع نظام موسوليني، كما حاول الجستابو الألماني إلقاء القبض عليه عام 1943 وهو ما اضطره إلى الاختباء في إحدى القرى الإيطالية لمدة تسعة أشهر. أما بعد الحرب، فقد أصبح مورافيا واحداً من أبرز الكتاب الأوربيين، وتدفَّق إنتاجه الأدبي. ومن أشهر رواياته امرأة من روما التي كتبها عام 1947 وتناول فيها حياة امرأة دفعتها خيانة الرجال إلى حياة البغاء. وقد كان الجنس والبغاء من المواضيع المحورية في روايات مورافيا. وأثار ذلك انتقادات بعض النقاد الذين أخذوا عليه أيضاً عدم إقدامه على إدانة لا أخلاقية أبطاله. وقد رأي البعض الآخر أن تأكيد مورافيا على الجنس والبغاء ما هو إلا رمز للفساد الأوسع الذي أراد مورافيا انتقاده ومهاجمته، خصوصاً عبادة الطبقة الوسطى للمادة والمال. وقد تناول مورافيا أيضاً حياة الفقراء والمطحونين وذلك في رواية حكايات من روما. ومن أهم رواياته أيضاً امرأتان، وهي دراسة عميقة لشخصيتين مختلفتين يكشف من خلالهما التباين بين العقل والشهوة الحسية. وقد كان مورافيا قريباً للشيوعية، وانتُخب عام 1983 عضواً في البرلمان الأوربي كيساري مستقل، حيث دافع عن قضايا البيئة وعن حقوق الشعب الفلسطيني. وقد أكمل مورافيا سيرته الذاتية قبل وفاته بقليل، وكتب فيها أن الأدب يجب أن يعتبر نفسه قادراً على أن يحل محل كل شيء حتى الدين. ويظهر اسم مورافيا في بعض الدراسات والموسوعات اليهودية كمؤلف يهودي. وقد ينم هذا عن خلل في الأساس التصنيفي، فمورافيا وُلد لأم كاثوليكية عمَّدته وهو طفل، أي أنه ليس يهودياً من منظور الشريعة اليهودية، وهو كاثوليكي من منظور العقيدة الكاثوليكية. وقد ابتعد عن كل الأديان، كما أن أدبه لا يعبِّر إلا عن رؤية يسارية تنبع من التقاليد الثورية العلمانية الغربية. أبراهـام كلايـن (1909-1972) Abraham Klein شاعر ومؤلف كندي يهودي، وُلد في مونتريال لعائلة من المهاجرين الروس اليهود. اشتغل بالمحاماة ولكن اهتماماته اتجهت نحو الشعر ليصبح واحداً من أهم المساهمين في الحياة الأدبية في كندا. كان كلاين مطلعاً على الآداب المكتوبة بالإنجليزية والفرنسية والعبرية واليديشية، وظهرت أول أعماله الشعرية في مجموعة مختارة من الأشعار بعنوان مناطق جديدة (1936). وهذا الديوان يدل على ارتباطه الوثيق بالتيارات والاتجاهات الأدبية الكندية آنذاك. وقد عمل كلاين محاضراً زائراً في جامعة ماكجيل بين أعوام 1945 ـ 1948، كما قام بتحرير الجريدة الأسبوعية كنديان جويش كرونيكل في الفترة 1939 ـ 1953 والتي نَشَر فيها كثيراً من المقالات وعدداً من الأشعار التي قام بترجمتها إلى الإنجليزية من العبرية واليديشية. كما كان لكلاين نشاط سياسي، حيث رشَّح نفسه في الانتخابات البرلمانية عام 1949 عن أحد الأحزاب الاشتراكية الكندية. لجأ كلاين في كتابة أشعاره إلى استخدام كثير من شخصيات وقصص العهد القديم. كما تتخلل أشعاره عبارات اليديشية وكلمات العبرية، وتتناول بعضها قضايا تخص باليهود كما في ديوانه أليس لليهودي؟ (1940). أما في ديوانه الهستيريا (1944)، وهي مجموعة من الأشعار كُتبت أثناء فترة الإبادة النازية، فيتناول قضية الاندماج ومعاداة اليهود. كما يتناول في بعض أشعاره الأخرى المشروع الصهيوني في فلسطين، فيخاطب الشعراء اليهود قائلاً: « إن زمن البكاء على معاناة اليهود في «الشتات» قد ولَّى، وأصبح من الضروري الآن التركيز على قضية إعادة الميلاد القـومي اليهـودي في أرض الأجـداد ». أما روايته الوحيدة اللفائف الأخرى (1951)، فهي رواية رمزية تأخذ شخصية اليهودي التائه لتتناول من خلالها الأحداث الرئيسية فيما يُسمَّى «التاريخ اليهودي»، خصوصاً الإبادة النازية وإقامة دولة إسرائيل. وعنوان الرواية مأخوذ عن لفائف الشريعة أو أسفار موسى الخمسة، والرواية مُقسَّمة إلى خمسة أجزاء يحمل كلٌّ منها عنوان أحد الأسفار. لكن استخدام كلاين للكلمات العبرية أو اليديشية في أعماله، أو تناوله لقضايا تخص الجماعات اليهودية، لا يضفي صفة اليهودية على أعماله أو على شعره أو أدبه. كما أن هذه القضايا والموضوعات يمكن أن يتناولها شعراء أو أدباء من غير اليهود. وبالإضافة إلى ذلك، يتخلل جميع أعماله اهتمام عميق بقضايا المجتمع الكندي بثقافتيه الفرنسية والإنجليزية وبتعدُّد جماعات المهاجرين فيه وبمشاكله الاجتماعية والسياسية، وهو ما يتناوله بشكل خاص في ديوانه المعنون الكرسي الهزاز. بـرنــارد مالامــود (1914-1986) Bernard Malamud روائي أمريكي يهودي، وُلد في بروكلين في نيويورك، وتلقى تعليمه في نيويورك ونشر أربع روايات: الطبيعي (1952)، والمساعد (1957)، و البرميل السحري (1958)، و حياة جديدة (1961). ومن رواياته المقامر (1966)، والتي نال عنها الجائزة القومية (الأمريكية) للكُتَّاب وأخرج من قصتها فيلماً سينمائياً، وهي تتناول تهمة الدم التي وجهت ظلماً لمندل بيليس في روسيا. كما نشر مالامود رواية حياة دوبين (1979)، و رحمة الله (1982). وحقَّق مالامود ذيوعاً كبيراً في الستينيات، ولكن شهرته تراجعت بالتدريج. ورغم أن رواياته تتناول موضوعات يهودية، مثل حياة المهاجرين، ومأساة اليهودي باعتبارها مأساة الإنسان الحديث، والعلاقة بين اليهود وغير اليهود وبين اليهود والسود في المجتمع الأمريكي، إلا أنه رفض أن يُصنَّف ككاتب يهودي، وأصرَّ على أنه مجرد كاتب قصص. وسوف تظل « الحدوتة »، في رأيه، موجودة ما وُجد الإنسان. أما عبارته الشهيرة « كل البشر يهود » التي تُقتبَس لتُبيِّن توجهه اليهودي، فهي تتحمل تفسيراً مغايراً تماماً. وقد قال هو نفسه إنه يكتب لكل البشر وأن رواياته تتجاوز الحدود المباشرة للموضوع اليهودي. ومن ثم، فالعبارة تعني أن الموضوع اليهودي إن هو إلا المادة الخام التي يكتشف من خلالها الموضوعات الإنسانية العامة فيؤكد ما هو مشترك بين البشر، فمرجعيته النهائية هي الإنسانية المشتركة. وهو يفعل ذلك مستخدماً اللغة الإنجليزية واللهجة الأمريكية، مستفيداً من معرفته بإيقاع الحياة في مدينة نيويورك، ومتبعاً التقاليد الأدبية الغربية الأمريكية. ســول بيــلّو (1915- ) Saul Bellow روائي أمريكي يهودي حائز على جائزة نوبل وعلى جوائز أخرى مثل الجائزة القومية (الأمريكية) للكُتَّاب. وهو يُعَدُّ من أهم الروائيين الأمريكيين المحدَثين. وُلد بيلّو في مونتريال في كندا، ونُشِّئ تنشـئة دينية، كما تعلَّم اليديشية والفرنسية والعبرية. كانت أمه تودّ أن يصبح حاخاماً، ولكنه التحق بجامعة شيكاغو حيث درس الاجتماع وعلم الإنسان، وذلك قبل أن يقرر أن يصبح كاتباً. صدرت له رواية أوجي مارش (1953)، ثم نشر أمسك اليوم (1956)، وأبطال هاتين الروايتين شخصيات ضعيفة محببة للنفس، تدخل أحياناً في مغامرات برغبتها وأحياناً أخرى رغم أنفها، ولكنها عادةً تلقى الهزيمة. ثم نشر بيلّو رواية هندرسون ملك المطر (1959). ولكن أهم رواياته هي هرزوج (1964)، وهي قصة أستاذ جامعي يهودي يُصاب بالشلل الجسدي والعقلي ويقضي وقته في كتابة خطابات وهمية، وحينما ينجح في التحرر من حياته الوهمية يرفض كل الاتجاهات الفكرية (مثل الوجودية) باعتبارها تقاليع، ويبدأ حياة مستقرة من الناحية العاطفية والفكرية. وتتناول رواية كوكب ساملر (1970) حياة يهودي بولندي عاش خلال فترة الإبادة النازية. وقد نشر بيلّو روايتين أخريين: ديسمبر شهر العميد (1982)، و عدد أكبر يموت من تحطُّم القلب (1987). ويمكن هنا أن نثير قضية الهوية اليهودية عند بيلو، إذ أنه كاتب أمريكي لا يمكن فهمه إلا في إطار الثقافة الأدبية الأمريكية، ولذا، فإن رواياته، سواء أكانت مادتها الخام يهودية أم كانت غير ذلك، تنبع من رؤية أمريكية للواقع، وطريقة السرد فيها أمريكية والصوت الروائي أمريكي. ففي رواية هندرسون ملك المطر يقوم البطل، وهو أمريكي غير يهودي، برحلة إلى أفريقيا كي يفهم ذاته ويكتشفها ثم يعود إلى وطنه مسلحاً بالحكمة الجديدة، وهذا هو النمط المتكرر في كثير من الروايات الأمريكية (موبي ديك لملفيل، و مغامرات هكلبري فين لمارك توين). أما هرزوج الذي سُمِّيت الرواية باسمه فهو يهودي، ولكن الانتماء اليهودي أو غيابه أمر ثانوي. وقد هاجم بيلو المفهوم الصهيوني الذي يطالب بتصفية الدياسبورا (أي الجماعات اليهودية في العالم) والذي يذهب إلى أن وجود اليهود خارج فلسطين هو حالة مَرَضيّة، كما هاجم فكرة أن يهود أمريكا شخصيات ممزقة منقسمة على نفسها، وبأن اليهودي الحقيقي هو من يعيش في إسرائيل. ووصف بيلو نفسه بأنه أمريكي مخلص لتجربته وحضارته الأمريكية « يتحدث اللغة الإنجليزية الأمريكية، ويعيش في الولايات المتحدة، ولا يمكنه أن يرفض ستين عاماً من حياته هناك». ومن ثم، فهو يرى أن مصطلح «كاتب يهودي» مصطلح مبتذل من الناحية الفكرية، وهو مصطلح ضيق الأفق، بل ولا قيمة له إطلاقاً. ومع هذا، فقد كتب بيلّو، علاوة على رواياته وأقواله، كتاباً صهيونياً مغرَقاً في العنصرية عن رحلته إلى إسرائيل إلى القدس والعودة (1976). ولعل هذا الكتاب ذاته دليل على أن يهود الدياسبورا يروجون عن أنفسهم صورة تريحهم نفسياً هي أنهم صهاينة يؤيدون إسرائيل، بينما تؤكد حياتهم المتعينة غير ذلك. وحينما يكتب بيلو رواياته، فإنه يدع خياله الخلاَّق يَفصح عن رؤيته المركَّبة. أما في كتابه الدعائي المُشَار إليه، فهو يتبنَّى موقفاً أكثر عملية ودعائية. ولعل طموح بيلو للحصول على جائزة نوبل كان له أثره الكبير على الآراء السياسية التي أفصح عنها في كتابه. وقد حصل بيلّو بالفعل على الجائزة بعد صدور الكتاب. بريمو ليفـي (1919-1987) Primo Levi كاتب إيطالي وكيميائي، وُلد في تورين لعائلة إيطالية يهودية مندمجة في تورين حيث درس الكيمياء في جامعتها وتخرج عام 1941، واشتغل في ميلانو. ومع سيطرة الفاشيين على السلطة، انضم إلى المقاومة الإيطالية، ولكنه وقع في الأسر ورُحِّل إلى معسكر الاعتقال النازي في أوشفيتس. ونظراً لخبرته الكيميائية، اُختير ليفي للعمل في معمل لإنتاج المطاط الصناعي لصالح المجهود الحربي الألماني. ومع انتهاء الحرب، عاد إلى تورين بعد رحلة شاقة، ليشتغل في تخصصه، ولكنه اتجه في الوقت نفسه إلى الكتابة حيث أراد تسجيل تجربته في معسكر أوشفيتس باعتباره شاهداً على ما حدث هناك، وكذلك باعتبار أن عملية التسجيل وسيلة لتفريغ مشاعره. وقد كانت ثمرة مجهوده كتابه الأول لو كان هذا رجلاً (1945) والذي وصف فيه تجربة معسكر الاعتقال بأسلوب مشابه لأسلوب دانتي في الجحيم، وقد سعى فيه إلى تفسير عملية التجرد من الإنسانية التي جرت في أوشفيتس من جهة، وقدرة البشر من جهة أخرى على الحفاظ على إنسانيتهم بفضل العقلانية والوعي بالذات. وفي كتابه الثاني الهدنة (1965)، روى رحلة عودته عبر أوربا إلى تورين بعد الحرب. وفي عام 1975، كتب ليفي سيرته الذاتية تحت عنوان الجدول الدوري استخدم فيه أساس العناصر الكيميائية في الجدول الدوري ليرمز بذلك إلى الأحداث المختلفة التي جرت في حياته والشخصيات الكثيرة التي عرفها ومن بينها العَالم الألماني الذي عمل في معمله خلال فترة اعتقاله في أوشفيتس، والذي ظل على علاقة عمل به بعد الحرب. وتناول ليفي أحداث معسكرات الاعتقال النازية مرة أخرى في كتاب الغرقى والناجون (1986) والذي ضم مجموعة مقالات تناولت مواضيع مثل الشعور بالذنب لدى الناجين من المعسكرات وظاهرة المتعاونين مع الألمان. وفي عام 1982، أصدر ليفي رواية بعنوان إن لم يكن الآن فمتى؟ تناول فيها قصة يهودي روسي من أفراد المقاومة خلال الحرب وهو يشق طريقه عبر أوربا إلى إيطاليا بهدف الإبحار إلى فلسطين. وقد ابتعد ليفي عن اليهودية بشكل خاص وعن الدين بشكل عام وأصبح لا أدرياً، ولكنه كان من المؤمنين بقيمة الصدق كقيمة مطلقة ودعا إلى التمسك بها على المستوى الشخصي، ومن ثم قاوم إغراء الصلاة أمام احتمالات الموت أثناء وجوده في معسكر الاعتقال، باعتبار أن دوافع الصلاة في مثل هذه الظروف دوافع عملية، ولذا فهي لا تعبِّر عن التقوى، بل هي شكل من أشكال الهرطقة والتجديف. مات ليفي منتحراً عام 1987 حيث كان يعاني من حالة اكتئاب حاد أدَّى به على ما يبدو إلى الإقدام على الانتحار. ورؤية ليفي للعالم متشائمة عدمية، ويتجلَّى هذا في تناوله لموضوع الإبادة النازية ليهود أوربا، إذ يرى أن الضحايا قد تعاونوا تماماً مع من ذبحهم، ومن ثم فإن الإبادة كانت عملاً مشتركاً بينهما ولا يمكن تجريم النازيين وحدهم. وغني عن القول أن هذا الموقف قد أدَّى إلى هجوم الكثيرين عليه. أولجا كيرش (1924- ) Olga Kirsh شاعرة يهودية من جنوب أفريقيا تكتب بالأفريكانز، لغة المستوطنين الهولنديين المعروفين باسم «أفريكانر». والأفريكانز هي لغة متفرعة عن اللغة الهولندية. وُلدت كيرش في جنوب أفريقيا لأبوين يهوديين، وكانت الأم تتحدث الإنجليزية. أما الأب، فكان من أصل ليتواني، وكان يفهم الإنجليزية ويفضل الحديث باليديشية. درست كيرش الأفريكانز والهولندية في الجامعة. ورغم أنها كانت تجيد كلاًّ من الإنجليزية والأفريكانز إلا أنها لم تتمكن من التعبير عن تجربتها الشعرية إلا بالأفريكانز وحدها. وأول دواوين شـعرها هـو ضوء كشَّاف (1944)، ثم حوائط القلب (1948). وقد ذاعت شهرتها لأنها اليهودية الوحيدة التي تكتب بلغة الأفريكانز. وقد عبَّرت كيرش عن موقف المستوطنين الهولنديين من السود وعن إحساسهم بالضيق من النخبة الحاكمة الإنجليزية. هاجرت كيرش إلى إسرائيل عام 1948، ولكنها لم تتمكن من كتابة الشعر بالإنجليزية أو العبرية. ثم عادت ونشرت عام 1972 ديوان شعر ثالثاً بالأفريكانز بعنوان تسع عشرة قصيدة. وقد زارت جنوب أفريقيا عام 1974 للاشتراك في مهرجان لغة الأفريكانز، ومن وحى هذه الزيارة كتبت ديوانها الأخير الأرض الثرية والبيات الشتوي في بلاد غريبة. وتثير سيرتها الأدبية قضية الانتماء اليهودي، فهي أديبة لا تكتب إلا بالأفريكانز (لغة المستوطنين البيض من أصل هولندي في جنوب أفريقيا). وقد فشلت في الكتابة عن أي موضوع يهودي أو إسرائيلي أو صهيوني، فظلت منابع وحيها وكذلك الوعاء اللغوي الذي تصب فيه إبداعها لا يتغيَّر رغم انتقالها من موطنها الأصلي إلى إسرائيل وبقائها فيها معظم حياتها. بل إنها حينما استوطنت في إسرائيل دخلت في فترة من الصمت الطويل دامت زهاء ثلاثين عاماً انحسرت بعودتها لوطنها الحقيقي. ولذا، فإن تصنيفها باعتبارها يهودية لا يفيد كثيراً. إيلـي فايـزل (1928- ) Elie Wiesel روائي وصحفي فرنسي يهودي، وُلد في رومانيا في بيئة أرثوذكسية حسيدية، اعتقله النازيون حيث وُضع في معسكرات الاعتقال ولكنه لم يلق حتفه (على عكس بقية أعضاء أسرته). قضى بعض الوقت في باريس بعد الحرب العالمية الثانية، ثم انتقل إلى نيويورك وأصبح مواطناً أمريكياً عام 1963، ولم يهاجر إلى فلسطين. ولكنه، مع هذا، عمل مراسلاً لجريدة يديعوت أحرنوت عام 1949، وعمل أستاذاً للدراسات الإنسانية في جامعة بوسطن عام 1976. تتناول كُتبه تجربته في معسكرات الاعتقال النازية. وهو يُركِّز على تجربة اليهود وحدهم لا ضحايا الإبادة النازية الآخرين، وينظر إلى هذه التجربة من خلال التراث التلمودي والقبَّالي والحسيدي دون أبعاد إنسانية شاملة. ومن أهم رواياته وكتبه الليل (1961)، وبوابات الغابة (1964)، و أساطير زماننا (1968)، وكتاب يهود الصمت (1966) عن يهود الاتحاد السوفيتي، ورواية شحاذ القدس (1968) عن تجربة حرب الأيام الستة، حيث يبعث كل الشخصيات السابقة ورواياته وأساطيره ليقابلها أمام حائط المبكى. ومن أعماله الأخرى، الابن الخامس (1983). ومعظم أعماله كتبها بالفرنسية، ولكنه نشر أيضاً بعض الأعمال الأدبية بالإنجليزية، من بينها: أرواح مشتعلة (1973)، و القَسَم (1972)، ويهودي اليوم (1979). وينتمي فايزل إلى ما يُسمَّى «لاهوت موت الإله» وهو يَصدُر عن رؤية دينية ذات جذور تلمودية حسيدية قبَّالية يمكن وصفها بأنها حلولية متطرفة تُركِّز على ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي»، وأهم أحداث هذا التاريخ هو الإبادة النازية لليهود. والإبادة من منظور فايزل ليس لها مضمون إنساني عام، فهي ليست ظاهرة تاريخية اجتماعية (جريمة ارتكبتها الحضارة الغربية ككل ضد عدد من الأقليات والشعوب الغربية)، وإنما هي جريمة نازية وحسب (بل جريمة كل الأغيار) ضد اليهود وحدهم. بل إنها تجربة فريدة لا يدركها إلا من جرَّبها، ولذا فهي تستبعد الأغيار وتضع حاجزاً بين اليهود وغير اليهود. بل إن حادثة الإبادة حادثة ميتافيزيقية تستعصي على الفَهْم والتفسير، ولذا فيجب أن تُقبل كما هي. وإذا كان ثمة دلالة للإبادة، فهي إثبات أنه لا يمكن للإنسان أن يثق في الإله، وهو ما يعني أن الإله قد مات. فما العمل إزاء هذا الغياب وانعدام المركز واختفاء الثقة؟ ما العمل إزاء هذا العالم ما بعد الحداثي؟ ليس ثمة شيء سوى الشعب اليهودي، فهو المركز الوحيد الممكن. ولذا، فإننا نجد أن الموضوع الأساسي الكامن في كتابات فايزل هي التذكُّر، بل إن التذكُّر عنده يحل محل الصلوات. والتذكُّر هنا هو الالتفاف حول الذات اليهودية، وهو أمر لا معنى له، فهو مجرد إعادة شعائرية تشبه الاجترار والتكرار وتهدف إلى تأكيد بقاء الشعب اليهودي. وأكبر تعبير عن إرادة البقاء، حسب رأي فايزل، هو ظهور دولة إسرائيل، فهي المطلق السياسي الذي يُجسِّد إرادة الشعب اليهودي المطلق ويعبِّر عن سيادته التي حلت مشكلة اليهود التاريخية. فبدلاً من كونهم شعباً شاهداً، أصبحوا شعباً شهيداً، ومن الاستشهاد أصبحوا شعباً مشاركاً في صنع التاريخ، ومن ثم فإن الحفاظ على الدولة الصهيونية أمر غير خاضع للحوار أو النقاش، وأفعالها مهما كانت لا أخلاقية لا يمكن التساؤل بشأنها. ولذا، يرفض فايزل أن يدين الوسائل الإرهابية التي اتبعتها الحكومة الإسرائيلية لقمع الانتفاضة، بما في ذلك قتل الأطفال وكسر العظام. وروايات فايزل ليست ذات قيمة إنسانية كبيرة، كما أنها ليست على مستوى فني رفيع. ومع هذا، فقد مُنح جائزة نوبل عام 1986. هارولــد بنــتر (1930- ) Harold Pinter كاتب مسرحي بريطاني يهودي من أصل سفاردي برتغالي. وكان الاسم الأصلي لعائلته هو «دا بنتا»، فقام بتغييره ليصبح «بنتر». تلقَّى بنتر تعليمه في المدارس الإنجليزية. وحينما التحق بالأكاديمية الملكية للفنون المسرحية، وجد الطلبة فيها أكثر صقلاً وتركيباً منه، فادَّعى أنه مصاب بانهيار عصبي وترك الدراسة. ثم رفض بعد ذلك أداء الخدمة العسـكرية نظراً لاعتراضه على أساس الضمير، وعمل ممثلاً بعض الوقت. في الخمسينيات، ظهر أول عمل مسرحي له، وهو الحجرة (1957). ثم ظهر له الجرسـون الأخرس و حفلـة عـيد الميلاد. ولكن أول نجاح حقيقي له كان في مسرحية الوصي (1960) والتي تُعَدُّ من أهم مسرحياته، وهي ملهاة مأساوية تنتمي إلى ما يُسمَّى «مسرح العبث» تتناول ثلاث شخصيات: أولهما هو ميك الذي يمتلك بيتاً مهجوراً ويهديه لأخيه المتخلف عقلياً، آستون، ولكن هذا الأخير يضعه تحت تصرف شخص متشرد لا مأوى له، والموضوعات الأساسية غير واضحة في المسرحية، ولكن هناك محاولة من جانب ميك أن يستعيد علاقته مع أخيه المتخلف عقلياً. ولكن المتشرد الوصيّ يتحول من مجرد شخص شريد هامشي إلى شخص عدواني ومنافس حقيقي لميك، ولكن المسرحية تنتهي بطرده. وهذه المسرحية عمل نموذجي لبنتر، فشخصياته تفشل دائماً في التواصل، ورغم أن لغة الحوار في المسرحية متميِّزة، إلا أن الشخصيات لا تمتلك لغة خاصة للتعبير عن عواطفها، ولذا يصف النقاد بنتر بأنه « سيد الصمت البليغ على المسرح »، والصمت عنده هو دائماً رمز الفشل الإنساني في التعبير. كما أنه يستخدم الصمت أيضاً ليوحي بما لا يمكن توصيله بالكلمات (ولذا، فإن مسرحياته تُسمَّى أيضاً «كوميديات الخطر»). وشخصيات بنتر غير قادرة على فهم نفسها أو على شرح مواقفها ولكنهم جميعاً يتميَّزون بإحساس هائل بالمكان أو المنطقة التي ينتمون إليها (المنزل في مسرحية الوصيّ). ولذا، فإن الصراع يدور دائماً بين الرجل الذي يجلس في الحجرة ويمتلكها والشخص الذي يقيم فيها. ومن أهم الموضوعات الأخرى التي تتناولها مسرحيات بنتر العلاقات الزوجية، فمسرحية المحب (1963) تتناول علاقة زوجية لا يستطيع الزوجان أن يستمرا فيها إلا بالتظاهر بأن علاقتهما مُحرَّمة وغير شرعية! أما مسرحية العودة (1964)، فتدور حول مثقف بريطاني يعود من الولايات المتحدة ومعه زوجته الأمريكية التي تواجه أسرته التي تنتمي للطبقة العاملة. كتب بنتر عدة مسرحيات للإذاعة، وحوَّل بعض مسرحياته إلى أفلام. ومن أهم مسرحياته الأخرى: المجموعة (1961)، وحفلة شاي (1964)، و خيانة (1978)، و الأيام الخوالي (1979)، و أصوات عائلية (1981). ويعترف بنتر بأن أهم المؤثرين فيه هم فرانز كافكا وصمويل بيكت وأفلام العصابات الأمريكية التي تركت أعمق الأثر فيه. ويرد اسم بنتر في بعض الموسوعات اليهودية، بينما يُسقَط من بعضها الآخر. وهنا لابد من الإشارة إلى أن الدراسات الأدبية العامة في أدبه تذكر أصله اليهودي بشكل عابر، أو لا تذكره على الإطلاق، وهـذا يعـود إلى أنه لا يوجـد أثر عميـق لانتمائه اليهودي في أعماله الأدبية. وقد ذهب دليـل بلاكويل للثقافة اليهودية إلى أن "خلفية بنتر اليهودية تم التعبير عنها من خلال قنوات عالمية إنسانية". وهذه عبارة ليس لها مدلول واضح، فهي تؤكد أن خلفية بنتر يهودية، وهو أمر لا خلاف عليه، ولكنها تشير إلى أن هذه الخلفية اليهودية لم تترك أي أثر في أدبه، إذ أنه تم التعبير عن هذه الخلفية من خلال قنوات (أي أشكال) عالمية، أي أن مرجعيته النهائية هي إنسانيتنا المشتركة كما هو الحال مع كل الأعمال الأدبية العظيمة، وهي إنسانية مشتركة لم يتم التعبير عنها من خلال قنوات يهودية، على عكس دانتي الذي عبَّر عن إنسانيتنا المشتركة من خلال قنوات كاثوليكية، وعلى عكس ملتون الذي عبَّر عنها من خلال قنوات بروتستانتية، فأين تكمن هوية بنتر اليهودية؟ أرنولــد ويســكر (1932- ) Arnold Wesker كاتب مسرحي بريطاني يهودي، وُلد في لندن لعائلة من المهاجرين اليهـود من شـرق أوربا. ترك المدرسـة مبكِّراً، وتنقَّل بين عـدد من الأعمال، كما خدم في القوات الجوية الملكية لمدة سنتين، واستخدم جميع هذه الخبرات المتنوعة كمادة في مسرحياته الأولى التي كانت أقرب إلى السيرة الذاتية. وتدور أغلب مسرحيات ويسكر حول المشاكل والقضايا الاجتماعية، كما تعكس توجُّهه الاشتراكي وإيمانه بالمذهب الطبيعي. ويوجِّه ويسكر من خلال هذه المسرحيات النقد اللاذع لقيم المجتمعات الصناعية الحديثة وماديتها، كما يتناول مسألة الفجوة بين القيم والإنجازات المادية. ويقتصر البُعْد اليهودي في مسرحياته على استخدامه الشخصيات اليهودية في كثير من أعماله، وهي شخصيات عرفها في الحي الشرقي في لندن ذي الأغلبية اليهودية من المهاجرين، وقد تناول حياتهم ومشاكلهم وصراعاتهم الخاصة كتعبير أو رمز لصراعات وقضايا إنسانية أوسع وأشمل لا تقتصر فقط على حياة الجماعات اليهودية. صـدرت أول الأعـمال المسـرحية لويسـكر عام 1959 بعنوان المطبخ، واستمد عنوانها ومضمونها من عمله كطاه لفترة من حياته، وهو يرمز، من خلال تناوله الحياة داخل المطبخ في أحد المطاعم، إلى الصراع والتنافس الذي تتسم به الحياة في المجتمعات الصناعية التي هي أقرب إلى العبودية. حقَّق ويسكر شهرته من خلال ثلاثيته التي تضم مسرحيات حساء الفراخ بالشعير (1958)، و الجذور (1959)، و إني أتحدث عن القدس (1960). وتحاول المسرحيات الثلاث تسليط الضوء على أعراض المجتمع المريض، فالمسرحية الأولى تستعرض قصة أسرة يهودية من الطبقة العاملة في الحي الشرقي في لندن خلال الثلاثينيات والأربعينيات، حيث يتناول المؤلف من خلالها قضية المواجهة بين المُثُل الاشتراكية والاتجاهات الفاشية في بريطانيا في تلك الفترة، ثم تآكل هذه المُثُل على ضوء تجارب الواقع، ومن أهمها الستالينية في الاتحاد السوفيتي ودولة الرفاه في بريطانيا. كما يتناول مسألة تفكُّك مجتمع المهاجرين اليهود في الحي الشرقي في لندن وشعورهم بالغربة تجاه قيم المجتمع الصناعي الحديث. وتتناول المسرحية الثانية أيضاً قضية الغربة وانحطاط القيم. أما المسرحية الثالثة، فتدور حول محاولة اثنين من الشخصيات اليهودية في مسرحيته الأولى إقامة مجتمع مثالي في الريف وصعوبة أو استحالة ذلك في ظل مجتمع تسود فيه قيم تعارض مثل هذه الممارسات الفردية. ومن مسرحياته الأخرى، تشيبس مع كل شيء (1962) التي استمد مادتها من تجربته في القوات الجوية الملكية، ولهذا فهي تدور داخل العالم العسكري، وتتميَّز شخصياتها إما بالاستبداد والانحطاط، أو بالخضوع التام والانصياع. وفي مسرحية الفصول الأربعة (1965)، يترك ويسكر الإطار الاجتماعي العام ليتناول قضية الألم والمعاناة الشخصية التي بدأت تثير اهتمامه منذ أواسط الستينيات. وفي مسرحية المسنين (1972)، يتناول ويسكر من خلال شخصيات يهودية مسألة الحياة والبقاء عند كبار السن. أما في مسرحية مأدبة الزوج (1974)، فإنه يتناول قصة رجل أعمال يهودي، ويعود إلى قضية اصطدام القيم المثالية بحقائق الواقع القاسي. ويتناول نفس هذا الموضوع ولكن بشكل أكثر شمولاً في مسرحية التاجر (1977) التي تعتبر تناولاً جديداً لمسرحية تاجر البندقية لشكسبير. وبالإضافة إلى المسـرحيات، كتب ويسـكر القصـة القصيرة أيضاً. وتضم آخر أعماله مجموعة مختارة من المقالات (1985) التي يتناول في كثير منها مسألة يهوديته. وقد قام ويسكر خلال الستينيات بتأسيس وإدارة «المركز 42»، وهو مشروع ثقافي تم تحت رعاية اتحاد النقابات العمالية في بريطانيا بغرض توسيع رقعة الاهتمام الجماهيري بالفنون. جيرزي كوزينسكي (1933-1991) Jerzy Kosinski كاتب أمريكي يهودي، وُلد في مدينة لودز في بولندا، وكان والده أستاذاً مرموقاً في جامعة لودز. تعرَّض كوزينسكي، خلال الاحتلال النازي لبولندا، لتجارب مريرة وقاسية، وعاش متشرداً في الريف البولندي، وفَقَد القدرة على النطق لمدة 6 سنوات. وقد تركت تجاربه المؤلمة خلال فترة الحرب آثارها العميقة في نفسيته وشخصيته، انعكست في كتاباته التي غلب عليها الطابع المظلم والسوداوي. وتعبِّر روايته العصفور الملون عن جزء كبير من هذه التجارب. عاش كوزينسكي في بولندا حتى عام 1957 حيث هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية. ونال درجة الماجستير في العلوم السياسية من جامعة لودز عام 1953، ثم الماجستير في التاريخ عام 1955 من الجامعة نفسها، وعمل أستاذاً في معهد العلوم الاجتماعية والتاريخ الثقافي. وبعد هجرته إلى الولايات المتحدة، التحق بالدراسات العليا في جامعة كولومبيا في الفترة بين عامي 1958 و1965. وعمل محاضراً وأستاذاً زائراً وزميلاً لعدة جامعات ولعدد من مراكز الدراسات الأمريكية المرموقة. ولكوزينسكي مؤلفات عديدة من أهمها إستبس، أي خطوات، التي نال عنها الجائزة القومية (الأمريكية) للكتاب عام 1969، ومن أشهر أعماله أيضاً أن تكون هناك Being There (1971) الذي تحوَّل إلى فيلم سينمائي كتب له كوزينسكي السيناريو ونال عنه عدة جوائز. زار كوزينسكي بولندا عام 1988 لأول مرة منذ 31 عاماً، وأكد خلال زيارته على العلاقات التاريخية بين البولنديين واليهود، وأدان جميع أشكال التحيُّز سواء ضد البولنديين أو ضد اليهود. كما أن كوزينسكي، الذي يترأس الصندوق الأمريكي للبحوث البولندية ـ اليهودية، نجح خلال زيارته هذه في عقد اتفاق لإقامة مؤسسة للتراث البولندي ـ اليهودي في كازيميز، وهو الحي اليهودي القديم في كراكوف. وفي العام نفسه، كان كوزينسكي قد حوَّل شقته الصغيرة في نيويورك إلى مقر مؤسسة «برزنس»، وهي مؤسسة تعمل للحفاظ على ما يُسمَّى «التراث اليهودي». زار كوزينسكي إسرائيل في عام 1988 أيضاً، وأثار الدهشة والاستياء عندما دافع عن معاملة البولنديين لليهود خلال الحرب العالمية الثانية، وهاجم فيلم «شواه» الذي يتناول أحداث الإبادة النازية (الهولوكوست)، حيث اعتبره فيلماً متحيِّزاً وغير عادل على الإطلاق. كما أعرب عن رفضه أن يظل يُعرَّف مدى الحياة باعتباره أحد الناجين من الإبادة النازية. وقد تعرَّض كوزينسكي في أوائل الثمانينيات إلى بعض الاتهامات التي ألقت بظلالها على سمعته الأدبية، حيث ادعت مجلة فيليج فويس Village Voice على صفحاتها أن مساعدي كوزينسكي كتبوا أجزاء من كتبه، وأن أعماله الأولى المعادية للشيوعية كانت مموَّلة من المخابرات المركزية الأمريكية، وأنه اختلق بعض تفاصيل أحداث حياته. وقد تركت هذه الاتهامات آثارها في كوزينسكي، كما أصابه الاكتئاب بعد الاستقبال الفاتر الذي قوبل به كتابه الأخير ناسك شارع 69 (1988) الذي كان بمثابة سيرة ذاتية في قالب روائي خيالي. وكان كوزينسكي يعاني كذلك من تدهوُّر صحته، الأمر الذي كان يعوقه عن العمل. ولعل كل هذه الأسباب مجتمعة هي التي أدَّت إلى انتحاره باستخدام أحد الأساليب التي أوصت بها جمعية هيملوك (السم)، وهي إحدى الجمعيات التي تدعو إلى القتل الرحيم لمن يشكو مرضاً عُضَالاً، وهو نفسه الأسلوب الذي استخدمه عالم النفس الشهير برونو بتلهايم للانتحار قبل كوزينسكي بعام واحد. فيليـب روث (1933- ) Philip Roth أهم روائي أمريكي يهودي، وُلد ونشأ في مدينة نيو آرك التابعة لولاية نيوجرسي لأسرة أمريكية يهودية بورجوازية مندمجة. وتدور قصصه حول الصراع الحاد الذي يدور داخل الأمريكيين اليهود بين ميراثهم اليهودي (اليديشي) من جهة، وجاذبية الحضارة الأمريكية (المسيحية) والعلمانية التي يعيشون فيها من جهة أخرى. أثارت أعمال روث جدلاً كبيراً، ولعل هذا يعود إلى صراحته غير العادية وإلى أن شخصياته اليهودية شخصيات كوميدية مريضة تكشف عن نفسها من خلال علاقات جنسية شرعية وغير شرعية، صحيحة ومرضية. وقد وصفه البعض بأنه يهودي كاره لنفسه وليهوديته. ومن أهم قصصه المدافع عن العقيدة، و تحوُّل اليهود عن عقيدتهم (1962)، ودرس التشريح (1983) حيث يحاول روث أن يتكشف التناقض الكامن في بعض التعريفات الأمريكية للهوية اليهودية، ويُبيِّن التضمينات الكوميدية الكامنة في مفاهيم مثل الشعب المختار والشعب المقدَّس، كما يكشف التناقض الكامن في الانشغال الزائد لدى اليهود بما حاق بهم من عذاب في الماضي وحساسيتهم الزائدة، بينما يعيشـون الآن في مجتمع علماني لا يكـترث بهـم ولا يُكن لهـم حباً ولا كُرهاً. ويتناول روث عادةً علاقات الأبناء بآبائهم، خصوصاً الأمهات، فموضوع الأم اليهودية شديدة الطموح والتسلط موضوع أساسي في رواياته. كما أن اهتمامه ينصرف كذلك إلى علاقة الرجال بالمرأة. إن الأنثى، خصوصاً اليهودية، متسلطة، زوجة كانت أم عشيقة، مخططاتها مختلفة عن مخططات الذكر. وهو يطلق على مثل هذه الأنثى «الأميرة الأمريكية اليهودية»، وقد أصبح هذا المصطلح شائعاً في الخطاب الأمريكي ويحمل معنى قدحياً. وفي مقابل ذلك، تشير روايات روث إلى الشيكسا، أي الأنثى غير اليهودية، التي تشكل جاذبية خاصة لليهودي. وأهم الروايات التي تتناول هذا الموضوع هي شكوى بورتنوي (1969) التي تأخذ شكل اعتراف رجل يهودي يبلغ من العمر 33 عاماً لمحلله النفسي. وتُعَدُّ رواية شكوى بورتنوي ذات أهمية خاصة من منظور هذه الموسوعة، إذ أن بطلها ينتقل بين الولايات المتحدة (الدياسبورا) وإسرائيل. وفي الولايات المتحدة، يكتشف أن هويته اليهودية إنما هي مصدر آلام له وليس لها قوام أو مضمون واضح، وتدفع به إلى ما يسميه روث المستنقع الأوديبي: أي الاهتمام المرضي بعلاقة الابن اليهودي بأمه اليهودية، وإحساسه العميق بالذنب حينما تتجه عواطفه نحو الشيكسا من بنات الواسب (Wasp)، أي الفتاة البيضاء (عادةً شقراء) من أصل أنجلو ساكسوني بروتستانتي. ولا يختلف الأمر كثيراً عندما يذهب البطل إلى إسرائيل، فإنه لا يعجبه ما يرى، إذ لا يجد ذاته الأمريكية اليهودية المركَّبة هناك. ولذا، فهو حينما يقابل فتاتين إسرائيليتين في أرض الميعاد، تنتهي العلاقة نهاية مأساوية ملهاوية، إذ تسأله الأولى، وهي ملازم في الجيش الإسرائيلي، إن كان يفضل الجرارات أو البلدوزرات أو الدبابات. أما الثانية (ناعومي)، فهي إسرائيلية حقة، وُلدت في إحدى المستعمرات بالقرب من الحدود اللبنانية، وأتمت خدمتها في الجيش الإسرائيلي، ثم استقرت في إحدى المستعمرات الواقعة على الحدود السورية، وهي لا تكف عن الثرثرة عن الاشتراكية وعن الفساد الذي يسود المجتمع الأمريكي. وقد لقنته هذه الفتاة المحاربة درساً في التاريخ اليهودي من وجهة نظر صهيونية، فأخذت تتحسر على تلك القرون الطويلة التي عاشها اليهود بلا ديار ولا مأوى، والتي أفرزت أمثاله من الرجال "الخائفين المخنثين الذين لا يعرفون قدر أنفسهم، والذين أفسدتهم الحياة في عالم الأغيار". بل إنها تلومه على ما حدث لليهود في ألمانيا النازية "فيهود الشتات، بسلبيتهم، هم الذين ساروا بالملايين إلى غرف الغاز دون أن يرفعوا يداً ضد مضطهديهم... الشتات! إن الكلمة ذاتها تثير حنقي". ولا غرو أن بورتنوي لم يُوفَّق بعد هذا في العثور على فتاة أحلامه في إسرائيل. وتعكس روايات روث واقع يهود الولايات المتحدة الأمريكية الذين يتمتعون بمعدلات عالية من الاندماج (أو يعانون منها حسب الرؤية الصهيونية). ولذا، فإن رؤيتهم للواقع، وأحلامهم، وطموحاتهم، لا تختلف كثيراً عن رؤية وأحلام وطموحات أعضاء الأغلبية، فحلمهم هو الحلم الأمريكي. وهذا أمر مُتوقَّع من أبناء مهاجري اليديشية الذين تركوا أوطانهم واستقروا في أمريكا ليحققوا الحراك الاجتماعي، وإذا وجد الشاب اليهودي أن الشيكسا ذات جاذبية خاصة فهذا أمر منطقي لأقصى حد. وفي رواياته الأخيرة، بدأ روث يتجه نحو داخله باعتبار أنه فنان يهتم بعملية الإبداع بشكل خاص، وذلك في روايات مثل حياتي كرجل (1974)، والكاتب الشبح (أي الذي يصوغ كتابة ما يكتبه الآخرون صياغة أدبية) عام 1979، و زوكرمان طليقاً (عام 1981)، وتدور روايتا الكاتب الشبح، و زوكرمان طليقاً حول حياة الروائي زوكرمان الذي تشبه حياته حياة روث نفسه، وهي حياة مليئة بالمتناقضات. إنه متعطش للنجاح ولكنه لا يود أن يطارده المعجبون، ويتصرف كابن بار بأسرته ثم لا يُطيع أوامر أبيه، وينشر رواية تدور أحداثها عن أسرته ثم يتبيَّن مساوئها، ويتوق للإثارة والهدوء، ويتزوج من نساء مثقفات متزنات ثم يرفضهن لأنهن مثقفات متزنات، ويقوم بعمليات مطاردة جنسية للنساء ثم يرفض أي نقد موجه لهذه المطاردات، ويكتب روايات فاضحة عن اليهود ولكنه لا يفهم لماذا تستجيب المؤسسة اليهودية لرواياته استجابة سلبية. وقد صدرت لروث روايات أخرى، مثل: حينما كانت خيِّرة (1967)، و عصابتنا (1971)، و الرواية الأمريكية العظمى (1973)، و قراءة نفسي والآخرين (1975)، و أستاذ الرغبة (1977). ومن آخر رواياته رواية الحياة المضادة (1986) حيث يستكشف معنى حياة اليهود في إسرائيل وخارجها و عملية شيلوك (1992). تدور الرواية الأخيرة حول الكاتب نفسه (فيليب روث) الذي يذهب إلى إسرائيل لإجراء مقابلة مع كاتب إسرائيلي معروف، وهناك يجد نظيراً له يحمل الملامح نفسها والاسم نفسه ويزعم أنه هو نفسه فيليب روث. يدعو فيليب روث الثاني هذا إلى ما يسميه «نظرية النية» ومفادها أن الأجدى لليهود الهجرة من إسرائيل إلى أوربا لأن واقعهم الثقافي الحقيقي كان دائماً هناك ولأن إسرائيل ستكون الموقع الجديد لإبادة اليهود في حرب نووية مع العرب، كما يصبح المؤلف/البطل محور العديد من الأحداث التي تدور في إسرائيل في زمن الانتفاضة. ومن أطرف المواقف في الرواية أن فيليب روث الحقيقي توقفه دورية إسرائيلية ليلاً وتشتبه في أنه عربي فيمر بلحظات رعب قبل أن ينجح في إثبات هويته. وتؤكد الرواية «أن على اليهود واجباً أخلاقياً لا مفر منه، هو تعويض الفلسطينيين عما اقترفه اليهــود ضدهم من طرد وتعذيب وقتـل ». ثم يؤكـد بطـل الروايـة « بغض النظر عن كل شيء: الفلسطينيون كشعب، أبرياء بالكامل، واليهود كشعب، مُعذَّبون بالكامل». سينثيا أوزويك (1928 ـ ) Cynthia Ozick روائية أمريكية يهودية وكاتبة قصة قصيرة، وُلدت ونشأت في نيويورك حيث تلقت تعليمها. قرأت أعمال ليو بايك، ومارتن بوبر، وفرانز روزنزفايج، وهرمان كوهين. وأولى رواياتها ثقة (1966) وتدور أساساً حول الصراع الناشئ بين الوثنية والدين، أو بين الطبيعي المادي والمقدَّس الروحي، وهي هنا ترى أن اليهودية وحدها هي التي تُجسِّد النزعات الدينية والروحية. وقد تناولت الموضوع نفسه في مجموعة قصصها القصيرة الحاخام الوثني وقصص أخرى (1971). ففي إحدى القصص يظهر الحاخام كورن فيلد، أي حقل القمح، الذي تنجذب روحه إلى الطبيعة، وتبتعد عن طريق الروح والدين حتى ينتهي به الأمر إلى عبادة إله الطبيعة فيشنق نفسه على شجرة. ويتواتر الموضوع نفسه في كتابها الثاني إراقة الدم وثلاث روايات قصيرة (1976)، وأخيراً في التنين: خمس روايات (1982)، حيث نجـد أن الشـخصيات المسيحية تختار الطبيعة، أما الشخصيات اليهودية فتتجاوز عالم المادة والطبيعة، الأمر الذي يعني أن الوثنيين (المسيحيين) سيظلون دائماً ملتصقين بالمادة، أما اليهود فهم وحدهم القادرون على التسامي والتجاوز. ويُلاحَظ أن الشخصيات المتهودة تظل ذات طابع وثني طبيعي رغم تبنيها اليهودية ديناً. ذلك أن التهود، كما يبدو، لا يكفي لتغيير طبيعتهم الوثنية المسيحية. ومثل هذه الرؤية تُبيِّن أثر الفكر القبَّالي الوسيط والعرْقي الحديث على أوزيك. وقد كتبت أوزيك مجموعة مقالات ضمتها في كتاب الفن والحماس (1983) حيث تتناول الموضوع السابق نفسه، كما حاولت أن تتناول موضوع المرأة. أما آخر كتبها ماشيَّح ستوكهولم (1987)، فيتناول موضوع النزعة المشيحانية. |
|
#127
|
|||
|
|||
|
الباب الثامن: الآداب المكتوبة بالعبرية
أدب عـبري وأدب مكتوب بالعبرية Hebrew Literature and Literature Written in Hebrew تُستخدَم أحياناً عبارة «الأدب العبري» للإشارة إلى الأعمال الأدبية المكتوبة بالعبرية. وهو اصطلاح عام مقدرته التفسيرية والتصنيفية ضعيفة للغاية، فهو يشير إلى الانتماء اللغوي للعمل الأدبي وحسب ولا يغطي الانتماء الحضاري أو القومي. فتشرنحوفسكي ويهودا اللاوي كلاهما كتب بالعبرية، غير أن الأول ينتمي إلى التقاليد الأدبية الروسية الرومانتيكية، بينما ينتـمي الثاني إلى التراث الأدبـي العـربي في الأندلس، أي أن القاسم المشترك بينهما ليس سوى اللغة وحسب. بل إن العبرية التي استخدمها كلٌّ منهما متأثرة بالمحيط الحضاري، ومن ثم فإن أياً منهما لم يكتب «أدباً عبرياً» وإنما عبَّر عن نفسه ورؤيته من خلال «أدب مكتوب بالعبرية». وحيث إن هذه الآداب تتنوع بتنوع التقاليد الحضارية والأدبية واللغوية فنحن نتحدث عن «الآداب المكتوبة بالعبرية». أما «الأدب الإسـرائيلي» فهو الأدب المكتـوب بالعـبرية في إسرائيل بعد عام 1960، ونشير له أحياناً بأنه «الأدب العبري الحديث». وقد اعتبرنا أن عام 1960 نقطة فاصلة ظهر بعدها الأدب العبري في إسرائيل (فكل من مات بعد هذا التاريخ من أدباء العبرية صُنِّف على أنه «أديب إسرائيلي»)، وهو اختيار فيه شيء من التعسف كما هو الحال في مثل هذه الأحوال. ومع هذا، يمكننا القول بأن الآداب المكتوبة بالعبرية، والتي كُتبت قبل ذلك التاريخ لم تكن متأثرة بالتقاليد الأدبية المختلفة التي وجد فيها الأدباء وحسب، وإنما هي صادرة عنها. ولا يمكن إطلاق مصطلح «أدب إسرائيلي» على تشرنحوفسكي لمجرد أنه هاجر إلى فلسطين، فالإنسان لا يغيِّر وعيه أو وجدانه أو طريقة إبداعه بمجرد انتقاله من مكان إلى آخر، خصوصاً إذا كانت قد تقدمت به السن وتشكلت رؤيته وتحددت أدواته الأدبية. أما في الستينيات، فرغم أن الأدب العبري كان لا يزال متأثراً بالتقاليد الأدبية الغربية (الحداثة وما بعد الحداثة)، والتي يُقال لها «عالمية»)، فإنه كان لا يختلف في ذلك كثيراً عن كثير من الآداب القومية التي تحاول الوصول إلى ما يُسمَّى «العالمية»، كما أنه بدأت تظهر له شخصية مستقلة، وأصبح يعبِّر عن آمال وآلام جيل الصابرا وتجربتهم التاريخية مع الاستيطان. وهو كذلك يعالج مشاكل الاستيطان الإسرائيلي بواقعه ومكوناته التي تشتمل أيضاً على ما هو غير يهودي وغير صهيوني. ومع هذا، يمكن القول بأن عبارة «الأدب المكتوب بالعبرية» غير مرادفة تماماً لعبارة «الأدب لإسرائيلي» إذ ليس كل الأدب الإسرائيلي مكتوباً بالعبرية، فلا نعدم أن نجد من يكتب بغير العبرية مثل الكاتبة يئيل ديان التي تكتب بالإنجليزية (ولكنها تمثل الاستثناء وليس القاعدة )، وهناك أدباء عرب يكتبون بالعبرية مثل أنطون شماس صاحب رواية أرابيسك (1986) التي كتبها بعبرية أدهشت النقاد الإسرائيليين. وكان شماس قد كتب ونشر قصائد بالعربية والعبرية في السبعينيات، وفي الفترة نفسها تقريباً بدأت سهام داود، وهي كاتبة وصحفية عربية من حيفا، تكتب الشعر بالعبرية أيضاً. وفي عام 1992 كتب الشاعر الفلسطيني توفيق زياد،عضو الكنيست الإسرائيلي، قصيدة هجا بها ليون زئيفي، أحد ممثلي أقصى اليمين الصهيوني في الحكومة الإسرائيلية. وكانت القصيدة على وزن المقامة، وهي لون شعري عبري كان يُقال على غرار المقامة العربية. ويعكف الشاعر الفلسطيني العربي نعيم عرايدي على كتابة رواية بالعبرية، وهو الذي عُرف بوصفه شاعراً وكاتباً عربياً في إسرائيل. وهناك محاولات ترمي إلى إدخال هذه الكتابات العربية التي كتبها فلسطينيون عرب من مواطني إسرائيل في تصنيف «الأدب الإسرائيلي»، وهو أمر يصعب قبوله. وربما قد يكون من الأفضل الإشارة لكتابة هؤلاء باعتبارها «أدب عربي مكتوب بالعبرية». الأدب الإسـرائيلي Isreali Literature «الأدب الإسرائيلي» عبارة تُستخدَم للإشارة إلى «الأدب المكتوب بالعبرية في فلسطين المحتلة منذ عام 1960» وهي عبارة مرادفة تقريباً لعبارة «الأدب العبري الحديث». الآداب المكتــوبة بالعــبرية حـتى العـصر الحـديث Literature Written in Hebrew up to the Present تُعتبَر أسفار موسى الخمسة أقدم النماذج الأدبية العبرية التي يدل أسلوبها وبناؤها على تأثرها بالتشكيلات الحضارية المجاورة: البابلية والكنعانية والمصرية... إلخ، وجاء بعدها من الناحية التاريخية كتب الحكمة مثل سفر الأمثال وأيوب وسفر الجامعة، والأشعار الدينية مثل المزامير والمراثي،وأشعار الحب والغزل مثل نشيد الأنشاد.ويرى بعض نقاد العهد القديم أن كتب الأنبياء ذاتها، رغم توجُّهها الديني والسياسي الواضح،أعمال أدبية يتسم أسلوبها بالجمال. أما الكتب الدينية التي ظهرت بعد ذلك فمعظمها مكتوب بالعبرية المشوبة بالآرامية، وما كُتب منها بالعبرية ليس ذا قيمة أدبية كبيرة. ويمكن الإشارة إلى بعض الكتب الخفية (أبوكريفا) والفتاوى الدينية وقصائد البيوط، وبعض الكتب الدينية مثل الشولحان عاروخ وكتب القبَّالاه، باعتبارها أعمالاً دينية لا تخلو من القيمة الأدبية، خصوصاً كتب القبَّالاه التي طوَّر كُتَّابها نسقاً رمزياً مركباً يدل على خيال خصب. ولكن الكتابات السابقة تظل نصوصاً غير أدبية تُوظِّف القيم الجمالية والأدبية من أجل هدف غير أدبي: ديني أو فلسفي أو تأمُّلي. غير أنه ظهر أدب مكتوب بالعبرية بين يهود العالم العربي والعالم الإسلامي، وكانت أهم مراكزه في الأندلس. ولما كان الشعر الغنائي هو أهم الأغراض الأدبية عند العرب، فقد انعكس هذا على الجماعة اليهودية. فظهر شعر غنائي عبري متأثر في أخيلته وعروضه بالشعر العربي.ووصل هذا الشعر إلى ذروته في الفترة بين القرنين الحادي عشر والثاني عشر.ومن أهم شعراء العبرية في الحضارة الإسلامية،سليمان بن جبيرول ويهودا اللاوي (هاليفي) وموسى بن عزرا المعروف عند العرب باسم «أبو أيوب سليمان بن يحيى بن جبيرول».ومما يجدر ذكره أن أغراض الشعر المكتوب بالعبرية داخل الحضارة العربية لم تكن دينية وإنما كانت دينية ودنيوية، فكانت تضم غزليات وخمريات وفخراً ووصفاً للطبيعة. وقد ظهرت أنواع أدبية أخرى بين يهود الحضارة العربية الإسلامية مثل المقامات والمقالات، ولكن الشعر الغنائي يظل النوع الأدبي الأساسي. وقد ظهر في إيطاليا شعر غنائي مكتوب بالعبرية إبان عصر النهضة. وكان عمانوئيل بن سولومون (عمانوئيل الرومي) هو أهم شاعر غنائي، فكتب سوناتات وقصائد هجائية، كما أن قصيدته «جهنم والجنة» متأثرة بقصيدة دانتي الكوميديا الإلهية. سـليمان بــن جــبيرول (1021-1056) Solomon Ibn Gabirol شاعر وفيلسوف عربي يهودي كتب بعض الأعمال بالعبرية. عاش في إسبانيا الإسلامية (الأندلس)، وعُرف عند العرب باسم أبي أيوب سليمان بن يحيي بن جبيرول. وُلد في ملقا، وكان قبيحاً معتل الجسم. نزح إلى سرقسطة حيث تعرَّف إلى رئيس الجماعة اليهودية في المدينة الذي قُتل عام 1039. ثم اتجه ابن جبيرول إلى غرناطة ملتجئاً إلى ابن نغريلة وانضم إلى حاشيته. ويُقال إنه مات في ظروف مشابهة لموت يهودا اللاوي. وربما يدل هذا على الجانب الأسطوري في القصة التي تذهب إلى أن عربياً قد قتله. نَظَم عدة قصائد عبرية على نظام الموشحات، كما نظم قصيدة تتناول النحو العبري على غرار ألفية بن مالك، وكتب المدائح في أولياء نعمته. وتعالج قصائده الدنيوية موضوعات مثل الحب والخمريات ووصف الطبيعة والشكوى من الزمان والعالم. أما قصائده الدينية، فتعالج الموضوعات اليهودية التقليدية مثل البكاء من أجل صهيون. كتب ابن جبيرول بعض الأعمال الفلسفية بالعربية كعادة المفكرين العرب من اليهود، ثم تُرجمت هذه الأعمال إلى العبرية فيما بعد ومنها إلى اللاتينية حيث تركت أثراً في الفكر المسيحي. ومن أهم مؤلفاته كتاب ينبوع الحياة الذي يبيِّن أثر الأفلاطونية المحدثة عليه. وتتميَّز مؤلفاته بأنها خالية من الإشارة إلى اليهودية والعهد القديم، كما أنها تتناول موضوعات فلسفية ذات صبغة إنسانية في العادة. ولذا، كان البعض يتصور أن مؤلفاته من وضع كُتَّاب مسلمين. وقد اشترك بياليك في جمع أشعاره ونشرها عام 1924. الآداب المكتوبة بالعبرية منذ بداية العصر الحديث حتى عام 1960 Literature Written in Hebrew from the Beginning of Modern Times to1960 يرى بعض مؤرخي الآداب المكتوبة بالعبرية أن نقطة بداية هذه الآداب في العصر الحديث هو عام 1743، باعتباره العام الذي نشر فيه لوتساتو قصيدة مدح المستقيمين. ولكن هناك من يذهب إلى أن البداية الحقيقية إنما كانت في ألمانيا على يد نفتالي هيرتس فيزلي. ومهما يكن الأمر، فإن ما أُنتج من أعمال أدبية مكتوبة بالعبرية منذ عصر النهضة حتى أواخر القرن الثامن عشر لم يكن من الأهمية بمكان، وهو ما يجعل الإشكالية غير ذات موضوع. وفي تصوُّرنا أن تاريخ هذا الأدب يمتد حتى عام 1960 وهو العام الذي تبلوَّر فيه الأدب العبري الحديث،أو الأدب الإسرائيلي، وهو الأدب المكتوب بالعبرية والذي يعبِّر عن تجربة المستوطنين الصهاينة في فلسـطين وبخاصـة أبناؤهـم ممن وُلدوا ونـشأوا في فلسـطين. ومنذ عصر النهضة في الغرب كانت الأعمال الأدبية المكتوبة بالعبرية، في الأساس، تقليداً واضحاً وصريحاً للأعمال الأدبية الأوربية التي كان يتفاعل معها الأدباء الذين يكتبون بالعبرية في الغرب، وهو أمر مفهوم تماماً، فقد كانوا يعيشون في كنف الحضارة الغربية وكانت أول لغة يتعلمونها هي لغة البلد الذي يعيشون فيه. ومع غياب أية تقاليد أدبية راسخة، أو أعمال أدبية كبرى بالعبرية، كان لابد أن يتوجه هؤلاء الأدباء من أعضاء الجماعات اليهودية نحو الأعمال الأدبية المتاحة لهم باللغة التي يعرفونها. ولذا، جاءت أغلب الأعمال الأدبية المكتوبة بالعبرية إما مُترجَمة عن أصل أوربي أو مُقلِّدة له دون إبداع، متأثرةً في الشكل والمضمون بعمل أدبي غربي ما. وفي أغلب الأحيان، جاءت الترجمات أبعد ما تكون عن الأصل، هذا على عكس ما يحاول النقاد الصهاينة إثباته حيث يذكرون أن ما يسمونه «الأدب العبري» جاء نتيجة حركيات داخلية وتطوُّر طبيعي حدث بين أعضاء الجماعات اليهودية. ولكن التغيُّر في مجال الأدب لا يختلف عن التغيُّر في المجالات الأخرى، فالتحولات الضخمة التي طرأت على إيطاليا في عصر النهضة هي التي صاغت حياة كل أعضاء المجتمع بما في ذلك أعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم جزءاً منه. وقد تركت الثورة الفرنسية والثورة الصناعية أعمق الأثر في الجماعـات اليهودية داخل أوربا ثم خارجها. نشأت الآداب المكتوبة بالعبرية في العصر الحديث من خلال تصاعد معدلات العلمنة في المجتمعات الغربية، إذ أدَّى هذا إلى أن الأدباء الذين يكتبون بالعبرية بدأوا يُسقطون الحديث عن القيم المطلقة في الفكر الديني اليهودي. بل إنهم تناولوا الموروث الديني من منظور لاديني، فمنهم من رفضه تماماً، ومنهم من حوَّله إلى مادة بحث وأعاد النظر فيه، ومنهم من اعتبره تراثاً شعبياً قومياً. ولذا نجد أن السمة الأساسية للآداب المكتوبة بالعبرية في العصر الحديث والتي تُميِّزها عما سبقها من آداب مكتوبة بالعبرية هي توجُّهها نحو الموضوعات الدنيوية وابتعادها عن الموضوعات الدينية (على الأقل داخل التشكيل الحضاري الغربي). وظهرت في الآداب المكتوب بالعبرية الموضوعات الأساسية المتواترة في الآداب الغربية مثل العودة للطبيعة والبحث عن الذات والاغتراب عنها، وإن كانت هذه الموضوعات قد اكتسبت أحياناً بُعداً خاصاً في الآداب المكتوب بالعبرية، نظراً للتجربة الخاصة لأدباء العبرية باعتبارهم أعضاء في أقليات تواجه مشاكل خاصة لا يواجهها أديب من أعضاء الأغلبية. وعلى سبيل المثال، فإن الأديب الذي يكتب بالعبرية حين يحاول، بتوجُّهه العلماني، التمرد على التراث الديني اليهودي، شأنه في هذا شأن كثير من الأدباء الغـربيين، ويقرر العـودة إلى تراثه، فإنه يعود لهذا التراث الذي رفضه. ومن هنا ظهرت ازدواجية القبول والرفض. وبإمكان الدارس أن يعثر لدى الأديب الواحد على أعمال ترفض التراث وتهاجمه بحدة وعلى أعمال أخرى تمجده، الأمر الذي يدفعنا إلى القول بأن الآداب الحديثة المكتوبة بالعبرية وُلدت فاقدة الاتجاه. ومن هذا المنظور، يمكن أن نفهم يهودا ليف جوردون في محاربته اليهودية الحاخامية في الوقت نفسه الذي تحدث فيه عن داود وبرزيلاي. وكذلك مابو الرومانسي الذي كتب رواية محبة صهيون في الوقت نفسه الذي كَتَب فيه المنافق . ومن الطبيعي أيضاً أن يتحوَّل موشيه ليلينبلوم داعية التنوير إلى صهيوني رومانسي في مرحلة تالية. وحينما ظهر الفكر الصهيوني، حاول آحاد هعام أن يعثُر على صيغة للتوفيق بين النزعتين الدينية والمعادية للدين، فقال: إن الأدب العبري في العصر الحديث هو صورة علمانية للتقاليد القديمة. وفي محاولة تبرير هذه الازدواجية الدينية/اللادينية، في الآداب المكتوبة بالعبرية، حاول النقاد تفسير استلهام التراث على أنه أساساً عملية أدبية حوَّلت التراث نفسه إلى مادة أدبية. فالأصل الإنساني لهذه المادة هو الذي أثار الاهتمام الأدبي لدى أدباء العبرية وليس القداسة الإلهية فيها. ومما يؤكد أن ما نتحدث عنه هو «آداب مكتوبة بالعبرية» لا «أدب عبري واحد» أن المراكز التي ظهر فيها هذا الأدب متعددة (بل ونجده متعدد المراكز داخل الدولة الواحدة)، فلقد ظهر في وقت واحد في كلٍّ من إيطاليا حيث تأثر بالأدب الإيطالي، وألمانيا حيث تأثر بأدب التنوير وأعمال شيلر وجوته، وفي روسيا حيث تأثر بالأدب الفرنسي والأدب الألماني وبالأدب الروسي في مرحلة لاحقة. ولا يمكن فَهْم الآداب المكتوبة بالعبرية إلا بالعودة للتقاليد الحضارية والأدبية المختلفة التي وُلد من رحمها هذا الأدب والتي تفاعل معها الأدباء الذين يكتبون بالعبرية. ويمكن أن نشير إلى ثلاثة مصادر رئيسية للتأثير في الآداب المكتوبة بالعبرية في العصر الحديث، وهي: الأدب الروسي في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وأدب غرب أوربا في بداية القرن العشرين، والأدب الأنجلو ساكسوني الذي أثر أساساً في أدباء العبرية الذين أقاموا في الولايات المتحدة وعلى الأدباء الشبان بعد ذلك في إسرائيل. ومما عمَّق أثر الآداب الأوربية على الآداب المكتوبة بالعبرية أنه، منذ ثمانينيات القرن الماضي، تُرجمت إلى العبرية العديد من أعمال الأدباء الأوربيين، وقام على هذه الترجمات عدد من كبار أدباء العبرية، مثل: فريشمان وبياليك وبرينر وعجنون وجنسين وبارون، وغيرهم. وفي جيل أبراهام شلونسكي وناثان ألترمان وليئة جولدبرج، تحوَّل أسـلوب الترجمة إلى مصـدر تأثير في الأسـلوب النثـري في العبرية. ويمكن أن نقسم مراحل الآداب المكتوبة بالعبرية في العصر الحديث إلى فترات تاريخية على النحو التالي: 1 ـ الآداب المكتوبة بالعبرية في القرن التاسع عشر (التنوير وإرهاصات الفكر الصهيوني). 2 ـ الآداب المكتوبة بالعبرية في النصف الأول من القرن العشرين (تبنِّي المُثُل الصهيونية). 3 ـ المرحلة الفلسطينية. وسنضيف إلى جانب التقسيم التاريخي تقسيماً جغرافياً. فالجماعات اليهودية عاشت خلال هذه الفترات في أماكن متعددة من أوربا، وخضعت هناك لمتغيرات بيئية جعلت التباين بينها واضحاً من حيث الأنماط السلوكية والحياة الفكرية التي تركت آثاراً واضحة في الإنتاج الأدبي المدوَّن في هذه الفترة. 1 ـ الآداب المكتوبة بالعبرية في القرن التاسع عشر: لا يمكن أن نفهم بداية الآداب الحديثة المكتوبة بالعبرية بمعزل عن المتغيرات التي تعرضت لها أوربا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. فحينما انتشر فكر الاستنارة في أرجاء أوربا، انعكس ذلك في حركة تنوير بين أعضاء الجماعات اليهودية حيث انتشرت بينهم بسرعة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، مُثُل حركة الاستنارة، وتبلورت بوضوح إبان القرن التاسع عشر. أ) غرب أوربا: ظهر في إيطاليا، معقل النهضة الأوربية، الأديب اليهودي موشيه حاييم لوتساتو الذي دفع الآداب المكتوب بالعبرية نحو الموضوعات العلمانية. ولم يكن لوتساتو الوحيد الذي بَرَز من الشعراء اليهود في ذلك الوقت. فقد برز معه أيضاً شعراء أمثال شبتاي حاييم ماريني الذي ترجم التناسخ عن أبوديوس، ويسرائيل بنيامين باسان الذي ترجم العديد من القصائد الإيطالية إلى العبرية، وغيرهما كثير. ولكن لوتساتو كان يتميَّز عنهم بجمال أسلوبه وبتملُّكه ناصية الشعر وبسعة الخيال، الأمر الذي مكَّنه من طَرْق موضوعات جمالية اعتُبرت في ذلك الوقت جديدة على الأدب وخرقاً للتقاليد الدينية اليهودية. وإذا كان موسى مندلسون هو الذي وضع الإطار الفكري لحركة الاستنارة، فإن نفتالي هيرتس فيزلي هو أديب التنوير في ألمانيا والذي وسَّع قاعدته بين أعضاء الجماعات اليهودية وأرسى أُسُس فن المقال في الآداب المكتوبة بالعبرية، كما كتب العديد من القصائد. وعموماً، فإننا نلاحظ أن كثيراً من أعمال أدب التنوير في ألمانيا قد تناولت القصة الدينية، كما يُلاحَظ تكرار استخدام شخصيات موسى وداود وشمشون وشاؤول. وكتب العديد من الأدباء مسرحيات ذات موضوعات توراتية أو مستوحاه من التراث الديني. وتُعتبَر حركة التنوير في النمسا فرعاً من فروع حركة التنوير في ألمانيا. وقد سار أدباء النمسا على نفس النهج الذي سار عليه أدباء برلين من استخدام الصورة الشعرية الحديثة واستلهام التراث في أعمالهم. ومن أشهر أدباء التنوير في النمسا، نفتالي هيرتس هومبرج ومناحيم مندل ليفين وشلومو بابنهايم، حيث لعب كلٌّ منهم دوره في إشاعة الاتجاه نحو تجديد الصورة التي اختطها فيزلي. وأشهر أدباء العبرية في النمسا شالوم هاكوهين، وريث فيزلي، الذي يُعتبَر حلقة الوصل بين الأدب المكتوب بالعبرية في ألمانيا والأدب المكتوب بالعبرية في النمسا. واستمر أدب التنوير في غرب أوربا حتى عام 1820 تقريباً. ورغم الأهمية التي يضفيها عليه مفكرو الصهيونية، فإنه كان فقيراً في قيمته الأدبية. فلا يوجد في هذه الفترة أديب يهودي واحد يمكن أن ترقى أعماله إلى مرتبة الأدب العظيم. وليس فيها عمل أدبي يرقى إلى مرتبة الإنتاج ذي القيمة الإنسانية التي تعيش معه عبر العصور متجاوزاً الأهمية التاريخية. وعموماً، فإن من سمات هذه الفترة أن الإنتاج الأدبي تنوَّع وطَرَق فروعاً ومجالات لم يعرفها من قبل. كما تم فيها تحديث اللغة العبرية إذ تحوَّلت من لغة تُتلى في المعابد وتُرتَّل بها الصلوات إلى لغة تُستخدَم استخداماً أدبياً. وكان هذا التحديث اللغوي بدوره نتاجاً مباشراً للحركة الرومانسية في أوربا الغربية. ومن الأمور التي ينبغي تسجيلها عدم وجود قصة واحدة طويلة باللغة العبرية، بل لم يُترجَم إلى العبرية سوى بعض القصص القصيرة. أما الموضوعات النثرية ذات الطابع القصصي التي نُشرت في الدورية الأدبية العبرية هامآسيف (صدرت في ألمانيا عام 1784)، فلا ترقى بأية حال إلى مستوى الفن القصصي الرفيع. ومما يسترعي الانتباه أيضاً في هذه الفترة نوعية الأدباء أنفسهم، فكثير من الأثرياء من أعضاء الجماعات اليهودية اندمج تماماً في محيطه الثقافي ووصـل به الأمر إلى التحـول عن الدين اليهودي وتجنُّب الكتابة العـبرية. وكان هؤلاء المندمجــون، من أمثال هايني، من كبار الأدباء. ولم يكتب بالعبرية سوى الشخصيات متوسطة الخيال والذكاء. ووضع الآداب المكتوبة بالعبرية يشبه، في هذا، الحركة الصهيونية نفسها، حيث اندمج المثقف اليهودي في الوطن الذي يعيش في كنفه وانخرط في حركاته السياسية، أما أنصاف المثقفين فهم الذين قادوا الحركة الصهيونية. ب) شرق أوربا: حينما انتقل الأدب المكتوب بالعبرية من غرب أوربا إلى شرقها، كان اليهود هناك يعيشون في جو مشبَّع بالأفكار الدينية الصوفية القبَّالية المتمثلة في الحسيدية، وساعد هذا على أن يأخذ الأدب هناك طابعاً مختلفاً عما كان عليه في دول الغرب. كان دعاة التنوير في جاليشيا، من عائلات التجار والأثرياء، ملمين بثقافة بلدهم ولغاتها. وقد ترك هذا أثره في الأدب المكتوب بالعبرية في شرق أوربا. ويمكن اعتبار حاييم دوف جينسبرج أول أدباء التنوير في جاليشـيا. وقد قلَّد شـعراء العبرية في جاليشيا الشعر الأوربي، وبخاصة الشعر الألماني. ومن أبرز شعراء العبرية، في جاليشيا، ماير هاليفي ليتريس. وقد أرست الحركة الأدبية في جاليشيا أُسُس القصة المكتوبة بالعبرية. ومن روادها يوسف بيرل وإسحق آرثر. وشن كلاهما، في قصصهما الواقعية، الحرب على بعض جوانب حياة الجماعة اليهودية. أما في روسيا، فلم يكن أديب العبرية في حاجة إلى أن يتحسَّس الطريق، إذ كانت أمامه إنجازات أدباء العبرية في ألمانيا والنمسا وجاليشيا. ومن أبرز شعراء هذه الفترة آدم هاكوهين ليبنسون، كما برز معه أيضاً ابنه ميخا يوسف ليبنسون الذي تأثر بالشعراء الرومانسيين الألمان، فقدَّم أعمالاً استوحى موضوعاتها من التاريخ العبراني القديم، وأسقط على أبطاله القدامى مفاهيمه الحديثة. ويُعَدُّ ليبنسون (الابن) أول شعراء العبرية الذين كتبوا شعراً عن الحب. وأشهر شعراء هذه الفترة هو يهودا ليف جوردون. أما في مجال الرواية، فتُعتبَر رواية أبراهام مابو محبة صهيون (1853) أول رواية مكتوبة بالعبرية. وصحيح أنه كانت هناك محاولات كثيرة سبقتها، لكنها جميعاً لم تكن موفقة في تقديم صورة كاملة للحدث الدرامي كما فعل مابو في هذه الرواية. ويُعتبَر إسحق ليبنسون أبا التنوير في روسيا، حيث ساعدت كتبه ومقالاته في نشر فكر التنوير بين اليهود. وفي ليتوانيا، ظهرت مجموعة من دعاة التنوير تأثروا بأفكاره وأسلوبه في الكتابة، ربما كان أشهرهم مردخاي أهارون جينسبرج. 2 ـ الآداب المكتـوبة بالعبـرية في النصـف الأول من القـرن العشـرين: أ) في أوربا: بعد عام 1881 وما صاحبه من أحداث في روسيا، صدرت قوانين مايو التي أدَّت إلى تعثُّر التحديث في روسيا، وبدأت تظهر بوادر ظاهرة جديدة حلت محل التنوير، وهي ظاهرة الصهيونية التي اتسم بها أدب النصف الأول من القرن العشرين. ففي ذلك الوقت، ظهر جيل من الشبان على دراية بالحضارة الأوربية، ورؤيتهم أوربية في جوهرها. وكانت النزعة الرومانسية قد بدأت تنحسر، لتحل محلها النزعة الطبيعية والفكر الدارويني والنيتشوي الذي يشكل تصاعداً في النزعة العلمانية، وسادت في الأدب الاتجاهات الواقعية والطبيعية. ودعم كل هذه الاتجاهات ظهور الحركات الثورية المختلفة والتحولات الاجتماعية العميقة في المجتمعات الأوربية وبخاصة في الشرق. وتُشكِّل الإمبريالية الخلفية العامة لكل هذه التحولات، فشهدت الساحة اليهودية تبعاً لذلك ازدياد النزعة الصهيونية بين كُتَّاب العبرية، وهو أمر مُتوقَّع باعتبار أن اختيارهم العبرية لغة كتابة كان يتضمن رفضاً لانتمائهم إلى الأوطان المختلفة. ويُعَدُّ حاييم نحمان بياليك (قبل أن يهاجر إلى فلسطين) من أهم أدباء العبرية في أوربا. وقد كتب أغلب أعماله في الفترة من 1882 إلى 1917. ويتجلى إسهامه في الشكل الأدبي في تحريره الشعر العبري من قيود بلاغة فترة التنوير. كما كانت حساسيته الشعرية أكثر أوربية من أيٍّ من معاصريه، فقدَّم في أعماله المزيد من الأشعار ذات الطابع الأوربي اعتماداً على كم هائل من أشكال الشعر الأوربي مثل: السوناته والبالاد. ومن شعراء هذه الفترة أيضاً زلمان شيناؤور، ويعقوب كاهان، ويعقوب فيخمان، الذين كانت أشعارهم تتَّسم بمحاولة وضع فلسفة شعرية تَصدُر عن الفكر الصهيوني. ومن أشهر كُتَّاب القصة والمقال في هذه الفترة، ميخا جوزيف بيرديشفسكي الذي حاول في قصصه العديدة، ذات النزعة النيتشوية، أن يجد حلاًّ لمشكلة الإنسان اليهودي في مواجهة المجتمع. ومعظم أبطاله يحاولون الهرب من هويتهم الضيقة ولكنهم عاجزون عن ذلك، ومن ثم فإنهم يعانون من الضياع والعقم الجسدي والنفسي. واشتهر في هذه الفترة أيضاً القاص بيرتس سمولنسكين، ومندلي موخير سفاريم (شالوم أبراموفيتس) الذي يُعتبَر رائد القصة الواقعية المكتوبة بالعبرية ويُعتبَر في الوقت نفسه رائد القصة في أدب اليديشية. وفي السنوات العشرين الأخيرة من القرن التاسع عشر، برز كل من بيرتس سمولنسكين وموشيه ليلينبلوم في فن المقال، وذلك بعد أن تحوَّلا عن فكر التنوير وبدأت كتاباتهما تضع البذور الأولى للفكر الصهيوني. وكما ظهر مندلسون بفلسفته ليوجِّه أدب العبرية توجُّهه الاندماجي في القرن التاسع عشر، ظهر آحاد هعام ليبلور هذا الأدب في القرن العشرين بتوجهاته الصهيونية. فحاول أن يجد صيغة توفيقية بين الدين والحياة حيث كان يرى أن الأمة هي الدين في صيغته الجديدة، وأنها هي المطلق الذي يحل محل المطلق التقليدي أي الخالق. وفي رأى آحاد هعام فإن الأدب العبري يجب علىه أن يُقلِّص حدوده ويقتصر على تناول الموضوعات اليهودية التاريخية، وعلى تناول الإنسان اليهودي في صورته الأدبية. وقد تجلَّى هذا الموقف في مجلته الشهرية هاشيلوح . وظهر في تلك المرحلة أيضاً إليعازر بن يهودا الذي يُعتبَر رائد إحياء اللغة العبرية. ب) في فلسطين: حينما انتقل مركز الآداب المكتوبة بالعبرية ليمارس نشاطه على أرض فلسطين، لم ينتقل إليها كاستمرار للآداب المكتوبة بالعبرية في أوربا بل كتحوُّل في الصورة والمضمون. وتحتم على كُتَّاب العبرية في فلسطين أن يطرحوا جانباً الموضوعات التقليدية التي تناولتها الآداب المكتوبة بالعبرية حتى ذلك الوقـت، وبدأوا يبحثـون عن موضـوعـات جديدة، وصور جديدة تتلاءم مع الوضع الاستيطاني الجديد الذي تسعى الصهيونية إلى تحقيقه. وفي أوربا، كان أديب العبرية يعيش واقعاً غريباً عنه ويتبنى رؤية صهيونية. وطوال هذه الفترة من تاريخ الآداب المكتوبة بالعبرية، كانت فلسطين موضوعاً مُهمَلاً، ولم يكن هناك إلا بعض الأشعار هنا وهناك أو بعض القصص التي تناولت موضوع الحنين تحت تأثير الرومانسية الأدبية الأوربية. ولذا، حينما انتقل بعض أدباء العبرية إلى فلسطين، لم تَعُد الصهيونية مجرد أفكار يتبنونها وإنما حقائق استيطانية تؤثر في حياتهم اليومية. وأظهرت خطوات الاستيطان الصهيوني الأولى في فلسطين مخاوف المستوطنين الجدد من أن تضيع أقدام هذا الجيل في مصير مجهول. وانعكست هذه المخاوف على الصورة الأدبية، وظل هناك سؤال أساسي يلح على وعي الأدباء الذين نزحوا إلى فلسطين: ما صورة الوجود في فلسطين؟ وهل حقاً ستُحدث تلك الثورة (الصهيونية) في داخلهم التحول الوجودي المطلوب؟ وقد أيقن أدباء هذه الفترة أن تغيُّر المكان لا يمكن أن يغيِّر ما يُسمَّى «المصير اليهودي». ولازم هذا التوتر الأدب المكتوب بالعبرية في تلك الفترة، وأدَّى إلى ردود فعل مختلفة تتراوح بين الاقتناع والارتباط بهذ الواقع الجديد من جهة، واليأس والإحباط من جهة أخرى. أما مصادر التأثير في الأدب المكتوب بالعبرية في فلسطين، فهي كثيرة ومتنوعة. فأدب الهجرة الأولى كان لايزال يسير في ركاب أدب حركة التنوير، كما أن الواقعية الاجتماعية كانت تبرز بوضوح في أعمال رواد الهجرتين الأولى والثانية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الأدب الذي أُنتج في أيام الهجرة الثالثة نحا منحى وضعياً. وبالإضافة إلى تأثير برينر الذي استمر، لفترة طويلة، عاملاً رئيسياً في توجيه دفة الآداب المكتوبة بالعبرية، وإلى تأثير برديشفسكي بأفكاره الفلسفية عن الفرد والمجموع، نجد أن المهاجرين الجدد جلبوا معهم من روسيا إلى فلسطين دستويفسكي وتشيكوف والأدباء الإسكندنافيين الرومانسيين والجيل الجديد من أدباء ألمانيا. وامتزجت كل هذه التأثيرات مع الميراث الأدبي الذي عاش مع هؤلاء المهاجرين الجـدد في اللاوعي ليُخرج في النهاية أدباً يمزج بين الرومانسية والواقعية، وبين الاغتراب ومحاولة الانتماء، حتى إن الدارس ليمكنه أن يلمس في أدب تلك الفترة، وبسهولة، مدى الأزمة النفســية التي عاشــها المهاجـرون الجـدد، أولئك الذين ما زالوا يتخبطون في أزمة البحث عن الذات. إن أغلب أدباء الهجرة الثانية كانوا على وعي كامل بوضعهم الجديد، وبأنهم مُقتلَعون من أرض أوربية ليعاد زرعهم من جديد في أرض شرقية. ولكن، رغم ما كان لدى بعضهم من حماس للالتقاء مع الأرض الجديدة، فإن أغلبهم كان على وعي كامل بحقيقة أنهم يفتقدون الارتباط بالأرض. وإذا كان أبناء الهجرة الثانية قد اعتقدوا أنه سوف تتحقق في فلسطين كل الآمال الصهيونية الاستيطانية، فإنهم سرعان ما شعروا بأنهم تعلَّقوا بآمال واهية، ولذا عاد الكثير منهم إلى حيث أتوا. أما الذين مكثوا في فلسطين، فقد أنتجوا أدباً أكد قيم الصهيونية. وخلق التناقض بين مطالب الهجرة الصهيونية وبين الواقع النفسي للمهاجرين أدبـاً مركَّبـاً يتـأرجح بين رؤية المهـاجرين والواقع المرير الذي اصطدموا به. وقد أثيرت مؤخراً قضية جديدة كل الجدة على الأدب المكتوب بالعبرية والأدب العبري، وهي ظهور مجموعة من الكُتَّاب الفلسطينيين العرب الذين يكتبون بالعبرية. ومن أهمهم أنطون شماس صاحب رواية أرابيسك (1986) والتي كتبها بعبرية أدهشت الإسرائيليين. وكان شماس قد كتب ونشر قصائد بالعربية والعبرية في السبعينيات، وفي الفترة نفسها تقريباً بدأت سهام داود وهبى كاتبة وصحفية عربية من حيفا تكتب الشعر بالعبرية أيضاً. وفي عام 1992 كتب الشاعر الفلسطيني توفيق زياد، الذي كان عضواً في الكنيست الإسرائيلي قطعة شعرية على وزن المقامة، وهي لون شعري عبري كان يُقال على غرار المقامة العربية، قصيدة هجا بها لبون زئيفي، الذي كان وزيراً في الحكومة الإسرائيلية ممثلاً أقصى اليمين الصهيوني. ويعكف الشاعر الفلسطيني العربي نعيم عرايدي على كتابة رواية بالعبرية، وهو الذي عُرف بوصفه شاعراً وكاتباً عربياً في إسرائيل. ولعله يمكن الإشارة إلى هذا الأدب على أنه «أدب عربي مكتوب بالعبرية». موشـيه لوتسـاتو (1707-1747) Moses Luzzato شاعر ومفكر قبَّالي من أتباع القبَّالاه اللوريانية. وُلد في بادوا بإيطاليا، وتلقى تعليماً دينياً، وكان يجيد عدة لغات منها الإيطالية والفرنسـية واليونانية. ونتيـجة تبـحُّره في القبَّالاه والعلوم الدينية اليهودية، سيطرت عليه حالة من التطرف الديني جعلته يؤمن بأنه على اتصال بأرواح أبطال العهد القديم تملي عليه القصائد الباطنية. واحتشد حوله جماعة من المريدين. وألَّف لوتساتو كتاب الزوهار الثاني، الأمر الذي جعل رجال الدين اليهودي في البندقية يُصدرون عام 1735 قراراً بحظر تداول كتبه واعتباره خارجاً على الدين، فهرب إلى فرانكفورت ومنها إلى أمستردام. نادى لوتساتو بتحرير الشعر العبري من البحور والأوزان التي كان قد اقتبسها في العصور الوسطى من الشعر العربي. وقدَّم في أشعاره بحراً يحتوي على إحدى عشرة حركة للبيت الطويل وسبع حركات للبيت القصير مع تركيز خاص على النبرة. وظهر له عام 1743 قصيدة «مدح المستقيمين» التي يعتبرها نقاد الأدب الحديث المكتوب بالعبرية نقطة بداية هذا الأدب. وتُعتبَر هذه القصيدة انعكاساً رمزياً لتجربته الشخصية وصراعه مع اليهود، إذ كان يرى أنهم بدَّلوا التعاليم التوراتية بتعاليم أخرى. كتب مسرحية رعوية تُسمَّى برج عوز اعتبرها رواد التنوير بعد ذلك قصتهم هم. وتأثر لوتساتو بالشعر الرعوي الذي انتشر في إيطاليا في القرن السادس عشر فكتب قصائد رعوية في وصف الطبيعة وجمالها، كما تظهر في أعماله روح الأدب اليوناني القديم. ولقد تركت أعماله أثراً واضحاً في شعر العبرية في أوربا. جوزيف بيرل (1773-1839) Joseph Perl أديب روسي يكتب بالعبرية وله مؤلفات بالألمانية واليديشية. وُلد في جاليشيا، وتلقَّى تعليماً دينياً تقليدياً، ولكنه تحمَّس لفكر حركة التنوير وأصبح أحد رواد الحركة. أسَّس عام 1813 في بلدة تارنوبول أول مدرسة حديثة في جاليشيا، وعمل من خلالها على تحديث أعضاء الجماعة اليهودية في البلدة مستعيناً في ذلك بمعونة الحكومة الروسية، ثم بمعونة حكومة النمسا اعتباراً من عام 1815. كما أسَّس معبداً يهودياً كانت تُقام فيه الشعائر باللغة الألمانية. وشن بيرل في أعماله هجوماً شديداً على الحسيدية إذ كان يرى أنها تنطوي على النفاق والجهل والتعصب والخداع، كما كان يعتقد أن المعارضة التي يبديها القادة الحسيديون هي العائق الأساسي أمام تحديث اليهود. ولم يكتف بيرل بذلك، بل عمل على تحريض السلطات الروسية ثم النمساوية في جاليشيا على اتخاذ إجراءات عنيفة ضد الحركة الحسيدية، وذلك من خلال المذكرات والشكاوى الكيدية التي كان يرســلها بانتظام إلى المسـئولين (وقد وُجدت هـذه الكتابات ونُشرت مؤخراً). وتتَّسم كتابات بيرل، التي كان يوقعها باسم مستعار، بأنها ذات طابع هجائي ساخر. وأبرز هذه الكتابات هي: كاشف الأسرار (1819) حيث يثبت ما يدَّعي أنها نصوص حسيدية حصل عليها بعد أن تخفَّى بشكل سحري، أما امتحان الأتقياء (1838) الذي يُعَدُّ استمراراً لكتابه الأول، فإنه يصف بقية لوح سحري تسجَّل عليه كل الأحاديث سراً ولا يمكن محوها إلا بأنفاس رجل تقي صالح، ومما له دلالة أن جميع قادة الجماعة اليهودية يفشلون في محو الأحاديث المسجلة ولا ينجح في ذلك إلا المزارعون. وفي هذا العمل، يظهر البطل الجوَّال غير المرئي الذي يكتسب صفات عديدة غير طبيعية. ويصف الكاتب وضع اليهود الاجتماعي والأخلاقي المتدهور في جنوب روسيا من خلال تجواله ومغامراته. وفي كلا العملين، يظهر الحسيدي السابق الذي تمرَّد على حسيديته. وتأثر بيرل في قصصه هذه بالكتابات الهجائية الساخرة التي شاعت في الآداب الأوربية في القرن الثامن عشر، وعلى الأخص كتاب مونتسيكو رسائل فارسية (1721). وقد كتب بيرل بعض أعماله، ومنها كاشف الأسرار، بكلٍّ من اللغة العبرية واللغة اليديشية، كما يُعتَقد أنه ترجم إلى اليديشية بعض الأعمال الأدبية الأوربية (مثل رواية فيدلنج توم جونز)، وكان له بذلك فضل الريادة في إثراء الفن القصصي في اليديشية. غير أنه لم يتبن الكتابة بتلك اللغة إلا لهدف عملي بحت وهو نشر الأفكار التنويرية في أوساط المتحدثين بها. أبراهــــام ليبنــسون (1794-1878) Abraham Lebensohn شاعر ونحوي يكتب بالعبرية. وُلد وعاش معظم حياته في فلنا (ليتوانيا) حيث تلقى تعليماً دينياً تقليدياً. وظهر اهتمامه بدراسة نحو اللغة العبرية في سن مبكرة. وعمل ليبنسون بالتدريس لفترة قصيرة، ولكنه هجر عمله هذا لاعتلال صحته، وعمل لسنوات طويلة سمساراً في الوقت الذي كان يواصل فيه أنشطته الأدبية التي تفرَّغ لها تماماً خلال السنوات العشرين الأخيرة من عمره. ويُعَدُّ ليبنسون من أبرز شعراء عصر التنوير ومن أبرز الشعراء الذين كتبوا بالعبرية على وجه العموم. ورغم أن قصائده المبكرة لم تتجاوز نطاق شعر المناسبات الذي يُكتَب تقرُّباً للوجهاء والمشاهير، إلا أن مجموعته الشعرية الأولى أناشيد اللغة المقدَّسة (1842) أثارت اهتماماً كبيراً حيث وُصفت بأنها فاتحة عهد جديد في الأدب الحديث المكتوب بالعبرية في روسيا، ووُصف صاحبها بأنه « أعظم شعراء العبرية في عصره »، وهي مبالغة لا أساس لها في الواقع. وقد أصدر ليبنسون مجلدين آخرين من الأناشيد (في عامي 1856 و1869)، وشمل المجلد الثالث بعض قصائد ابنه الشاعر ميخا ليبنسون الذي خلَّف موته المأساوي في سن مبكرة أثراً عميقاً في حياة ليبنسون الأب وفي شعره على حدٍّ سواء، حيث غلبت على قصائده الأخيرة نبرة الكآبة واليأس والتبرم من ظلم الطبيعة والجنس البشري والإحساس بالعجز إزاء الموت. ومع ذلك، ظل شعر ليبنسون بوجه عام محتفظاً بخصائصه الأساسية التي ظهرت في مراحله الأولى، فهو شاعر نمطي يميل إلى التنميق اللفظي والحماس البلاغي، كما أنه يلتزم بالتقاليد القديمة في النظم والبناء دون أن يسعى إلى التجديد أو التجاوز. وعلى أية حال، فإن شعره يفصح عن أن صاحبه لم يكن ذا خلفية فكرية عميقة ولم يكن على دراية بالآداب الأوربية وما طرأ عليها من تطوُّر. وقد ظلت خبراته محصورة في نطاق حياته المحدودة في بلدته الصغيرة. وبالإضافة إلى الشعر، كتب ليبنسون مسرحية بعنوان الحقيقة والإيمان (1867) لم تكن لها قيمة تُذكَر، ولكنها أصبحت حينذاك موضوعاً للسجال الأدبي حيث أثارت حفيظة اليهود الأرثوذكس بسبب سخريتها من التعصب الديني ودعوتها إلى إخضاع الدين اليهودي للواقع المادي وإلى ضرورة تطهير الدين من المبالغات، وذلك بينما نجد أن أنصـار حركة التنـوير نظروا إلى مضمـونها بوصفه أمراً عفَّى عليه الزمان. كما وضع ليبنسون كتاباً في نحو اللغة العبرية عام 1874، وأسهم في إصدار الطبعة الثانية من الترجمة العبرية التفسيرية للعهد القديم التي أعدها موسى مندلسون وأتباعه، ولكنه أضاف إليها شروحاً جديدة خلت منها الطبعة الأولى. وقد نُشرت الطبعة الثانية بالعنوان الفرعي شروح جديدة (1858) وقد كان لهذه الشروح دور كبير في ذيوع فكر حركة التنوير في أوساط يهود روسيا. مردخــاي جينسـبرج (1796-1846) Mordechai Ginsberg قاص يكتب بالعبرية، وُلد في روسيا، وساهم في إدخال أفكار حركة التنوير الأدب الحديث المكتوب بالعبرية من خلال العديد من مؤلفاته. كان صاحب أسلوب بسيط وسلس، الأمر الذي جعل لغته سهلة على القراء ومحببة إليهم. كتب في العديد من الموضوعات الحية التي عاشها أعضاء الجماعة اليهودية في روسيا مثل ضرورة إصلاح مؤسسات الإدارة الذاتية اليهودية، ووضع مؤلَّفاً عن جغرافية فلسطين وعن السامريين وعن تاريخ اليهود الروس، وترجم بعض القصص عن الأدب الألماني. من أهم أعماله، قصته إليعازر وهي سيرته الذاتية، وقد جاءت على غرار السير الذاتية التي نُشرت بعد اعترافات جان جاك روسو. وكان الهدف من هذه القصة إظهار قصور التعليم اليهودي القديم ولَفْت الأنظار إلى الثقافة الحديثة. وكان من الممكن أن تُعتبَر هذه القصة حجر الأساس في تطوُّر القصة الطويلة المكتوبة بالعبرية، سواء في تصوير الحدث أو في رسم الشخصيات. لكن هذه القصة كان يعيبها غياب وحدة الحدث وافتقارها إلى كثير من الأسس التي تقوم عليها القصة الطويلة. أبراهــام مابـــو (1808-1867) Abraham Mapu روائي يكتب بالعبرية، وُلد في كوفنو (ليتوانيا)، وتلقَّى تعليماً دينياً تقليدياً. ولكنه اهتم، إلى جانب ذلك، بدراسة اللغات اللاتينية والفرنسية والألمانية والروسية، وهو أمر لم يكن معهوداً في أوساط اليهود الأرثوذكس، بل كان يُقابَل بالعداء. وكان مابو، في مطلع حياته، متعاطفاً مع الحركة الحسيدية، ودرس القبَّالاه والسحر (يُقـال إنه حـاول أن يصبح رجـلاً خـفياً من خـلال اتباع تعاليم القبَّالاه). ولكن هذا لم يَدُم طويلاً إذ أصبح مابو من أشد أنصار حركة التنوير وعُيِّن في مدرسة حكومية، وهو منصب احتفظ به بقية حياته. بدأ مابو حياته الأدبية برواية محبة صهيون التي استغرقت كتابتها ما يقرب من عشرين عاماً. وعند نشرها عام 1853 حظيت بنجاح كبير حيث تُعَدُّ أول رواية باللغة العبرية، وإليها يرجع الفضل في المكانة الأدبية الرفيعة التي تبوأها صاحبها كمؤسس للفن الروائي في الأدب الحديث المكتوب بالعبرية. وتدور أحداث الرواية في زمن حزقيال والنبي أشعياء، وقد نجحت الرواية في إعادة بناء الجو العام للمجتمع العبراني في ذلك الوقت. ويعود نجاح الرواية إلى الجو المثالي العام الذي يسودها وإلى لغتها التوراتية، أما من ناحية ترابُط الأحداث وتصوير الشخصيات فهي ضعيفة للغاية. وطُبعت الرواية أربع طبعات (حتى عام 1873) وتُرجمت إلى الإنجليزية ثلاث ترجمات مختلفة وسبع مرات إلى اليديشية وإلى الفارسية والعربية (1908) كما ظهرت ترجمة إلى الألمانية (1885) دون ذكر اسم المؤلف على الغلاف. ودفعه هذا النجاح إلى مواصلة الكتابة، فكتب ثلاث روايات أخرى هي: المنافق (1857 ـ 1861)، وهي رواية تدور أحداثها في الوقت الحاضر وتصف الصراع بين الحسيديين ودعاة التنوير، ومن أهم الشخصيات الحاخام صادوق الذي يستخدم الخرافات ليستغل الناس. والرواية سطحية للغاية لا يوجد فيها أي عُمْق نفسي أو إنساني، وهي من النوع الدعائي المباشر الذي يدافع عن قضية بعينها. أما روايته الثالثة خطيئة السامرة (1856)، فهي تُبيِّن الصراع بين القدس والسامرة وتأخذ صف القدس بلا تحفُّظ إذ تصوِّر رجالات مملكة يهودا بشكل مثالي، أما النساء والرجال في السامرة فهم لصوص متآمرون. ومرة أخرى نجد أن تصوير الشخصيات ضعيف. وقد كتب مابو كذلك رواية عن شبتاي تسفي (وشخصيته ذات مركزية خاصة في الوجدان الصهيوني، فهـرتزل مثلاً كان يفكر في كتابة أوبرا عنه). إلا أن خصوم حركة التنوير، ممن صدمتهم أفكار مابو، نجحوا في تحريض السلطات على منع نشر الرواية الأخيرة (وضاعت أجزاء كبيرة منها). كما أن مابو وضع بعض المؤلفات الأخرى في موضوع تطوير طرق التدريس التي كانت شائعة في عصره. وتنتمي روايتا محبـة صهيون و خطيئة السـامرة إلى النوع التاريخي، حيث تدور أحداثهما في عصر أشعياء. أما روايته المنافق، فتتناول الحياة المعاصرة لأعضاء الجماعة اليهودية في ليتوانيا. ورغم هذا التباين في زمان ومكان الأحداث، فإن ثمة موضوعاً أساسياً يتواتر في الروايات الثلاث وهو الرغبة في العودة إلى فلسطين وهو ما يجعله من أهم دعاة الصهيونية. وتزخر أعمال مابو بتأثيرات شتى، وهو ما يدفع إلى القول بأنه لم يكن مبدعاً أصيلاً بقدر ما كان مقلِّداً. فهناك، أولاً، التأثر الشديد بلغة العهد القديم وبأسلوبه في القص وفي تصوير الخلفية الزمانية والمكانية. وهناك، ثانياً، السير على نهج الكُتَّاب الرومانسيين الفرنسيين، وعلى الأخص ألكسندر دوماس الأب (حيث رسم الشخصيات ووضع شخصيات تاريخية إلى جانب الشخصيات الروائية فضلاً عن إسقاط أحداث الماضي على الواقع المعـاش). كما تأثر بأيوجين سـو (التركيز على المغامرات والحبكة والعنف). وتفتقر أعمال مابو إلى كثير من الأسس التي يقوم عليها الفن الروائي، فالأحداث متعددة ومتداخلة ويعوزها الترابط والاتساق في كثير من الأحيان. أما السرد، فيغلب عليه التكرار والإسهاب الذي لا يبرره شيء، كما أن الاستخدام الرمزي للشخصيات يتَّسم بالسطحية والسذاجة. وهذه العيوب الفنية الواضحة هي أحد مبررات ذلك الرأي الذي يذهب إلى أن القيمة الأساسية لأبراهام مابو تكمن في ريادته وليس في فنيته. ميـــخا ليبنســون (1828-1852) Micha Lebensohn يُعرَف أيضاً باسمه الأدبي «ميخال»، وهو شاعر يكتب بالعبرية، وُلد في فلنا (ليتوانيا)، وتلقى تعليماً دينياً تقليدياً يجمع بين دراسة التوراة والتلمود وبين دراسة العلوم والآداب الحديثة، وذلك بتوجيه من أبيه الشاعر أبراهام دوف ليبنسون الذي شجعه كذلك على تنمية مواهبه الأدبية. فاتجه منذ صباه إلى كتابة الشعر فضلاً عن ترجمة مقتطفات من أعمال فرجيل وهوراس وشيلر وجوته، وغيرهم، إلى اللغة العبرية. ولم يُصدر ميخال خلال حياته سوى مجموعة شعرية وحيدة بعنوان أناشيد ابنة صهيون (1851)، ضمت ست قصائد ملحمية تتناول موضوعات وشخصيات توراتية. وبعد وفاته، نشر أبوه مجموعة أخرى من القصائد الغنائية والقصائد المترجمة صدرت بعنوان قيثارة ابنة صهيون (1860)، فضلاً عن طبعة ثانية من الأناشيد (1869). وأبرز الموضوعات المتواترة في الشعر الملحمي لميخا: التناقض بين الحياة والموت، ودور الشعر ورسالة الشاعر، والصراع الأخلاقي بين العواطف الإنسانية والواجبات الوطنية. أما شعره الغنائي، وخصوصاً المتأخر منه، فقد انطبع بمصيره المأساوي إثر إصابته بالسل في مطلع شبابه، وهو الأمر الذي جعله كإنسان وشاعر يقف على عتبة الحياة منتظراً موته المحتوم. ويغلب على قصائده عموماً الطابع الرومانسي الذي ينأى بها عن النزعات الأخلاقية والبلاغية التي سادت بواكير الشعر المكتوب بالعبرية في عصر التنوير. وتحفل تلك القصائد في شكلها ومضمونها بتأثيرات شتى، حيث تعكس هذه القصائد الملحمية التأثر بأسلوب كل من شكسبير وملتون، بينما تتردد في القصائد الغنائية أصداء الشعراء الرومانسيين الألمان وعلى الأخص شيلر وهايني. أما رؤيته الفنية والفكرية، فتأثرت إلى حدٍّ بعيد بأفكار الفيلسوف الألماني شلنج والتي تَخلُص إلى أن الشعور بالجمال في الطبيعة والفن هو أرفع الصور الروحية للحياة وأن الحدس (الفني) هو الطريقة الوحيدة لتصوُّر وحدة الوجود. ورغم قلة إنتاجه ووفاته في سن مبكرة، يُعَدُّ ميخا ليبنسون من أبرز شعراء عصر التنوير، وشعراء العبرية بوجه عام، ممن حققوا وظيفة الشعر العلماني المكتوب بالعبرية كما تصوَّرها أنصار حركة التنوير. ومع أنه لم يغامر بتجديد شكل القصيدة، إلا أنه كان أول من طبَّق قواعد العروض الحديثة على الشعر المكتوب بالعبرية. يهـودا جـوردون (1830-1882) Yehuda Gordon شاعر وقاص وناقد كتب بالعبرية، وهو من مواليد ليتوانيا. ويُعَدُّ من أهم دعاة حركة التنوير اليهودية ومن أهم المعبِّرين عنها، ولكن فكره وتمرُّده ضد التراث الديني اليهودي يشيان بما في داخله من بذور الصهيوينة. تلقَّى جوردون تعليـماً تقليدياً في طفولته. وفي سـن السـابعة عشرة، تلقى تعليماً غربياً حديثاً،ودَرَس عدة لغات (الروسية ـ الألمانية ـ البولندية ـ الفرنسية ـ الإنجليزية).وتخرَّج في إحدى الكليات التربوية الحكومية عام 1853 وعمل مدرساً في مدارس الحكومة. انضم جوردون إلى جماعة من دعاة حركة التنوير كان من أهم أعضائها شاعر العبرية أبراهام دوف ليبنسون وابنه ميخا. تبنَّى جوردون فكر حركة التنوير تماماً، وشن هجوماً شرساً على التقاليد الدينية، واتهم اليهودية بأنها دين متحجر يحوِّل اليهود إلى شعب من الكهنة، وطالب بإدخال القيم المادية العلمانية في حياة اليهود. وكان مديراً لجمعية نشر الثقافة بين يهود روسيا، وهي من أهم جمعيات نشر مُثُل حركة التنوير. كتب جوردون كتابات نثرية عديدة، من بينها مقالات بالعبرية والروسية. ولكن إسهامه الأدبي الأساسي هو أشعاره. ويُقسِّم النقاد أدبه إلى مرحلتين أساسيتين: مرحلة رومانسية، وأخرى واقعية: 1 ـ المرحلة الرومانسية: وهي المرحلة التي قاد فيها حركة التنوير التي تهدف إلى إصلاح اليهود وتحويلهم إلى شعب منتج. وتتناول قصائده في هذه المرحلة الموضوعات التاريخية والتوراتية وبعض الموضوعات السائدة في عصره، وإن كان تناوله ليس مباشراً أو واقعياً. وتعكس قصيدة «داود وبرزيلاي» (1851 ـ 1856) الدعوة إلى العودة للأرض. وتؤكد القصائد الأخرى في هذه المرحلة روح الاعتزاز بالذات القومية التي كان يرى جوردون أنها تنعكس في بعض شخصيات العهد القديم. وأهم قصائد هذه المرحلة قصيدة «بين أنياب الأسد» (1868) التي تحكي قصة سيمون بر جيورا (أحد أبطال التمرد اليهودي الثاني ضد الرومان) ونهايته المأساوية. وفي هذه القصيدة، ينحي جوردون باللائمة على التعاليم الحاخامية التي أدَّت باليهود إلى رفض الحياة وقبول العبودية، وإلى أن يقبعوا خلف الأسوار ويكونوا موتى في الأرض أحياء في السماء « فتراب كتابكم وأوراق أحاديثكم الجافة غطتكم تماماً وجعلت منكم مومياء حية لعدة أجيال ». ومن الواضح أن رومانسية جوردون من النوع النيتشوي الذي يُمجِّد القيم العضوية والحيوية وقيم البطولة. ومن أهم قصائد هذه المرحلة أيضاً قصيدة «استيقظ يا شعبي» (1856)، وهي دعوة لليهود أن يتبنوا مُثُل حركة التنوير وأن يخرجوا من ظلمات الجيتو ويتعلموا العبرية وينبذوا اليديشية ويعملوا في الحرف اليدوية المنتجة وفي الصناعة والزراعة. وقد اختتم هذه القصيدة بالكلمة المأثورة التي أصبحت فيما بعد شعاراً لهذه الحركة: "كن يهودياً في بيتك وإنساناً خارجه". ومع هذا، يظل التوجه نحو فكرة الشعب العضوي (فولك)، والكتلة القومية المتماسكة وليس نحو الفرد، على عكس مُثُل حركة الاستنارة التي كانت تتوجه أساساً إلى الفرد. ومن أهم أعمال هذه الفترة القصص الخرافية الوعظية التي كتبها جوردون على نمط خرافات إيسوب ولافونتين وكريلوف وسخر فيها من معاصريه أعضاء الجماعات اليهودية الذين نبذوا مُثُل حركة التنوير وعاشوا في الظلام (بحسب تصوُّره). 2 ـ المرحلة الواقعية: يشكل عام 1867 نقطة حاسمة في حياة جوردون، إذ وقف إلى جانب ليلينبلوم في دعوته إلى الإصلاح الديني. وكانت قصائده في هذه المرحلة هجوماً مباشراً لا هوادة فيه، في شكل قصص ساخرة، على الخرافات الدينية وانحلال الحياة الدينية الذي أدَّت إليه الشعائر اليهودية التي كان يرى جوردون أنها معادية للحياة. وأهم القصائد هي «حكاية اليود [الياء] أو أتفـه الأشـياء» التي أتمها عام 1876، وهي تتناول مأساة امرأة شابة مطلقة لا يمكنها أن تتزوج مرة ثانية لأن الحاخام رفض الاعتراف بقسيمة الطلاق لأن توقيع زوجها ينقصـه حرف اليـود (أي حرف الياء وهو أصغر الحروف في اللغة العبرية)، ولذا فهي تظل مطلقة (عجوناه) لا يحق لها الزواج. أما قصيدة «اليوسفان بن سيمون»، فهي هجوم على القهال ورئيسه الذي تآمر وأرسل أحد دعاة حركة التنوير، ويُسمَّى يوسف بن سيمون، إلى السجن بدلاً من لص قاتل يحمل نفس الاسم. ومن قصائد هذه المرحلة قصيدة «الملك صدقياهو في السجن»، وهي مونولوج درامي يعبِّر عن احتجاج آخر ملوك يهودا ضد روحانية الأنبياء التي قضت على حياة اليهود العادية والطبيعية وعلى وجودهم السياسي. وهذا الموضوع كامن ومتكرر وأساسي في الأدبيات الصهيونية ذات الطابع النيتشوي. وقد أخذت الموضوعات الصهيونية تظهر على السطح بشكل أكثر تزايداً ووضوحاً، ففي قصيدة «لمن أعمل» يُلاحظ الشاعر أن مُثُل حركة التنوير أدَّت إلى اندماج الشبان اليهود في مجتمعهم. وهذا تناقُض كامن في حركة التنوير العبرية، فهي تدعو إلى الاندماج في المجتمع، وفي الوقت نفسه تدعو إلى بعث العبرية التي تعزل المتحدثين بها عن مجتمعهم. ولذا، نجد أن هذا الداعية للتنوير يقول « من بوسعه أن يخبرني عن المستقبل، لعلي آخر شعراء صهيون ولعلك آخر القراء ». وبعد تعثُّر التحديث في روسيا عام 1881، نبذ جوردون مُثُل الاندماج ولكنه لم يتبن فكرة هجرة اليهود. وفي قصيدته «أختي روحاماه» (1882)، يدعو جوردون اليهود إلى الهجرة ولكنه يرى أن الهجرة يجب أن تكون إلى الولايات المتحدة لا إلى فلسطين العثمانية. وقد وصل جوردون إلى صيغة صهيونية تشبه الصيغة الآحاد هعامية « لن يتحقق خلاصنا إلا بعد خلاصنا الروحي». وقد أشار آحاد هعام إلى دَينه الفكري لجوردون. وجوردون هو الذي أشاع عبارة « يابيت يعقوب هلم فلنسلك في نور الرب » (أشعياء2/5) التي استخدمها في مقال له عام 1866 ونادى فيها بأن يصبح اليهود جزءاً من أوربا. وقد أصبحت فيما بعد شعاراً لأعضاء جماعة البيلو الذين استوطنوا في فلسطين. ولعل هذا يبيِّن التناقض الكامن في مُثُل حركة التنوير اليهودية. وكتب جوردون نقداً لكتاب بنسكر الانعتاق الذاتي، ولكنه كان نقداً متعاطفاً، كما أنه عبَّر عن حماسه لاستعمار إنجلترا لمصر عام 1882 إذ رأى أن هذا الاحتلال سيزيد من أهمية فلسطين كممر إلى مصر ومركز للتجارة الآسيوية « وقد يجذب الحكم البريطاني كثيراً من إخواننا في الدياسبورا ليستقروا في فلسطين ليحرثوا أرضها ويبنوا السكك الحديدية ويحيوا التجارة والفنون والحرف ». ونادى بإنشاء جمعية من أجل الذاهبين إلى فلسطين، أي أنه تبنى المشروع الصهيوني بكل أبعاده. ورغم أهمية جوردون كشاعر يكتب بالعبرية، فإن كثيراً من النقاد يميلون إلى القول بأنه لم يكن شاعراً وأنه كان ناظماً للقصائد ومهيجاً اجتماعياً بالدرجة الأولى. وقد ترجم جوردون كثيراً من الأشعار الغربية إلى العبرية، وهو يُعَد من المجددين في الشعر المكتوب بالعبرية. زئيف جافتس (1847-1924) Zeev Javitz مؤرخ وكاتب وفيلسوف ديني صهيوني يكتب بالعبرية. وُلد في بولندا لأسرة ثرية واتجه إلى الكتابة الأدبية والتاريخية بعد فشله في الأعمال التجارية. كانت أولى كتاباته التي لفتت إليه الأنظار مقالة بعنوان «برج القرن» (1887) كتبها بمناسبة الذكرى المئوية لوفاة موسى مندلسون وانتقد فيها بشدة فكر حركة التنوير الداعي إلى اندماج اليهود في مجتمعاتهم. وقد استقر جافتس في فلسطين من عام 1888 حتى عام 1898 حيث عمل بالتدريس والمحاماة والصحافة. وساهم بنشاط في أعمال اللجنة التي اضطلعت بمهمة تطوير العبرية وتحديثها، حيث ذهب إلى ضرورة تطعيم العبرية بعناصر لغوية مستمدة من المشناه والتلمود والمدراش. كما وضع جافتس عدة كتب للناشئة تسرد الأساطير التلمودية نظماً، ومن بينها: تل الميلاد (1891)، أنغام من الماضي (1892)، و المعلم (1894). أما العمل الرئيسي لزئيف جافتس والذي كرس له جل حياته فهو كتاب تاريخ إسرائيل (1895 ـ 1940) الذي صدر في أربعة عشر مجلداً. وهو كتاب لا يمت بصلة إلى البحث التاريخي الحقيقي، ولكنه يعكس سعيه الدؤوب لإظهار تميُّز الدين والثقافة اليهوديين ولإثبات أن التقاليد اليهودية تشكِّل جذور التراث الإنساني بأسره. ولم يقف نشاط جافتس عند حدود كتابة المقالات والدراسات، فساهم بحماس في الحركة الصهيونية حيث كان أحد أعضاء حركة أحباء صهيون البارزين. وبعد رحيله عن فلسطين، تنقَّل جافتس بين فلنا (ليتوانيا) وألمانيا ولندن حيث شارك في تأسيس حركة مزراحي وتولَّى رئاسة تحرير صحيفتها الشهرية هامزراح (1903 ـ 1904)، ويُعدُّ أحد ممثلي التيار الأرثوذكسي في الأدب المكتوب بالعبرية في العصر الحديث وفي الحركة الصهيونية على حدٍّ سواء. ديفيــد فريشــمان (1859-1922) David Frischman أديب وشاعر يكتب بالعبرية واليديشية، وُلد في بولندا، حيث تلقى تعليماً تقليدياً وحديثاً. كان إنتاجه الأدبي غزيراً متنوعاً، حيث كتب القصة وقرض الشعر ومارس الترجمة واحترف النقد الأدبي وعمل محرراً صحفياً. تبرز في أدبه تلك التوترات التي اتسم بها أدب ما بين الجيلين الذي ظهر في فترة ما بين انحسار التنوير وظهور الصهيونية التي تبنَّى مُثُلها في أيامه الأخيرة. ومن أشهر أعمال الشعرية قصيدة «طبقان» التي لخص فيها نظرته إلى التنوير وآماله في الصهيونية، استمد مادتها من الأساطير اليهودية القديمة عن موسى. وتُعتبَر هذه القصيدة من أكثر القصائد تعبيراً عن الصهيونية في أوضح صورها، كما أنها تحمل بين طياتها دعوة صريحة إلى استعباد الشعوب الأخرى. وقد دارت أغلب قصصه حول موضوعات مستوحاة من الأساطير الشعبية اليهودية في شرق أوربا. وفيها حاول أن يعبِّر عن الواقع الاجتماعي اليهودي المعاصر له هناك، وعن التمزق بين واجب الاحتفاظ بالتقاليد اليهودية وضرورة الاندماج في المجتمع الأوربي المحيط. كما كتب عدة قصص تناولت موضوع معاداة اليهود. من أشهر أعماله القصصية معلم الحق، و في يوم الغفران . ويُعتبَر موضوع هذه القصة جديداً على الأدب المكتوب بالعبرية، حيث يتحدث فيها عن صراع الأجيال؛ الصراع بين الآباء والأبناء. تتناول هذه القصة حياة فتاة يهودية تعشق الموسيقى وتصبح مغنية شهيرة، فتهجر الجماعة اليهودية وتغني في الكنيسة، ولكنها تلقى حتفها حينما تخنقها أمها التي جُنَّت. أما قصة الرجل وغليونه فهي عن حاخام يدمن التدخين إلى درجة أنه يضطر إلى أن يخرق الشعائر الخاصة بالسبت، سراً في بادئ الأمر ثم علناً، ومن ثم يتم طرده من حظيرة الدين. ويرسـم فريشـمان هـذه الشخصيات بكثير من التعاطف. أما الراقصات، وهي تُعَدُّ من أفضل ما كتب، فقد استوحى موضوعها من التراث الديني اليهودي القديم، وهي ترمز بصورة واضحة إلى صراع الصهيونية مع القيادات اليهودية التقليدية. ومن أهم أعماله وآخرها، سلسـلة قصـص مستوحاة من العهد القديم عنوانها في البرية . وحينما عمل فريشمان مساعداً لرئيس تحرير جريدة اليوم، وهي أول جريدة تصدر في روسيا بالعبرية (1886 ـ 1887)، كتب سلسلة من المقالات تعني بالحياة اليومية والحياة الأدبية للكُتَّاب اليهود، وهي تعتبر تطويراً لفن المقال في أدب العبرية. كما نشر أعمالاً قام بترجمتها عن الآداب الغربية، وكذلك بعض أعمال نيتشه. وعمل فريشمان، كذلك، مساعداً لرئيس تحرير الجريدة اليديشية هاينت في وارسو (منذ عام 1908)، ونشر فيها قصائد وقصصاً باليديشية. وقد قام فريشمان بإدخال القيم الأدبية الغربية على الأدب المكتوب بالعبرية وحرَّر الرواية المكتوبة بالعبرية من الحبكة المفتعلة التي تسم روايات فترة التنوير. ميخــا بيرديشـفسكي (1865-1921) Micha Berdyczevsky كاتب روسي ومفكر صهيوني رومانتيكي كوني النزعة حلولي الرؤية كان يكتب باليديشية والعبرية. وُلد في مدينة ميدزيبوز الروسية، مَهْد الحسيدية في القرن الثامن عشر، ونشأ في عائلة عريقة في التدين، وكان أبوه يعمل حاخاماً، وفي سن السابعة عشرة كان بيرديشفسكي قد تلقَّى تعليماً تلمودياً كاملاً وألم بكل تعاليم القبَّالاه والحسيدية. حاول في كتاباته الأولى أن يفعل ما وصفه فيما بعد بأنه المسـتحيل: التوفيق بين التقاليد الحاخامية وحركة الاستنارة اليهودية. وفي عام 1890، انتقل إلى أوربا الغربية ليتلقى شيئاً من التعليم العلماني (المحرم). وأثرت فيه هذه الفترة القصيرة ووسمته بسماتها. ثم بدأ بعد ذلك في الترحال بين برن وبرلين حيث قضى أكثر فترات حياته إبداعاً. كتب بيرديشفسكي (اسمه الأدبي المستعار «بين جوريون») كثيراً من المقالات النقدية والقصص القصيرة والطويلة العبرية واليديشية. وتأثر بيرديشفسكي بأفكار شوبنهور بشأن علاقة الفرد بالجماعة، وتأثر أيضاً بأفكار نيتشه وبخاصة أفكاره بشأن السوبرمان أو الفرد الممتاز المتميِّز الذي يرتفع على الجماعة والتقاليد، كما تبع نيتشه في إصراره على " إعادة تقييم جميع القيم " وإخضاعها للنقد الكامل. لكل هذا نجد أن بيرديشفسكي يهاجم التقاليد اليهودية الروحية في خضوعها وخنوعها وفي تكبيلها للإنسان بالطقوس المميتة. كما هاجم بعض أدباء العبرية (بياليك وكلاوزنر) واليديشية (مندلي موخير سيفاريم) ولكنه شجع بعض الأدباء الجدد مثل حاييم برنر ممن يشاركونه رؤيته للعالم. وقد هاجم بيرديشفسكي وبشدة جماعة أحباء صهيون وهرتزل وآحاد هعام لأن الآخــير أكـد أهمية ما سـماه «القيم الروحـية»، ولعلـه لو قـرأ كتاباتـه بقليل من الإمعان لاكتشف النزعة النيتشوية القومية فيهـا، ولاكتشف أيضـاً أن مفهـوم آحـاد هعـام بشـأن «السـوبر أمـة» أو الأمة الكاملة لا يختلف كثيراً عن مفهوم السوبرمان أو الإنسان الكامل، ولاكتشف أن القومية العضوية مفهوم يجمع بينه وبين آحـاد هعام ونيتشه. كتب بيرديشفسـكي أكثر من 150 قصة بالعبرية وكتب بعض القصـص باليديشـية. وتصـوِّر قصــصه تمــزُّق اليهــودي في العـصر الحديث بين تقاليد اليهودية وروح الحضارة الغربية، والشتتل هو الخلفــية الأســاسية لعـديد من هـذه القصـص التي تتضمن نماذج بشــرية مختلفـة تجــابه مشـاكل يهــودية محــدَّدة مثـل التقـاليد الخانقـة والزيجــات الاضطـرارية المرتبــة. وتعالج القصص الدوافع الإنسانية لهذه الشخصيات في تصارُعها مع كل هذه العوائق والحواجز. وتدور معظم قصصه حول موضوعين أساسيين: 1 ـ الحياة اليهودية في المدن اليهودية الصغيرة في آخر القرن التاسع عشر التي يقسمها دائماً نهر يفصل حي اليهود عن حي الأغيار. 2 ـ حياة الطلبة اليهود من شرق أوربا في وسط أوربا وغربها وإحساسهم بالانبهار والاغتراب. ويمكن القول بأن هذين الموضوعين هما أهم موضوعين في حياة معظم المفكرين الصهاينة، بل ومعظم المفكرين والأدباء الذين تناولوا الموضوع اليهودي. وثمة صراع يدور بين الخير والشر وبين الجمال والقبح ينتهي بهزيمة الخير والجمال. فالشتتل ـ ساحة هذا الصراع ـ قد وقع في قبضة قوة عمياء قاسية. وتوجد في روايته أنماط إنسانية متكررة: امرأة ذكية رقيقة متزوجة من إنسان فظ خشن ـ رجل لا قسمات له ولا ملامح ـ طالب متمرد على أوضاع مجتمعه ـ أشخاص يقضون حياتهم يعانون من الزيجات المُرتَّبة - شخصيات متمردة على التراث اليهودي مثل المهرطقين ومدَّعي المشيحانية. ومعظم قصصه ذات طابع انطباعي تتكون من مونولوجات عاطفية مع استطرادات هي أقرب إلى المقالات. وطريقة السرد في قصصه تشكل انتقالاً من أشكال السرد الخاصة بالقرن التاسع عشر إلى الأشكال الأكثر دقة. جمع بيرديشفسكي بعض الأساطير الحسيدية، واهتمامه بالحسيدية رغم تمرُّده على التراث اليهودي يَصلُح مدخلاً لفهم فكره الصهيوني. فهو يعيد تقييم اليهودية ويذهب إلى أن اليهودية القديمة إنما هي في واقع الأمر العبادة اليسرائيلية القربانية الوثنية، التي تدور حول عبادة الطبيعة والكون والأصنام، وأن الطبقة التوحيدية (التوراتية) دخيلة على هذه العقيدة. وفي كتابه سيناء وجيرزيم، يذهب بيرديشفسكي إلى أن الجبل المقدَّس ليس جبل سيناء، وأن مؤسس العقيدة اليسرائيلية هو يوشع بن نون وليس موسى. فكأن بيرديشفسكي يطالب بالعودة إلى الوثنية الحلولية القديمة كطريقة للتحرر من اليهودية الحاخامية. فالبعث القومي بعث كوني وثني حلولي، وعلى اليهود أن يرفضوا عبوديتهم الظاهرة التي حوَّلتهم إلى أمة من الرجال الذين نضبت قواهم الطبيعية واستوُعبوا في يهودية مجردة خالية من الحياة. عليهم العودة إلى يهودية جديدة: يهودية تضع اليهودي قبل اليهودية وإسرائيل قبل التوراة، وتعيش في وئام مع الطبيعة، وتتغنى بنشيد الأنشاد الذي يحتفي بالجسد وبنشيد داود الذي يتغنى بالطبيعة السامية التي لا حدود لها، الطبيعة التي هي منبع كل شيء، منبع كل ما يحيا وروحه. هذه الوثنية الجديدة ترى أن جوهر الحياة هو السيف، بل هو تجسيدها في أعرض خطوطها المادية والجوهرية إذ حل السيف محل التوراة. وهذه العودة للطبيعة هي برنامج بيرديشفسكي لإصلاح اليهود واليهودية، وعلى حد قوله فإن الشعب المقدَّس سيصبح الشعب الحيّ. ويمكننا أن نسمي صهيوينة بيرديشفسكي «الصهيونية الطبيعية» أو «الصهيونية الكونية» أو «الصهيونية العضوية»، باعتبار أن الإنسان اليهودي سيستمد هويته وكينونته من خلال العودة للطبيعة والالتحام بها وبفقدان الذات فيها. ولكن الطبيعة التي يعود إليها هي في واقع الأمر بديل الأرض في الثالوث الحلولي العضوي في مرحلة موت الإله: الأرض ـ الإنسان ـ روح الحياة التي تربط بينهما (التي هي أيضاً العنف أو السيف). ومثل هذه الصياغة الحلولية العضوية الحيوية لا تختلف عن كثير من الصياغات اليهودية التقليدية، فاليهودية تحوي داخلها طبقة حلولية تجُبُّ الطبقة التوحيدية بحيث تحل أصنام جرزيم محل التوحيد. وصهيونية بيرديشفسكي لا تختلف كثيراً في بنيتها عن صهيونية جوش إيمونيم الحلولية العضوية، فكلاهما جعل الأرض موضع الحلول وأهم عناصر الثالوث الحلولي. ولعل هذا التشابه بين المتمرد بيرديشفسكي ومعظم الصهاينة جعله يُفسِّر سرَّ حماسه للحسيدية وقصصها. ويمكننا أن نقول إن بيرديشفسكي لا يعارض الحلولية التقليدية وإنما يعارض سكونها وحسب، وهو سكون اضطرت إليه بعد فشل كثير من الحركات المشيحانية فتحوَّلت النزعة المشيحانية العدمية المدمرة إلى توجُّه نفسي وغوص في الذات، عدميته وتدميريته كانت موجودة بالقوة، ثم تفجرت في الدولة الصهيونية وأصبحت توجد بالفعل. وقد صدرت أعمال بيرديشفسكي الكاملة في 20 جزء (1921 ـ 1925). ديفيـد شـمعوني (1866-1956) David Shimoni شاعر يكتب العبرية، وُلد في منسك (روسيا)، وهاجر إلى فلسطين عام 1909 حيث عمل حارساً وعاملاً زراعياً في إحدى المستوطنات اليهودية، ثم رحل إلى ألمانيا عام 1911 حيث تلقى تعليمه في عدة جامعات بها. وعند اندلاع الحرب العالمية الأولى عاد إلى روسيا وظل بها حتى وضعت الحرب أوزارها، ثم رحل ثانيةً إلى فلسطين عام 1921 واستقر بها حتى وفاته. ونشر شمعوني أولى مجموعاته الشعرية بعنوان البرية (1911) وأتبعها بالمجموعة الثانية العاصفة والسكون (1912)، ثم بدأ بعد ذلك نشر الأناشيد الرعوية التي اقترنت بها شهرته. وقد جُمعت أعماله ونشرت في أربعة مجلدات حملت العناوين التالية: قصائد غنائية (1925)، و أناشيد رعوية وأغان شعبية عن الحياة في فلسطين الجديدة (1927)، و ملحمة وأعمال شعرية تأملية (1930)، و شعر الترحال (1931). ويعكس شعر شمعوني قيم وهموم الجيل الثاني من المهاجرين اليهود إلى فلسطين، فرغم أنه شعر يحاول الاحتفاء ببطولات ما يُسمَّى «الرواد الصهاينة» إلا أن الإحساس بالحزن والكآبة وبحتمية المصير المأساوي يغلب عليه، شأنه في ذلك شأن معظم كتابات المستوطنين الصهاينة في فلسطين قبل قيام الدولة الصهيونية. كما يشيع في كثير من قصائده طابع تعليمي مباشر ينأى بها عن الجماليات الشعرية ويجعلها أقرب ما تكون إلى المواعظ والإشارات. وينتمي شمعوني إلى ذلك الجيل من الأدباء الذين بهرهم شعر بياليك وخلَّف أثراً واضحاً في كتاباتهم، إلا أنه لم يسع إلى تجديد شكل القصيدة ولم يغامر بالبحث عن إيقاعات وأخيلة مغايرة، ولم يتجاوز أسلوبه ذلك الأسلوب التقليدي للشعر المكتوب بالعبرية في عصره، والذي بدأت تظهر فيه بوادر اضمحلاله بجلاء نظراً لعدم قدرته على التعبير عن الواقع المتغيِّر والمضطرب. ولهذا كله جاء شعره رتيباً ونمطياً في مجمله. وبالإضافة إلى أعماله الشعرية، ترجم شمعوني إلى العبرية العديد من أعمال الكُتّاب الروس أمثال بوشكين وليرمنتوف وتولستوي. حاييــم بياليـك (1873-1934) Hayyim Bialik أهم شاعر روسي يهودي كتب بالعبرية في العصر الحديث. وُلد لأبوين فقيرين، وكان أبوه عالماً دينياً وتاجر أخشاب فقيراً. وقد عمل الشاعر نفسه بعض الوقت كتاجر أخشاب، وتزوج من ابنة رجل يعمل بنفس المهنة. قام جـده بتربيته بعـد وفاة أبيه، فدرس في مدرسة تلمودية، لكنه قرأ، في الوقت نفسه، العديد من كتب حركة التنوير اليهودية سراً. رحل بياليك إلى فولوجين، مركز الحركة الحسيدية، إذ تصوَّر خطأً أن المدرسة التلمودية في هذه المدينة تجمع بين الدراسات العلمانية والدراسات الدينية، وبقي في هذه المدرسة ثمانية عشر شهراً، وهناك بدأ في الكتابة الأدبية، والتحق بجماعة أحباء صهيون. وفي عام 1891، ذهب إلى أوديسا التي كانت آنذاك مركزاً للبعث الثقافي الروسي اليهودي حيث تعرَّف إلى "آحاد هعام" الذي شجعه على الكتابة والنشر. هاجر بياليك من روسيا السوفيتية عام 1921، ومكث ثلاث سنوات في برلين، ثم هاجر بعدئذ إلى تل أبيب. وقد درس بياليك أدب العبرية التقليدية، ولكنه في الوقت نفسه قرأ واستوعب الكثير من الأعمال الأدبية الأوربية الروسية والألمانية، وبخاصة أعمال المرحلة الرومانتيكية. ولعل الموضوع الأساسي في أعمال بياليك هو الشد والجذب بين القديم والجديد والبحث عن مخَرَج من الأزمة المستحكمة. وقد عبَّر الشاعر عن تطلعاته الصهيونية من خلال ثلاث فكرات أساسية هي: فكرة العودة إلى الأرض والطبيعة، وفكرة الماشيَّح المخلِّص، وفكرة نبذ حركة الاستنارة اليهودية وحركة الاندماج في الشعوب الأخرى. وقد استخدم الشاعر أدوات وقوالب تعبيرية متنوعة، فكتب قصائد في وصف الطبيعة وقصائد مناسبات وقصائد ذات طابع أسطوري. ويتميَّز شعره بالنبرة الغاضبة وبتواتر صور الهلاك والثأر والصور المرتبطة بآخر الأيام. من أهم قصائده قصيدتا «حقاً إن الشعب لشعب» و«في مدينة الذبح» حيث يتمرد على خنوع اليهود أمام هجوم الروس عليهم، وخصوصاً في كيشينيف، وكذلك قصيدتا «إلى الهاجاداه» و«على أعتاب بيت هامدراش» حيث يتأوه من أجل الماضي اليهودي الذي ولَّى ولم يَعُد له وجود. وقد كتب بياليك قصائد للأطفال وترجم بعض الأعمال الأدبية العالمية إلى العبرية. وكانت له نشاطات ثقافية بين أدباء التجمع الاستيطاني الصهيوني. وبعد عام 1934، أُنشئت في إسرائيل جائزة أدبية تحمل اسمه. وقد نُشرت أعماله الكاملة بالعبرية، كما تُرجمت معظم قصائده إلى الإنجليزية والفرنسية والعربية. موردخــاي فويربــرج (1874-1899) Mordecai Feuerberg أديب روسي يهودي يكتب بالعبرية، وُلد في نوفجورد لأسرة حسيدية شديدة التدين. وكان أبوه رجل دين متزمتاً. درس في صباه القبَّالاه وفلسفة يهودا اللاوي وابن ميمون. ولكنه اتجه بعدئذ للدراسات العلمانية والأدبية الحديثة المرتبطة بفكر حركة التنوير اليهودية. أدَّت هذه الدراسات العلمانية إلى غضب أبيه وتوتر علاقتهما في الوقت الذي توطدت فيه علاقته بجماعة أحباء صهيون. وقد حاول أبوه إثناءه عن هذه الارتباطات فافتتح له محل بقالة وخطب له ابنة رجل دين حسيدي آخر. لكن هذه الزيجة فشلت بسبب ضعف صحة فويربرج وإصابته بالسل. ارتحل فويربرج إلى وارسو عام 1896 محاولاً أن يصنع لنفسه اسماً في عالم الأدب العبري حيث كانت وارسو عاصمة الأدب العبري. وهناك قابل ناحوم سوكولوف الذي كان يصدر مجلة أدبية عبرية وعرض عليه إنتاجه الأدبي من شعر وقصة قصيرة، فنصحه سوكولوف بالتركيز على القصة القصيرة وترك الشعر. ونشر فويربرج قصته الأولى المسماة الحارس ياكوف عام 1897. تعرف أيضاً إلى آحاد هعام وتوثقت علاقتهما، ونشر له آحاد هعام قصصه كلها في المجلة التي كان يصدرها، واشتغل معه فويربرج مراسلاً صحفياً أعوام 1897 ـ 1899. وكان فويربرج يخطط عام 1899 لكتابة رواية تاريخية عن حياة إسرائيل بعل شيم طوف مؤسس الحسيدية في الوقت الذي أعدَّ فيه آحاد هعام رواية فويربرج الوحيدة والمسماة لماذا؟ للنشر. وكان آحاد هعام قد أدخل عليها تعديلات كثيرة بموافقة فويربرج. تُوفي فويربرج من جراء إصابته بالسل عام 1899 ولم يستطع أن يتم أياً من مشاريعه الأدبية التي كلم آحاد هعام عنها. ونُشرت روايته وبعض قصصه بعد موته. ورغم أن أعماله الأدبية ينقصها النضج الحرفي، ورغم قلة ما كتب عموماً، سواء من الأدب أو الصحافة، فإنه يُعتبَر من أهم كُتَّاب العبرية الحديثة. والموضوع الرئيسي الذي تدور حوله أعماله هي قضية الصراع بين عملية العلمنة المتزايدة وسيطرة النزعة الأوربية الغربية على اليهود من جهة والقيم الأرثوذكسية التقليدية في اليهودية من جهة أخرى. وقد استخدم القصة القصيرة الشعرية لبيان الاعترافات الداخلية لإنسان بائس وروح مُمزَّقة مهزومة وتحمل رمزاً عاماً في طياتها. وكان فويربرج يؤمن بأن وظيفة الأدب العبري هي وصف "صورة اليهودي الأصيلة" والتي تعبِّر عن حالة يهود شرق أوربا الخاصة والتي حكمتها طريقة التربية والنشأة وظروف البيئة المحيطة والتقاليد. ومرجع هذه الرؤية يعود إلى أنه كان يؤمن بأن اليهودي حالة خاصة يختلف عن غيره من البشر حتى أن ما يراه وما يحسه وما يسمعه وما يأكله ليس هو حالة الأشياء في ذاتها وإنما هو قيمة خاصة لا يعرفها ولا يحبها إلا اليهودي. ومن ثم،كان يؤمن بأن محاولة الأدب العبري التعبير عن موضوعات عامة وعالمية أو التشبه بالأدب الأوربي هي محاولة محكوم عليها بالفشل. وتعبِّر قصصه عن مجمل آرائه هذه فهي تذخر بالشخصيات المترددة التي تتأرجح بين التقاليد الأرثوذكسية اليهودية وبين قيم الحياة الأوربية العصرية، مثل ياكوف (الجندي الروسي) في قصته «الحارس ياكوف»، وناثان في روايته لماذا؟. وتمتلئ قصصه أيضاً بوصف حياة التجمعات اليهودية في أوربا الشرقية. وقد استخدم فويربرج كذلك الأساطير الحسيدية كآلية ربط بين البطل وبين التقاليد الدينية كما في قصته «في المساء» من ثلاثية ذكريات الطفولة . وتُعتبَر روايته لماذا؟، برغم الضعف البنيوي وتفكُّك اللغة واستخدام الألفاظ الرنانة والانفعالية، من أهم روايات الأدب العبري المعاصر حيث تعبِّر عن معاناة البطل وتمزُّقه بين الإيمان الديني والعلمانية ومحاولته الوصول إلى الخلاص أولاً من خلال المشيحانية ثم من خلال الإيمان بالعلم الخالص، وتنتهي الرواية بخطاب يوجهه ناثان البطل للشعب اليهودي يحثه فيه على التوجه إلى الشرق باعتبار أن تلك الفكرة هي الخلاص الحقيقي. ويُعتبَر فويربرج رائد تيار خاص في الأدب الحديث المكتوب بالعبرية معاد للفكر التنويري. جـوزيف كـلاوزنـر (1874-1958) Joseph Klausner مؤرخ وناقد يكتب بالعبرية. وُلد في أولينسك (ليتوانيا) وتلقى تعليماً دينياً تقليدياً، كما درس اللغات السامية والحديثة وعلم اللغة والتاريخ في جامعة هايدلبرج (ألمانيا) حيث حصل على درجة الدكتوراه عام 1902. ثم تولى تدريس التاريخ اليهودي في المدرسة التلمودية الحديثة في أوديسا إلى أن عُيِّن عام 1917 أستاذاً للدراسات الشرقية في جامعة أوديسا. وفي عام 1919، هاجر إلى فلسطين حيث واصل أنشطته الأدبية والبحثية حين عُيِّن عام 1926 أستاذاً لأدب العبرية في الجامعة العبرية. وفي عام 1944، عُيِّن أستاذاً لما يسمونه «تاريخ الهيكل الثاني» في الجامعة نفسها وظل يشغل هذا المنصب حتى وفاته. كما عمل كلاوزنر في مجال الصحافة حيث خلف آحاد هعام في رئاسة تحرير المجلة العبرية هاشيلواح، وظل يشغل هذا المنصب لفترة طويلة (من 1903 حتى 1926). وقد كان يشاركه في بعض الأحيان كلٌّ من حاييم بياليك ويعقوب فيشمان. وفي عامي 1933 و1934، رأس كلاوزنر تحرير المجلة العبرية بيتار لسان حال حزب الصهاينة التصحيحيين، كما أشرف منذ عام 1950 على تحرير دائرة المعارف العبرية. خلَّف كلاوزنر عدداً كبيراً من المؤلفات تتوزع بين الدراسات التاريخية والنقد الأدبي وعلم اللغة، ولكنه وجَّه جل اهتمامه إلى إحياء اللغة العبرية وتوسيع نطاق استخدامها. ومن أبرز مؤلفاته في هذا المجال كتاب اللغة العبرية لغة حية (1896) والذي دعا فيه إلى توسيع معجم العبرية لتلبية احتياجات العصر الحديث من خلال تعديل الاستخدامات اللغوية في التلمود والمشناه على أساس استخدامات العهد القديم، وكذلك كتاب موجز نحو اللغة العبرية (1935) الذي كان من المحاولات لوضع قواعد حديثة للعبرية. ومن أهم كتابات كلاوزنر مجموعة من المقالات في مجال النقد الأدبي نُشرت في ثلاثة مجلدات بعنوان الخالقون والبناءون (1925 ـ 1929)، يناقش فيها المهام الوظيفية للأدب المكتوب بالعبرية في مرحلة ما أسماه «البعث القومي»، وكذلك كتابه تاريخ الأدب العبري الحديث (1930 ـ 1950) الذي يعرض فيه إسهامات الأدباء في تطوير اللغة العبرية ثم علاقة الأدب المكتوب بالعبرية بالأدب العالمي وكذلك علاقته بما يُسمَّى «القومية اليهودية». ويستخدم كلاوزنر في هذه الكتابات الطرق التقليدية في البحث الأدبي التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر بين النقاد الوضعيين، فكان يعطي اهتماماً بالغاً للسيرة الذاتية للكاتب ولعناصر الزمان والمكان والهوية القومية بوصفها عناصر حاسمة في الإبداع الفني، إلا أن رؤيته لتأثير تلك العناصر تشوبها نزعة آلية وعنصرية. وفي تقييمه للأعمال الأدبية، ينطلق كلاوزنر في معظم الأحيان من أحكام أيديولوجية مسبقة تتسم بالثبات والصرامة، الأمر الذي يقوده إلى إغفال خصوصية العمل الفني وجمالياته واستخلاص نتائج قد تبدو مُقحَمة أو مفتَعلة. وتكشف كتابات كلاوزنر التاريخية عن ملامح فكره بشكل أكثر وضوحاً. ومن أبرز مؤلفاته في هذا المجال كتاب التاريخ اليهودي (1907)، وكتاب اليهودية والإنسانية (1910)، وكتاب تاريخ الهيكل الثاني (1949). وفي هذه الكتابات، يسعى كلاوزنر إلى تقييم أحداث الماضي لا على أساس سياقها التاريخي بل على أساس قيم الحاضر، كما يسعى إلى إثبات المقولات الأساسية التي تشكل عصب الفكرة الصهيونية مثل تميز اليهود وتفوقهم، ووجود سمات مشتركة بين الجماعات اليهودية في العالم تجعل منها شعباً واحداً له خاصية « الاستمرار التاريخي » والذي لم تَشُبه شائبة منذ بدء الخليقة حتى العصر الراهن. وبالإضافة إلى ذلك، كتب كلاوزنر بعض الدراسات المثيرة للجدل حول تاريخ المسيحية، منها كتاب يسوع الناصري: حياته وعصره وتعاليمه (1922) الذي يتناول فيه يسوع المسيح بوصفه شخصية يهودية زاعماً أنه كان يهودياً قومياً ولم يتخل عن يهوديته قط، وكذلك كتاب من يسوع إلى بولس (1939 ـ 1940) الذي يتتبع فيه تطور المسيحية استناداً إلى مصادر دينية يهودية. ورغم كل دعاوى التجرد والموضوعية في البحث، يظل مفهوم كلاوزنر للتاريخ مفهوماً أسطورياً يتحايل بكل السبل من أجل إيجاد مسوغات للمزاعم الصهيونية التقليدية، الأمر الذي جعل كتاباته تنضح بالتعصب الشديد لليهود وبالازدراء التام لكل ما هو غير يهودي في التاريخ الإنساني بأسره. ولم تكن صهيونية كلاوزنر هذه مجرد نزعة فكرية بل كانت قضية حياته بأسرها. فقد انضم في شبابه إلى حركة أحباء صهيون وكان من أنشط أعضائها، كما حضر المؤتمر الصهيوني الأول (1897) وجميع المؤتمرات التالية تقريباً حتى المؤتمر الحادي عشر. ومنذ عام 1930، قام كلاوزنر بدور بارز في صفوف حزب الصهاينة التصحيحيين ثم في حزب حيروت الذي جاء على أنقاضه. وكان يُعَدُّ أحد المنظِّرين الأساسيين للتيار الذي عبَّر عنه الحزبان. وفي عام 1949، قدمه حزب حيروت مرشحاً عنه ضد حاييم وايزمان في أول انتخابات لرئاسة الدولة الصهيونية. شاؤول تشرنحوفسكي (1875 ـ1943) Saul Tschernohvsky شاعر روسي يهودي يكتب بالعبرية، ويُعدُّ هو وبياليك قطبي الأدب المكتوب بالعبرية في روسيا. وتشرنحوفسكي هو ابن لأبوين متدينين تأثرا بأدب التنوير اليهودي، ولكنهما انضما إلى حركة أحباء صهيون. وقد أرسل الأبوان ابنهما إلى مدرسة يهودية حيث تلقى تعليماً تقليدياً ودروساً في العبرية، ثم أرسلاه بعد ذلك إلى مدرسة تجارية. ولكن الشاعر، مع هذا، قرأ عديداً من الكتب الأدبية والفكرية العالمية. ومن بين قراءاته، نجد قصص جول فيرن وألكسندر دوماس والإلياذة والأوديسة وأعمال جيته ونيتشه، جنباً إلى جنب مع التوراة والتلمود والكتب الدينية اليهودية. درس تشرنحوفسكي الطب في ألمانيا، وتزوج من سيدة روسية مسيحية من أصل أرستقراطي تقية ورعة متمسكة بأهداب دينها وتعاليمه. وبعد أن انتهى من دراسته، توجه إلى روسيا حيث مارس مهنته هناك بعد طول عناء. ولكن وضعه الطبقي تدهور، بنشوب الثورة البلشفية، وهو ما اضطره إلى الهجرة. وقد حاول تشرنحوفسكي جاهداً الحصول على وظيفة طبيب في فلسطين، ولكنه لم يفلح، فهاجر إلى برلين. وتصف قصيدته المعنونة «الماء الآسن» الآلام الروحية والجسدية لمثقف فقد مكانته بسبب النظام الاجتماعي الجديد، ولكنه يظل مع هذا يحلم بالماضي السعيد. ولم يستقر تشرنحوفسكي في فلسطين (عام 1931) إلا بعد أن حصل على وظيفة طبيب. وهناك أيَّد الغزوة الصهيونية، كما أسهم في الدعاية الصهيونية بشكل واضح. ولكنه، رغم ذلك، كانت تمر به لحظات يخامره فيها الشك فيما يفعل على نحو ما صوَّر في قصيدة «ليس لي شيء يخصني». ويمكن تقسـيم شـعر تشرنحوفسـكي إلى ثلاث نبرات أساسية: أولاً، النبرة العلمانية الحلولية الوثنية المتمردة، حيث يطرح الشاعر التراث اليهودي التقليدي جانباً ويتوحد بالوجود والكون والطبيعة ويحلم ببعث يهودي وبظهور شعب لا ينوء تحت نير الغيبيات، وتعبِّر عن ذلك قصيدتا «إلى الشمس» و«إني أعتقد». ثانياً، النبرة اليهودية القَبَلية، حيث يعبِّر تشرنحوفسكي عن إحساسه اليهودي بالانفصال عن الأغيار وبالعداء الشديد تجاههم على نحو ما يظهر في قصيدتي «باروخ المغنتسي» و«فليكن هذا هو ثأرنا». ثالثاً، النبرة الغيبية اللادينية، حيث يحاول الشاعر أن يمزج بين النبرتين السابقتين وينجح في أن يقدم رؤية صهيونية علمانية عقلانية المظهر غيبية المخبر، كما في قصيدة «أمام تمثال أبوللو». تأثر تشرنحوفسكي بأفكار المفكر الصهيوني بيرديشفسكي، ونحا منحى كنعانياً ونادى بقومية إسرائيلية جديدة منفصلة عن قومية يهود المنفى. وقد كتب تشرنحوفسكي قصصاً ومقالات وقصائد للأطفال، مقلداً كثيراً من الأشكال الأدبية الغربية من السوناتا إلى الملحمة إلى الخمريات الأناكرونية الإغريقية، وترجم كثيراً من الأشعار الغربية إلى العبرية. وهو يُعَدُّ من المجددين في الشعر المكتوب بالعبرية. جـــوزيف برينــر (1881-1921) Joseph Brenner مؤلف روسي يهودي يكتب بالعبرية واليديشية، تأثر بأعمال بيرديشفسكي وبرؤيته للحياة وبأعمال مندلي موخير سيفاريم. وتأثر، شأنه شأن كثير من المؤلفين الذين يكتبون بالعبرية في عصره، بأعمال دوستويفسكي وتولستوي ونيتشه. وُلد في أوكرانيا، ودرس في إحدى المدارس التلمودية العليا، ثم عمل ككاتب (سوفير) حيث كان يكتب رقائق التوراة والتمائم، وانضم إلى حزب البوند. وقد كتب بعض القصص من أهمها روايته القصيرة في الشتاء (1902) التي تُعَدُّ أول أعماله الروائية المهمة. عاش برينر بعد عام 1900 في وارسو، وخدم في الجيش الروسي بين عامي 1901 و1904، ولكنه هرب إلى لندن حيث نشط في جماعة عمال صهيون، ثم بدأ العمل بالطباعة والنشر والتأليف بعض الوقت ثم استقر في فلسطين حيث قام بتدريس العبرية في يافا عام 1915، ثم اضطر إلى تركها. ولكنه عاد مع القوات البريطانية واستمر في نشاطاته الصهيونية العـديدة التي كان من أهمها المسـاهمة في تأسـيس الهستدروت. وقد قُتل عام 1921 أثناء بعض أعمال المقاومة العربية ضد الاستعمار البريطاني والصهيوني. وُصفت أعمال برينر الروائية بأنها انعكاس مباشر للحياة ولحياته هو على وجه التحديد، ولذا نجد أن الراوي فيها هو الشخص الأول (المتكلم). ومهما اختلف الأسماء والشخصيات الأساسية فهم في نهاية الأمر برينر نفسه: يورمان في قصة «في الشتاء»، وأبراسون في قصة «حول النقطة»، وإليعازر في قصة «في المساء والصباح»، ويوحانان ماهاراشك في قصة «خلف الحدود»، وشاؤول جمسو في قصة «بين الحروب»، ويحزقئيل حيفز في قصة «الفرار والفشل». وتأخذ أعماله الأدبية الأشكال التالية: 1 ـ القصة الوثائقية التي تتبع منهج التعاقب التاريخي. 2 ـ المذكرات التي تم تحريرها وتحويرها. 3 ـ الراوي الذي يرى الأحداث بعينه ولكنه لا يشارك فيها. وتُقدِّم كثير من شخصيات برينر اعترافاتها وتكشف خبايا نفسها بنفسها، وهي شخصيات تُغيِّر مكان إقامتها لتكتشف أن هذا لا يجدي فتيلاً إذ أن الخلل في الداخل، ولذا فهي تنتهي بالإحساس بالمرارة تجاه نفسها وتجاه العالم. وكثير من أبطاله هم أبطال مضادون، بعضهم قد يبحث عن معنى لحياته، أو عن هويته والبعض الآخر يستسلم تماماً لقدره (من أهم أعماله رواية من هنا وهناك وهي مستوحاه من حياة جوردون الذي تتضمن شخصيته قدراً من الإيجابية والتفاؤل). حاول برينر أن يقدِّم الواقع من خلال لغة الحديث العبرية، وهي لغة لم تكن موجودة آنذاك، ولذا فقد حاول تطعيم اللغة بكلمات ومفردات من اليديشية والروسية والألمانية. كما أن بنية الجملة ذاتها كانت تعكس محاولته أن يُدخل الحياة على أسلوب العبرية الحديثة، ولذا فقد كان كثيراً ما يلجأ إلى التكرار واستخدام الجمل الناقصة وعلامات الاستفهام والتعجب وكان لا يستخدم الصور الشعرية إلا في اللحظات التي تصل الأحداث فيها إلى الذروة. هاجم برينر آحاد هعام وكان محور الصراع مفهوم المنفى. فبرينر كان يعبِّر عن وجهة النظر الاستيطانية العمالية بكل شراستها وتبلورها وتطرفها ذاهباً إلى أن يهود العالم كيان لابد من تصفيته، ومهمة اليهود هي الاعتراف بوضاعتهم منذ بدء التاريخ حتى يومنا هذا وبكل نقائص شخصيتهم. فاليهود يحيون بأية طريقة، حتى كالنمل أو الكلاب؛ يحب كل يهودي ذاته ويتكيف مع الأوضاع ويذل نفسه من أجل البقاء. والتاريخ اليهودي هو تاريخ طويل من الذل والمهانة. ثم يجيء بعد هذا آحاد هعام، المتـحدث باسـم الإثنية اليهـودية (إثنية يهود المنفى)، ويكيل الثناء للتاريخ المليء بالشهداء والوضعاء؛ وذلك التاريخ الذي تشكلت فيه الهوية اليهودية من خلال الاضطهاد والطرد، حتى ظهر في آخر الأمر شـعب يحـيا بـدون مجتمع، خــارج أي مجتمع على الإطلاق، «شعب هائم شاذ معذب لا هدف لحياته ولا استقلال لها ». وبعد هذه الصورة السلبية ليهود العالم، لم يبق سوى الخروج. ولذا، يقترح برينر إنشاء مجتمع جديد حتى يمكن تطبيع الشخصية اليهودية من داخله: « مستعمرات للعمال هذه هي ثورتنا الوحيدة ». وقد نُشرت أعمال برينر الكاملة في ثمانية أجزاء. جيكوب كاهان (1881-1960) Jacob Kahan شاعر ومسرحي يهودي روسي يكتب بالعبرية. وُلد في منسك، وتنقل بين بولندا وسويسرا وألمانيا حيث مارس نشاطاً واسعاً في مجال إحياء اللغة العبرية، فأسس في برن جمعية دولية لتطوير اللغة العبرية، وشغل في برلين منصب أمين جمعية اللغة والثقافة العبريتين. وفي عام 1930، انتُخب رئيساً لنادي القلم العبري في بولندا وظل يشغل هذا المنصب لمدة أربع سنوات. وساهم كاهان بنشاط في الحركة الصهيونية حيث كان عضواً في اللجنة المركزية للمنظمة الصهيونية التصحيحية وأحد القادة البارزين لحزب الدولة اليهودية. وفي عام 1934، هاجر كاهان إلى فلسطين واستقر فيها حتى وفاته. بدأ كاهان كتابة الشعر في سن مبكرة، وصدرت أولى مجموعاته الشعرية في وارسو عام 1903، وأتبعها بأربع مجموعات أخرى في الفترة 1905 - 1920. ثم أصدر طبعة جديدة تشمل هذه الأعمال جميعها بعنوان شباب وتجوال (1928) ومجموعة أخرى بعنوان بين الأطلال (1930). وبينما اتسمت قصائد المجموعات الأولى بالغنائية والعذوبة، جاءت المجموعة الأخيرة دعائية فجة تعكس التعطش للعنف الدموي والعدوان كسبيل لتحقيق الحلم الصهيوني، وهو ما توجزه أبيات إحدى قصائد المجموعة: « بالدم والنار سقطت يهودا، وبالدم والنار سوف تنهض يهودا ». وبالإضافة إلى الشعر، كتب كاهان حوالي ثلاثين مسرحية تناول فيها الشخصيات التوراتية الأساسية (مثل داود وسليمان وإليشع)، كما تناول دلالتهم التاريخية والأسطورية بالنسبة لمصير اليهود. إلا أن كاهان الشاعر تبوأ مكانة مرموقة في مصاف الأدباء الذين يكتبون بالعبرية في العصر الحديث حيث وصفه بياليك في مقال شهير له بأنه يفوق، في صفاء غنائيته، جميع شعراء العبرية في مطلع القرن العشرين. أما كاهان المسرحي فهو في نظر معظم النقاد لا يعدو أن يكون مجرد كاتب لحكايات ساذجة تقوم على المصادفات المفجعة. ولم يكن كاهان واعياً بصراع القوى السياسية المختلفة، فاعتقد أن من الممكن صهر اليهودية في بوتقة الحضارة العالمية وتخليصها مما سماه « التقاليد البالية وشوائب المنفى». وقد عبَّرت أشعاره عن الحنين الجارف إلى الماضي اليهودي السحيق، والرغبة في تحقيق السعادة التي طال انتظارها، وذلك من خلال بعث هذا الماضي. وقد نُشرت أعماله في أربعة عشر جزءاً. يهــودا قرنــي (1884-1949) Yehuda Karni شاعر وصحفي روسي يهودي يكتب بالعبرية. وُلد في منسك، وانخرط في الحركة الصهيونية في سن مبكرة، حيث ساهم بنشاط في حركة عمال صهيون، وحضر عدة مؤتمرات صهيونية ممثلاً لها. وفي عام 1921، هاجر إلى فلسطين وواصل فيها أنشطته الأدبية والصهيونية، وعمل منذ عام 1923 وحتى وفاته ضمن هيئة تحرير صحيفة هاآرتس. غلب على شعره المبكر الطابع الذاتي المجرد والتأثر الشديد بشعر كلٍّ من بياليك وتشرنحوفسكي، أما القصائد اللاحقة فتعكس التشبع بالأفكار والتقاليد الصهيونية والتطلع إلى تحقيق الحلم الصهيوني بإقامة الدولـة على « أرض الوعـد »، ويظـهر ذلك بوضـوح في مجموعاته الشعرية: بوابـات (1923)، و وطــن على بوابـاتك (1935)، و أغاني القدس (1948). وفي هذه المجموعة، وفي كثير من القصائد الأخرى، يقدم الشاعر مدينة القدس بوصفها رمزاً أبدياً لليهود ولقدرهم الحتمي. أما مجموعته الأخيرة أغاني ودموع (1948)، فقد كرسها لرثاء ضحايا المذابح النازية من اليهود. ولا تخلو مقالات قرني من الطابع الرثائي الذي ساد شعره، حيث خصَّص قسطاً كبيراً منها للبكاء على ما آل إليه مجتمع المستوطنين اليهود في فلسطين، حيث اكتشف الكاتب أنه أبعد ما يكون عن صورة المجتمع الفردوسي الذي حلم به المستوطنون الأوائل. ديبـــورا بــارون (1887-1956) Devorah Baron كاتبة قصص روسية يهودية تكتب بالعبرية. وُلدت في منسك، لأسرة متدينة، وكان أبوها حاخام المدينة. وقد أثر الجو الديني الذي نشأت فيه تأثيراً كبيراً في تكوينها الأدبي وفي مفاهيمها الثقافية. وهاجرت بارون إلى فلسطين عام 1911 وتزوَّجت من أحد قادة الصهيونية العمالية، وأخذت تشارك في تحرير الملحق الأدبي لمجلة هابوعيل هاتسعير (العامل الفتي). وفي عام 1915، نفتها الحكومة التركية إلى مصر، ثم عادت إلى فلسطين بعد انقضاء الحرب العالمية الأولى واستقرت هناك حتى وفاتها. ومن أبرز أعمال بارون مجموعة قصص قصيرة بعنوان حكايات (1927)، ومجموعة أخرى بعنوان أشياء صغيرة (1933) نالت عنها جائزة بياليك في الأدب عام 1934، وكانت أول أديبة تحصل عليها. والموضوعات المحورية لقصص هاتين المجموعتين هي ذكريات الطفولة وحياة التجمعات اليهودية في شرق أوربا في مطلع القرن العشرين، وكذلك ملامح الأحياء اليهودية التي تصورها الكاتبة بوصفها جزراً منعزلة يشيع فيها الإحساس بالوحدة وسط عالم غريب يملؤه الفقر والعداء لليهود. وتَغلُب على شخوص قصصها مشاعر الخوف والرعب إزاء نهايتهم المأساوية الحتمية، وهي سمة تسود معظم الأعمال الأدبية التي كتبها المستوطنون اليهود في فلسطين قبل قيام الدولة الصهيونية. أما أسلوب الكاتبة، والذي تأثر بتقاليد القصة الأوربية في القرن التاسع عشر، فيجمع بين الواقعية والانطباعية مع مسحة خيالية واضحة تخلع على كثير من أحداث قصصها طابع المصادفات المفجعة. وقد كان آخر ما نُشر لبارون في حياتها مجموعة قصصية بعنوان منذ الليلة الأخيرة (1956)، تصف فيها واقع التجمع الاستيطاني اليهودي على أرض فلسطين أثناء الحرب العالمية الثانية وكيف وضع المستوطنون أنفسهم في خدمة القوات البريطانية لمواجهة الزحف النازي مقابل الدعم البريطاني لمشروع الصهيونية. وقد تُرجمت لها إلى الإنجليزية مجموعة قصص قصيرة صدرت تحت عنوان طريق الشوك (1969). جيكوب ستاينبرج (1887-1959) Jacob Steinberg شاعر وكاتب قصة روسي يهودي يكتب بالعبرية. وُلد في أوكرانيا، ولا نعرف سوى القليل عن المراحل الأولى في حياته من خلال قصصه ورواياته القصيرة حيث يصور الفقر والمعارك العائلية والتمرد على التقاليد والهروب إلى المدينة. فرَّ ستاينبرج وهو بعد في الرابعة عشرة من عمره إلى أوديسا حيث قابل بياليك وزلمان شنياؤور، ثم انتقل إلى وارسو عام 1903 حيث نشر أولى قصائده العبرية وكتب في الصحافة العبرية واليديشية. استقر ستاينبرج في فلسطين مع بداية الحرب العالمية الأولى حيث توقف عن الكتابة باليديشية واستمر في الكتابة بالعبرية. ومنذ عام 1942، أصبح أحد محرري المجلة التي كان يصدرها اتحاد الكتاب العبريين. من أهم مصادره الأدبية أشعار فرلين وبودلير والكُتَّاب الواقعيين الروس. وكان شعره يبتعد عن التقريرية والمباشرة ويمور بالضجر والإحساس بتخثُّر الأشياء، وثمة إشارات عديدة للمقابر والسم والألغاز، كما يمتلئ شعره بالتناقضات (وهو ما يدل على أثر بودلير العميق). وانطلاقاً من رؤية بودلير للشاعر، يذهب ستاينبرج إلى أن مهمة الشاعر هي اكتشاف علاقات التناظر (بالإنجليزية: كورسبندانس correspondence) الأساسية في الكون. فالقياس يبيِّن أن ثمة نظاماً في العالم وأن ذلك لم يتم بالصدفة، والشاعر هو القادر على اكتشاف علاقات التناظر الكامنة. ولذا، فإن الشاعر هو القادر على المواءمة بين المتناقضات دون تقليل عنصر التوتر بينها، ذلك أن عنصر التوتر هذا مفتاح الوجود وسر الحياة. ويتسم أسلوب ستاينبرج بإيقاعاته التوراتية وبحدته. كما أن رؤيته الأدبية رؤية صهيونية تماماً، فهو يرى أن تاريخ الأدب العبري هو عملية اغتراب تدريجية من البيت الشعري المفرد المحدد الذي يُولِّد الحياة، وأن عدم اهتـمام اليهود بالأبعاد الجمالية هو علامة على أنهم شـعب لا جذور له. ولذا، فإن مستقبل الشعر العبري مرتبط عنده بمستقبل الشعب اليهودي. وفي الواقع، فإن عودة الشعر العبري إلى بيت الشعر الحيوي يتضمن عودة اليهودي إلى الحياة الطبيعية، أي أن نقده لتقاليد الأدب العبري مرتبط تماماً بالنقد الصهيوني ليهود الدياسبورا، والحل في كلتا الحالتين هو العودة. وقد تأثر ستاينبرج كذلك بأصحاب مدرسة الصورة الشعرية (بالإنجليزية: إيمجيستس Imagists) الذين طالبوا الشعراء بالبُعد عن الخطابية وأن يكون الشعر مُكوَّناً من صور متعيِّنة موجزة هي ذاتها تولِّد المعنى. وكعادة بعض الأدباء المفكرين اليهود، اكتشف ستاينبرج هذا الاتجاه في التراث اليهودي، فالعبرانيون القدامى لم يمتلكوا ناصية المعمار أو النحت ولكنهم امتلكوا ناصية نحت الأفكار المجردة على هيئة كلمات. وهذه ـ حسب تصور ستاينبرج ـ هي ميزة اللغة العبرية، فكلماتها أحجار صلبة منحوتة وليست رملاً لا شكل له كما هو الحال في اللغات السلافية أو الألمانية. ومرة أخرى، نلاحظ النمط الصهيوني، فهو يعود لتاريخ العبرانيين القدامى ويكتشف هوية يهودية خالصة مختلفة عن هوية الأغيار متجسدة في اللغة. كتب ستاينبرج عشرين قصة عن حياة اليهود في الشتتل في أوكرانيا، وهي تصور حياة مليئة بالإحباط والحب الفاشل والقذارة. وتنتهي هذه القصص عادةً بالموت والهزيمة والانتحار وبالعاطفة المشبوبة التي تُحبَط فتتحول إلى قوة من قوى الهدم. والقصص كلها دراسات (صهيونية) في اليهودي الذي لا جذور له. وستاينبرج يقف هنا ضمن عدد كبير من كُتَّاب العبرية أمثال حاييم برينر ومندلي موخير سيفوريم ممن يرون اليهود باعتبارهم جماعةً حُكم عليها أن تعيش خارج مسار الطبيعة وعليها أن تعيش من أجل الموت بسبب غياب أي هدف دنيوي يمكنها أن تكرس نفسها له. ورفض ستاينبرج ليهود العالم (يهود المنفى) رفض كامل، ولذا فهو يصفهم بأنهم «أشباح مشوهة » ولا علاج للأشباح المشوهة إلا بالعودة للأرض لتشفى من مرض الموت. وقد نُشرت أعماله الكاملة في ثلاثة أجزاء (1937)؛ يضم الجزء الأول منها أشعاره، والجزء الثاني قصصه القصيرة، أما الجزء الثالث فيضم المقالات. زلمــان شــنياؤور (1887-1959) Zelman Shneour شاعر وروائي وكاتب مسرحي روسي يهودي يكتب بالعبرية واليديشية. وُلد في روسيا البيضاء لأسرة حسيدية وكان أبوه يعمل في تجارة المجوهرات. تلقى شنياؤور تعليماً تقليدياً وأصبح على دراية بالتراث الحسيدي وكان اخوته من دعاة التنوير فتأثر بفكرهم وترك أهله وهو بعد في سن الثالثة عشر وبدأ حياة من التجوال. قضى بعض الوقت في أوديسا حيث تعرَّف إلى بياليك ثم استقر في وارسو لبضعة سنوات حيث عمل في دار نشر عبرية كما عمل سكرتيراً خاصاً لأيزاك بيريتس. وهناك قابل فريشمان الذي أصبح صديقه وأستاذه. ثم ذهب إلى فلنا حيث تعرَّف إلى بعض كبار مثقفي اليديشية. ويبدو أنه أحب هذه المدينة فكتب عنها قصيدة طويلة، ومنذ ذلك الوقت أصبح يكتب بالعبرية واليديشية. وساهم بالكتابة في العديد من المجلات العبرية واليديشية. توجه شنياؤور بعد ذلك إلى سويسرا حيث كتب (عام 1908) قصيدة غنائية طويلة بعنوان «في الجبال» تتناول الموضوع الرومانتيكي المألوف: التناقض بين الطبيعة الحرة التلقائية والمدينة الكئيبة المكبلة بالتقاليد المصطنعة. ثم ذهب إلى باريس حيث درس في السوريون بعض الوقت. وقد سافر منذ عام 1908 حتى عام 1913 في أوربا (وزار المغرب العربي)، وأثناء هذه الفترة كتب مجموعة قصائد بعنوان «على أنغام الماندولين» (1912) حيث يعبِّر الشاعر عن حبه العميق « لفتاة إيطالية سمراء لوحتها الشمس» سحرته بجمالها ويطلب منها أن تعزف له على آلة الماندولين. ومع هذا يتذكر الشاعر أن أسلافها هم الذين حطموا الهيكل وتسببوا في تشتت الشعب اليهودي. وموقفه المبهم هذا، الذي يتأرجح بين الحب والكراهية، هو تعبير عن موقفه من الأغيار ككل. وفي قصيدة «إيقـاعات إسـرائيل» (1912) يصـف شـنياؤور « انتقام اليهـود من الأغيار»، وهو انتقام يتم في عالم الروح إذ أن اليهودي منحهم اليهودية، هذه الديانة التي فرضت عليهم مفهوماً للإله أبعدهم عن آلهتهم الحسية الجميلة أي أن التوحيد اليهودي هو تعبير عن نقمة اليهودي على عالم الوثنية الحلولي الجميل. وفي عام 1913 أثناء محاكمة بيليس كتب شنياؤور قصيدة بعنوان «العصور الوسطى ستعود» يحذر فيها اليهود من الانخداع بمظاهر التقدم والتسامح، إذ أن الكراهية والحروب ستعود مرة أخرى. ومع بداية الحرب العالمية الأولى، كان شنياؤور في ألمانيا فدرس الطب في برلين وعمل في مستشفى، وأسس داراً لنشر الكتب العبرية. ولكن بعد تفرُّق أدباء العبرية استقر في باريس عام 1923 وظل مقيماً هناك حتى عام 1940 (مع وصول القوات النازية) ثم فر إلى الولايات المتحدة. وعند إعلان دولة إسرائيل لم يهاجر إليها على الفور إذ أنه لم يستوطن في فلسطين المحتلة إلا عام 1951. وينتمي شنياؤور لهذا الجيل من المؤلفين الصهاينة الذين ينم أدبهم عن كره عميق لليهودية ويهود المنفى (أي كل اليهود في كل أنحاء العالم) ويطرحون بدلاً من ذلك رؤية علمانية مبنية على قيم القوة والبطش، ففي رواية نواه باندري (باليديشية) يُقدِّم شنياؤور شخصية نواه (نوح) باعتباره نموذجاً لليهودي الجديد الذي لم يتلق تعليماً دينياً، فهو ليس حزمة أعصاب يخاف من ورقة الشجر التي تحملها الريح. وهو يهودي بالعرْق والوراثة (لا العقيدة)، قوي لا يهاب؛ يداه هي يدا عيسو تكسب له احترام الأغيار الذين كانوا يظنون أن اليهودي جبان بطبعه يعيش حياة روحية محضة. وفي قصيدة «اللوحات المُخبَّأة» يتخيل شنياؤور أنهم أثناء التنقيب عن الآثار في فلسطين قد يجدون بعض الأعمال التي كتبها أعداء التراث الديني التقليدي، أعمال مثل الكتب الخفية (أبوكريفا) ومثل نشيد الأنشاد وسفر الأمثال التي حاول الحاخامات منع نشرها ولكنها نجت من هذا المصير بأعجوبة وتم تضمينها في العهد القديم. والقصيدة أثارت الكثير من النقاش فهي تروي تاريخ إسرائيل بطريقة تختلف عن الرواية التوراتية، تشبه رؤية قورح والصدوقيين وغيرهم ممن يقفون خارج التراث ويحاولون تقويضه. إن شنياؤور يشن هجوماً عنيفاً على اليهودية البالية التي شاخت وتحجرت وعلى التراث اليهودي وعلى التاريخ اليهودي ولكنه يصر مع هذا على انتمائه اليهودي الإثني، الذي لا وجود له خارج هذا التاريخ اليهودي الوهمي. ولهذا نجد أن شعره يزخر بالتناقضات، فقصائده تجمع بين النزعة الحسية الواضحة والنزعة التشاؤمية التي لا ترى في الحياة إلا وهماً فارغاً. ورغم تمرُّده على سائر أشكال الضعف والخنوع، إلا أنه يبدو يائساً ومستسلماً تماماً إزاء المصير الإنساني المأساوي المحتوم. وكثيراً ما يأتي ذكر شنياؤور، إلى جانب بياليك وتشرنحوفسكي، بوصفه أحد " الثلاثة العظام " في الأدب الحديث المكتوب بالعبرية، ولكنه يفوقهم من ناحية غلبة الطابع الحسي في شعره. ومن مؤلفات شنياؤور الأخرى قصائد للأطفال (1908)، والجسور (1923)، و الرؤى (1924)، و فصول الغابة (1933)، وكلها مجموعات شعرية. ومن مؤلفاته القصصية من الحياة والموت (1910)، و المضايق (1923)، وكلها بالعبرية. أما مؤلفاته اليديشـية (التي تفـوق في غزارتها مثيلتها بالعـبرية) فمـن بينهـا: أعماله الكاملة (1909)، و موت ـ من مذكرات منتحر مجنون (1909)، ورواية نابليون والحاخام التي صدرت لها ترجمة فرنسية عـام 1943. ومعظـم أعماله اليديشـية نُشـرت في صحف ومجلات متنوعة، ولم يظهر منها على هيئة كتب إلا عدد قليل. وقد تُرجم كثير من أعمال شنياؤور إلى اللغات الأوربية، وقام هو نفسه بترجمة كثير من مؤلفاته اليديشية إلى العبرية. إليشـيفا (1888-1949) Elisheva إليشيفا بيخوفسكي هو الاسم الأدبي للكاتبة إليزافيتا جيركوفا، وهي أديبة روسية غير يهودية تكتب بالعبرية. وبدأت حياتها الأدبية بالكتابة بالروسية فنشرت مجموعتين شعريتين هما: دقائق (1919)، أغان خفية (1919). تزوجت من روسي يهودي في عام 1920، وهاجرت معه إلى فلسطين حيث استوطنا فيها. واتجهت إلى الكتابة بالعبرية، فنشرت أعمالاً أدبية متنوعة أهمها: قصائد بعنوان كوب صغير (1926)، ومجموعة قصص بعنوان قصص (1928)، وقصة بعنوان حادثة تافهة (1929)، ورواية بعنوان الحارات (1929)، ودراسة بعنوان الشاعر والإنسان عن الشاعر الروسي ألكسندر بلوك (1929)، ثم قصائد (1946). كما ترجمت إلى الروسية بعض الأعمال الأدبية المكتوبة بالعبرية. كانت إليشيفا تُبدي إعجاباً شديداً بقيم اليهودية، كما أبدت تعاطفاً مع دعاوى «القومية اليهودية» (أي الصهيونية)، إلا أنها ظلت متمسكة بعقيدتها المسيحية ولم تتحول إلى اليهودية. ورغم أن إليشيفا ليس لها أية أهمية، إلا أنها تثير قضايا منهجية عديدة. فالتصور العام أن الآداب المكتوبة بالعبرية هي جزء مما يُسمَّى بالأدب اليهودي، وأنه تعبير عن الهوية اليهودية، ولكن ماذا لو كتب أديب بالعبرية عن مواضيع غير يهودية أو كتب أدباً معادياً لليهود واليهودية؟ هل يظل هذا أدباً يهودياً؟ وهناك القضية الأخرى وهي: هل الأعمال الأدبية المكتوبة بالعبرية تشكل أدباً عبرياً أم آداباً مكتوبة بالعبرية؟ وتثير إليشيفا كل هذه القضايا وبحدة، فهي روسية مسيحية أرثوذكسية ظلت متمسكة بعقيدتها المسيحية رغم أنها كانت تكتب بالعبرية ورغم أنها هاجرت إلى فلسطين واستوطنت فيها، ولابد أنها كانت تدور داخل إطار التقاليد الأدبية الروسية، أي أنها ظلت مسيحية من ناحية العقيدة، روسية من ناحية الانتماء الأدبي، وهو ما يجعل العبرية مجرد أداة لغوية. وهي، في هذا، تشبه أنطون شماس الفلسطيني العربي الذي كتب رواية بالعبرية وأصبح من رواد الأدب العبري في إسرائيل! آشــير بــاراش (1889-1952) Asher Barash روائي وناقد يكتب بالعبرية. وُلد في جاليشيا واستقر في فلسطين منذ عام 1914. بدأ الكتابة الأدبية في سن مبكرة باللغة اليديشية، وكتب بعض أعماله الأولى باللغتين الألمانية والبولندية ثم تحوَّل بعد ذلك إلى الكتابة باللغة العبرية شعراً ونثراً. وتتناول بعض قصص باراش حياة مهاجري الموجة الثانية إلى فلسطين وواقع ما بعد تأسيس الدولة الصهيونية، ويتبدَّى في بعضها الآخر نزوع إلى ذكريات الحياة الأولى التي خلفها في جاليشيا. يغلب على قصصه طابع السرد التقليدي والوصف البسيط الذي لا يخلو من مضامين عقائدية موجَّهة. ففي روايته الحب المنبوذ (1930 ـ 1938)، يحاول الكاتب أن يصل بالقارئ إلى نتيجة محددة مفادها أن مجتمع الأغيار حاقد وشرير، وأنه لا سبيل إلى التعايش الطبيعي بين اليهود وغيرهم. إن علاقة الحب بين فتى يهودي وفتاة من الأغيار تصل إلى طريق مسدود، ويكون الحل الذي تقدمه الرواية هو زواج الفتاة من شرطي معاد لليهود. كتب باراش عدة أعمال نقدية أبرزها كتاب نظرية الأدب (1931) وهو محاولة لتقديم نظرية منهجية عن أدب العبرية، بيد أنه لم تَعُد له قيمة تذكر نظراً للطابع المطلق والجامد لكثير من أحكامه. كما ترجم باراش إلى العبرية بعض الأعمال الأدبية الإنجليزية والألمانية فضلاً عن يوميات هرتزل. مناحــــم ريبالــــو (1896-1953) Menahem Ribalow صحفي وناقد أدبي روسي يهودي يكتب بالعبرية. تلقَّى تعليمه في إحدى المدارس التلمودية ثم في جامعة موسكو. هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1921 واستقر فيها. وفي عام 1923، اختير رئيساً لتحرير المجلة الأسبوعية العبرية هادوعار التي كانت تصدر في نيويورك، وظل يشغل هذا المنصب حتى وفاته. وتناول ريبالو في مقالاته، (التي كان يوقعها باسم مستعار هو «م. شوشاني») العديد من قضايا الأدب الحديث المكتوب بالعبرية وخصوصاً الشعر. ساهم بقسط وافر في حركة إحياء اللغة العبرية وفي مجال خلق جسور التفاهم بين الأدباء الذين يكتبون بالعبرية وأولئك الذين يكتبون باليديشة في الولايات المتحدة. كما تولى منصب الرئيس المناوب للاتحاد العالمي للعبرية (مع إسحق بن تسفي). شارك ريبالو في تحرير الكتاب السنوي ليهود أمريكا منذ عام 1931 وحتى عام 1949، فضلاً عن تحرير عدد من المختارات الأدبية العبرية. وقد جُمعت مقالاته وظهرت في خمسة مجلدات تحمل العناوين التالية:كتاب مقالات (1928)، و أدباء وشخصيات (1936)، و كتابات ولفائف (1942)، وفي صحبة شجرة السلوى حتى الربيع (1950)، و من عالم إلى عالم (1955). إسـحق لمــدان (1896-1953) Isaac Lamdan شاعر روسي يهودي يكتب بالعبرية. وُلد في أوكرانيا وتلقى تعليماً تقليدياً وعلمانياً.وقد دفعته مآسي الحرب العالمية الأولى إلى التعاطف مع الأفكار الشيوعية، فتطوع في الجيش الأحمر عند اندلاع الثورة البلشفية، ولكنه لم يلبث أن اكتشف عدم إمكان التوفيق بين انتمائه اليهودي والانتماء إلى حركة اشتراكية ثورية فهاجر إلى فلسطين عام 1920 حيث عمل حيناً في المزارع ورصف الشوارع، وهو ما أتاح له فرصة التعرف على هموم الجيل الثالث من المهاجرين اليهود إلى فلسطين وجعله يشعر بخيبة أمله في كثير من الوعود والآمال البراقة للحلم الصهيوني، ذلك الشعور الذي انعكس في بعض قصائده. ومنذ عام 1934، تفرغ لمدان للكتابة، وأسَّس مجلة أدبية شهرية باللغة العبرية. ومع أنه رفض إخضاع مجلته لأية جماعة سياسية، إلا أنها كانت منبراً لأشد الآراء تعصباً وعنصرية. أثارت قصائد لمدان المبكرة، والتي نُشرت في الصحف والمجلات الصهيونية، اهتماماً ملحوظاً، وعلى الأخص قصيدته الملحمية الطويلة ماسادا (1927) التي يستعرض فيها بشكل أقرب إلى الرثاء ما حل باليهود عبر التاريخ. وتتميَّز هذه القصيدة، وكثير من قصائد لمدان، بغلبة التعبيرات البلاغية الانفعالية ونبرة التعصب المتشنج على المهارة الفنية. أما مجموعاته الشعرية الأخرى، وأهمها العدة الثلاثية (1930)، و في ممر العقارب (1945)، فلم تحظ بالنجاح الذي صادفته ماسادا رغم أنها جاءت أقل فجاجة في نزعتها الدعائية. وبالإضافة إلى كتابة الشعر، ترجم لمدان إلى العبرية بعض مؤلفات ماكس برود وجوزيف كونراد وجاك لندن وغيرها. |
|
#128
|
|||
|
|||
|
الباب التاسع: الأدب اليديشـي
الأدب اليديشـــــي Yiddish Literature إذا كان يَصُعب الحديث عن «أدب عبري» حتى عام 1948، باعتبار أنه أدب يتبع عدة تشكيلات حضارية مختلفة، فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى الأدب اليديشي المرتبط بتشكيل حضاري واحد في شرق أوربا، روسيا وبولندا على وجه الخصوص. ولذا، فإن مصطلح «الأدب اليديشي» مقدرة تفسيرية وتصنيفية عالية، خصوصاً إن ذُكر الانتماء القومي للكاتب باليديشية (بولندي، روسي،... إلخ). وظهرت أول أعمال أدبية يديشية في القرن السادس عشر، وكانت ترجمات للآداب الغربية وكُتُب الصلوات. وقد استخدم بعض دعاة حركة التنوير اللغة اليديشية، بدلاً من العبرية، كلغة للتعبير الأدبي باعتبار أنها لغة حية وتتحدث بها الجماهير اليهودية من يهود اليديشية. ثم ظهر أساطين الأدب اليديشي وأهمهم إسحق بيريتس، وشالوم عليخيم، ومندلي موخير سيفوريم، الذين كتبوا أعمالاً روائية بالأساس. كما ظهر مسـرح يديشـي عام 1870 (مع تعـثُّر التحديث في الإمبراطورية الروسية)، ولكنه لم يتطور وينمو إلا في الولايات المتحدة والأرجنتين حيث حمل المهاجرون الروس اليهود اللغة أو اللهجة اليديشية معهم، والتي أصبحت لغة الشارع اليهودي في المهجر. وكانت هناك مراكز للأدب اليديشي أينما هاجر يهود اليـديشـية، لكن المركز الأساسي كان في بولندا وروسيا ثم الولايات المتحـدة. وربما كان الاستثناء الوحيد من القاعدة هو فلسطين حيث كانت المؤسسة الصهيونية تعارض اللغة اليديشية. تمتع الأدب اليديشي بمرحلة من الازدهار والإبداع الأدبي ساعد عليها حزب البوند والتنظيمات العمالية اليهودية التي تبنت اليديشية كلغة للجماهير اليهودية في شرق أوربا. لكن فترة الازدهار هذه كانت قصيرة للغاية، فاليديشية لم تُستخدَم كلغة للتعبير الأدبي إلا في نهاية القرن التاسـع عشـر، أي أنه لم يكـن هناك تراث أدبي يديشي. وبعد نهاية الحرب العالمية الأولى، ظهرت عوامل حضارية وسياسية قضت على فرص هذا الأدب في التطور من أهمها أن يهود اليديشية أنفسهم اندمجوا في محيطهم الحضاري (السوفيتي والأمريكي)، واختفت اليديشية كلغة للتعامل. كما أن العقول المبدعة من بين أعضاء الجماعات اليهودية تبدع عادةً من خلال التشكيل الحضاري الذي تنتمي إليه ومن خلال لغة المجتمع الذي تعيش في كنفه، خصوصاً إذا كان المجتمع متسامحاً معهم، ويتيح لهم بعض فرص الحراك الاجتماعي والاقتصادي. ولذا، يُلاحَظ أن أساطين الأدب اليديشي الذين ماتوا مع أواخر الحرب العالمية الأولى، مثل: بيريتس (1915) وشالوم عليخيم (1916) ومندلي موخير سيفوريم (1917)، لم يَخلُفهم أحد في مستواهم الأدبي. ومما لا شك فيه أن الإبادة النازية لليهود، خصوصاً يهود اليديشية، والتصفيات الستالينية في الاتحاد السوفيتي، ساهمت في القضاء على كثير من كُتَّاب اليديشية. ولكن يظل العنصر الأساسي اختفاء جماهير اليديشية. ولذا، لم يَعُد من المجدي للأدباء الكتابة بهذه اللغة، ونجد كاتبـاً مهـماً وشــهيراً (مثـل باشيفـيس سـنجر) ينتقل إلى الكتــابة بالإنجلــيزية، أو يكتـب باليديشـية مدركاً أن عمله الأدبي سيترجــم إلى الإنجليزيــة. هــذا، رغـم عدم تعرض يهود الولايات المتحــدة لإبادة أو تصفية أو اضطهاد. وكانت تَصدُر في الاتحاد الســوفيتي مجلة سوفيتيش هايملاند، وهي مجلة أدبية يديشية. منــدلي موخــير ســفوريم (1836-1917) Mendle Mocher Sephorim أديب يكتب بالعبرية واليديشية اسمه الحقيقي «شالوم جيكوب أبراموفيتش»، أما اسمه الأدبي فهو «مندلي موخير سفوريم» وهي عبارة عبرية تعني «مندلي بائع الكتب». وُلد في روسيا وتلقى تعليماً تقليدياً. ويُعَدُّ مندلي أحد مؤسسي الأدب اليديشي. قابل وهو بعد في سن السابعة عشرة متسولاً يُسمَّى أبراهام الأعرج أقنعه بأن ينضم إلى جماعة المتسولين التي كان يرأسها أو يديرها. وبعد فترة من التسول والتنقل بين المدن، فرَّ مندلي من الجماعة والتقى بأحد دعاة حركة التنوير الذي لقنه تعليماً حديثاً بما في ذلك الروسية والألمانية والرياضيات وأثر فيه تأثيراً عميقاً إذ استوعب مندلي مُثُل الحركة والفلسفة الوضعية. ودعا مندلي إلى علمنة أسلوب حياة اليهود، وكان من أوائل دعاة حركة التنوير ثم الصهيونية. تأثر مندلي بأعمال تورجينيف وفيكتور هوجو، وكتب بالعبرية دون أن يحالفه النجاح. وفي عام 1864، قرر أن يكتب باليديشية وهو قرار كان يُعَدُّ خطوة جريئة نظراً لأن اليديشية كان يُنظَر إلىهــا باعتبـارها رطانة فاسدة لا تستـحق أن يكتب بها المثقفون، كمـا لـم يكن هنــاك أدب جـاد مكتـوب بهـا إذ اقتــصرت الأعمـال المكتـــوبة بهـذه الرطـانة على الصلـوات وبعـض القصـص الشعـبية. ولكـن مندلي ارتأى أن هذه هي لغة الجماهير اليهودية التي يجب أن يصل إليها. وحتى ينجز ذلك، خلق شخصية أدبية هي شخصية بائع كتب، واختار لنفسه هذا الاسم الأدبي الذي اشتهر به. أحدثت كتاباته ثورة في عالم الأدب اليديشي، إذ صور الجيتو بطريقة واقعية وشاملة: شخصياته وعاداته ونكاته ومآسيه، ولكنه كان تصويراً مشوباً بالتعاطف رغم قسوته في الوصف. وكان من أوليات أعماله اليديشية رواية الرجل الصغير (1864)، ومسرحية ضريبة اللحم (1869)، وهي مسرحية انتقادية يسخر فيها من المؤسسة اليهودية التي صارت أداة في يد القهر القيصري. ومن أهم أعماله الأخرى فيشكه المتسول (1869) التي تستند إلى تجربته الشخصية وتروي قصة حب حزينة بين فشكه وفتاة متسولة. أما رواية المهر العجوز (1873)، فهي قصة رمزية عن تجربة يهود شرق أوربا، أي يهود اليديشية. وعاد مندلي إلى الكتابة بالعبرية بعد عام 1886 وحقق نجاحاً لا بأس به. وكانت أولى رواياته العبرية هي مكان الرعد الخفي (1886). ومن أهم أعماله الأخرى بالعبرية الحلقات التلمودية السماوية والأرضية (1894 - 1895) حيث يصف انقسام أعضاء الجماعة اليهودية بين الاندماجيين والأرثوذكس والصهاينة ويقدم وجهات نظرهم المتصارعة. ويظهر المؤلف نفسه كأحد شخصيات الرواية، ولكن موقفه يتسم بالتردد، فيدافع عن حركة التنوير تارة وعن الأرثوذكسية طوراً وعن الصهيونية مرة ثالثة. ولكن، مع هذا، يمكن القول بأن ما يسم أعماله ليس تردده وإنما سخريته العميقة من حياة أعضاء الجماعة اليهودية في شرق أوربا، الأمر الذي حدا ببعض النقاد إلى المطالبة بتطهير قصصه من تلك الفقرات التي يعدونها شرسة في هجومها. وقد ترك مندلي أثراً عميقاً في الأدباء الذين كتبوا بالعبرية واليديشية من بعده. إسحق بيريتس (1851-1915) Isaac Peretz شاعر ومؤلف وُلد في بولندا وكتب بالعبرية واليديشية. تأثر بالفكر الحسيدي في مقتبل حياته، لكنه اطلع على فكر حركة التنوير وتأثر به، وكان أول أعماله الأدبية مجموعة من القصائد بالعبرية (1877) ثم نشر في عام 1888 قصيدة «مونيش» باليديشية، وهي قصيدة طويلة تتناول حياة الجماعة اليهودية في شرق أوربا أي يهود اليديشية. وقد ذاع صيته بعد ذلك، واُعتبر أحد مؤسسي الأدب اليديشي. ومن أهم أعماله النثرية صور من رحلة ريفية (1891) حيث وصف الفقر والذل في منطقة الاستيطان. وقد كتب أيضاً قصصاً قصيرة باليديشية من أشهرها «مناظر مألوفة» عام 1890. وكتب مسرحية بالعبرية ثم ترجمها إلى اليديشية بعنوان في السوق القديم ليلاً (1907)، وهي صورة بانورامية للوجود اليهودي في بولندا. شــــالوم عليـــخيم (1859-1916) Shalom (Sholem) Aleichem كاتب يديشي اسمه الحقيقي «شالوم رابينوفتس»، أما اسمه الأدبي فهو «شالوم عليخيم»، وهي عبارة عبرية تعني «السلام عليكم». وُلد في أوكرانيا وكان أبوه تاجراً ميسور الحال، مهتماً بفكر حركة التنوير. وقد تدهورت الأحوال المالية للأسرة، كما ماتت أم شالوم وتزوج أبوه مرة ثانية. وكان أول أعمال شالوم، الذي كان يتمتع بموهبة السخرية، معجم باليديشية للشتائم واللعنات التي عادةً ما كانت تصبُّها زوجة الأب على رؤوس أولاد زوجها. كما كتب شالوم بعض المقالات وبعض الأعمال الأدبية بالعبرية. ولكنه، ابتداءً من عام 1883، قرَّر أن تكون كل أعماله باليديشية، وأصبح بذلك أحد مؤسسي الأدب اليديشي. واتخذ لنفسه اسماً أدبياً ينشر به لأنه لم يكن يجرؤ على أن ينشر بهذه الرطانة التي كانت محط احتقار المثقفين اليهود الذين كانوا يكتبون إما باللغات الأوربية أو بالعبرية، لغة النخبة. وقد نجح شالوم عليخيم في أن يخلق عالماً مُحدَّد المعالم، سجل فيه حياة يهود شرق أوربا بكل تفاصيلها وبطريقة تختلط فيها المأساة بالملهاة. وأصبحت شخصياته جزءاً من مصطلح يهود اليديشية، فمثلاً إن أشار أحدهم إلى أن فلاناً أصبح «مناحيم مندل» فإن هذا يعني أنه شخص خيالي صاحب مشاريع لا يمكن أن تتحقق. وقد حاول مناحيم هذا، كما رسمه شالوم عليخيم، أن يعمل كخاطبة نظير أجر، لكنه اكتشف أنه كان يرتب زواجاً بين فتاتين. ومن أهم شخصياته «طوبيا اللبان»، وهو فلاح جاهل يضرب بجذوره في الأرض لا تتعدى ثقافته ثقافة يهود اليديشية، وهو يقتبس كلمات العهد القديم دون أن يدرك معناها على وجه الدقة ولكنه يعرف معناها على وجه العموم. وقد استُخدمت هذه الشخصية في المسرحية الغنائية الشهيرة «عازف الكمان على السطوح» بعد أن أُعطيت بُعْداً صهيونياً. ويُعَدُّ شالوم عليخيم من أهم كُتَّاب اليديشية إن لم يكن أهمهم على الإطلاق. س. آن-سكي (1863-1920) S. An-Ski واحد من أهم أدباء اليديشية ومن المهتمين بفلكلور يهود اليديشية اسمه الحقيقي شلوبيم زانفيل رابابورت. وُلد في روسيا البيضاء وكان أبوه وكيلاً لأحد المُلاَّك الزراعيين من بقايا يهود الأرندا، وكانت أمه تُسمَّى حنا أو أنَّا (وقد يكون هذا هو مصدر اسمه المستعار). تأثر بفكر حركة التنوير وحركة الشعبيين الروس (نارودنكي) وبالفكر الاشتراكي، فترك منزله وهو بعد في السادسة عشرة وذهب ليعيش بين العمال والفلاحين الروس حيث عمل حداداً وعاملاً ومدرساً. واضطر إلى الهرب إلى باريس عام 1892 بسبب نشاطه الثوري، وعاد منها عام 1905. كتب أن سكي مؤلفاته بالروسية، ولكنه انضم عند عودته إلى حزب البوند وبدأ يكتب باليديشية قصصاً وأساطير عن فقر يهود روسيا، كما نظم أنشودة حزب البوند (القَسَم). وبدأ يهتم بالفلكلور، فانضم إلى بعثة لجمع الفلكلور اليديشي (نظمها المليونير الروسي اليهودي البارون جونزبورج). وقد مات أن سكي في وارسو. تبلغ الأعمال الكاملة لآن سكي خمسة عشر جزءاً، لكن أهم أعماله وأشهرها هي مسرحية الديبوق (الالتصاق) التي نُشرت عام 1919. وقد ترجمت هذه المسرحية إلى عدة لغات، وتدور أحداثها حول رجل وحبيبته لا يتم زواجهما بسبب جشع والدة الحبيبة، ويموت الحبيب لكنه بمساعدة آليات القبَّالاه ينجح في أن يتلبَّس جسد حبيبته، وحينما ينجح الحاخامات في طرد روحه تموت الحبيبة وتلتحم روحاهما. ولم تُمثَّل المسرحية إلا بعد وفاة آن سكي، لكنها لاقت نجاحاً كبيراً. وتم إخراجها سينمائياً عدة مرات، كما أن هناك أوبرات ومسرحيات موسيقية مُقتَبسة منها. شــــوليم آش (1880-1957) Sholem Asch روائي وكاتب مسـرحي. تلقى تعليماً دينياً حتى سن السـابعة عشرة، ثم تعرَّف على فكر حركة التنوير. كتب أول أعماله بالعبرية، ولكن أهم أعماله كتبه باليديشية. أحرز شهرة في الأوساط اليديشية بروايته المدينة. ومن رواياته الأخرى أمريكا، و موتكي اللص. وتُعَدُّ مسرحيته رب الانتقام من أهم المسرحيات اليديشية. هاجر إلى الولايات المتحدة عام 1910 حيث استمر في الكتابة باليديشية. وتصور روايتاه المدن الثلاث و الخلاص جوانب من حياة يهود اليديشية في أوربا. أما روايته النهر الشرقي فتتناول حياة الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة. حاول في رواياته الأخيرة، موسى و النبي و الناصري أن يضيق الهوة العقائدية بين اليهود والمسيحيين بأن يبيِّن ما تصوَّره تراثهم الروحي المشترك. وأثار هذا غيظ الأوساط الأرثوذكسية واليديشية عليه، فاتُهم بالقيام بنشاط تبشيري. استقر شوليم في إسرائيل قبل وفاته بعامين، ولا ندري سبب اتخاذه هذه الخطوة مع أن أدبه ذو نزعة يديشية وإنسانية عالمية معادية للصهيونية. ولعل ذلك يعود إلى اختفاء قراء اليديشية في الولايات المتحدة. ســولومـون ميخــولز (1890-1948) Solomon Mikhoels ممثل في المسرح اليديشي. وكان المدير اليهودي لمسرح الدولة، ورئيس لجنة معاداة الفاشية في الاتحاد السوفيتي. قُتل في حادث سيـارة، ويُقال إن البوليـس السـري السـوفيتي قـام بتدبير ذلك الحادث. وفي عهد جورباتشوف، تم تأسيس مركز ثقافي في الاتحاد السوفيتي سُمِّي باسمه ولكنه أُغلق بعد قليل. بيريتس ماركيش (1895-1952) Peretz Markish شاعر وروائي وكاتب مسرحي روسي كان يكتب باليديشية. وُلد في فولينيا وتلقَّى في صباه تعليماً دينياً يهودياً تقليدياً، ثم تلقَّى بعض الدراسات الجامعية في أوديسا. وكان ماركيش العضو الأصغر في ثلاثي كييف الأدبي الذي ضم إلى جانبه الأديبين هوفشتاين وكفيكو. وقد أصدر معهما مجموعة من الأعمال الأدبية والشعرية تضم الشعر والأدب اليديشي الحديث، وتشيد بالثورة والدولة السوفيتية الجديدة، كما تعبِّر عن تجارب الحرب العالمية الأولى وأعمال الهجوم ضد اليهود. وترك ماركيش روسيا عام 1919، فانتقل إلى بولندا وزار فرنسا وانجلترا وفلسطين. وأسس في وارسو مجلة أدبية. وفي عام 1922، شارك مع الكاتب إسرائيل جـوشوا سـنجر في تحـرير أول مجمـوعة من المختارات الأدبية، وأصدر مجموعة ثانية في باريس بالتعاون مع فارشافسكي ومارك شاجال الذي شارك برسومه. عاد ماركيش مرة أخرى إلى الاتحاد السوفيتي عام 1926 بعد أن أصيب بخيبة أمل من وضع الجماعة اليهودية في بولندا وتزايد الاتجاهات المعادية لهم. وقد أصبح من الشخصيات الأدبية البارزة في الاتحاد السوفيتي وأصدر قصائد عديدة تشيد بالنظام السوفيتي وبستالين، كما تم عرض العديد من مسرحياته على المسارح اليديشية والروسية في أنحاء الاتحاد السوفيتي حيث كانت تتناول مواضيع تحول الجماهير اليهودية إلى العمل المنتج سواء في الزراعة أو الصناعة واستيعابهم في البناء الاشتراكي الجديد. عمل ماركيش سكرتيراً لجمعية الكتاب اليهود، وتلقَّى وسام لينين عام 1939. وفي عام 1942، عمل كمراسل صحفي على الجبهة الروسية الألمانية. وقد كانت أعماله خلال فترة الحرب تتسم بوطنيتها الشديدة والحزن على مصير اليهود. وتم إلقاء القبض عليه عام 1948 مع غيره من الكُتَّاب والأدبـاء الروس اليهود، وأخيراً أُعـدم عـام 1952. ورُدَّ الاعتبار إليه بعد موت ستالين ونُشرت قصائده بالروسية عام 1957. إسـحق فيفر (1900-1952) Isaac Fefer شاعر وناقد وكاتب مسرحي روسي كان يكتب باليديشية. وُلد في أوكرانيا وعمل منذ وقت مبكر في مطبعة. وانضم إلى حزب البوند كما اشترك في الحرب الأهلية الروسية التي أعقبت ثورة 1917. وفي سنة 1919، انضم إلى الحزب الشيوعي، وهي السنة نفسها التي نشر فيها أول أشعاره في جريدة العلم الشيوعي في كييف. وأصبح فيفر من أبرز أدباء اليديشية السوفييت، وكانت قصائده تتناول تجاربه خلال الحرب الأهلية وعمليات الهجوم ضد اليهود، كما كانت تتناول التحولات الاجتماعية بين الجماعة اليهودية في ظل الدولة السوفيتية. ومن بين قصائده قصيدة «ستالين» الشهـيرة، و «أنا اليهـودي» التـي كتبـها خـلال الحـرب العالمية الثانية، و«ظلال جيتو وارسو». كما كتب قصائد حول تجربة بيروبيجان. وفي عام 1933 أصدر كتاباً حول الأدب اليـديشي فـي الدول الرأسمالية هاجم فيه بحدة كُتَّاب اليديشية البارزين في هذه البلاد. وقد خدم فيفر في الجيش الروسي خلال الحرب العالمية الثانية، كما زار الولايات المتحدة وكندا كممثل للجنة اليهودية المعادية للفاشية من أجل كسب دعم وتأييد الجماعة اليهودية في هذين البلدين للاتحاد السوفيتي في حربه ضد ألمانيا النازية. تم إلقاء القبض على فيفر عام 1948 في ظل حكم ستالين، ضمن غيره من الكُتَّاب الروس اليهود، وأُعدم في عام 1952. وقد رُدَّ الاعتبار إليه بعد وفاة ستالين، كما تم إصدار أعماله مُترجَمة إلى الروسية في الاتحاد السوفيتي عام 1958. إسـحق باشيفيس سنجر (1904-1990) Isaac Bashevis Singer صحفي وكاتب روائي يديشي. وهو شقيق الكاتب اليديشي إسرائيل سنجر. وُلد في بولندا لأسرة حاخامية، وكان أبوه يعقد بيت دين (محكمة شرعية) في منزله. وتلقى باشيفيس تعليماً دينياً تقليدياً، وانغمس في الدراسات القبَّالية، إلا أنه درس أيضاً بعض العلوم الدنيوية. وتركت فيه هذه العناصر المختلفة والمتناقضة أعمق الأثر. من أهم الموضوعات في رواياته ما سُمِّي بالنزعة المضادة للبروميثية (أو الفاوستية) التي تتبدَّى في روايته الشيطان في جوري (1953) حيث يستخدم البطل العارف بأسرارالقبَّالاه الصيغ القبَّالية المختلفة للسيطرة على الواقع ولكنه يقع، في نهاية الأمر، في قبضة الشيطان، تماماً مثل فاوستوس. وأبطال باشيفس لا سلطان لهم على عواطفهم الشيطانية التي تتملكهم. هاجر باشيفيس سنجر إلى الولايات المتحدة عام 1935، وبدأت رواياته تظهر باليديشية (على هيئة حلقات في الصحف اليديشية) وكذلك بالإنجليزية، أي أنه كان يكتب لجمهورين مختلفين. ويُلاحَظ أن باشيفيس سنجر يربط بين العنصر الشيطاني البروميثي والجنس، وهذا يعود إلى أثر القبَّالاه فيه. وقد نُشرت أولى رواياته في الولايات المتحدة عام 1950 وهي رواية ملحمية واقعية عن وارسو قبل الحرب العالمية الثانية. وقد ظهرت روايات عديدة لباشيفيس، الضيعة (1967)؛ وهي رواية واقعية تؤرخ لأسرة يهودية بولندية في القرن التاسع عشر، ولكنها رواية مُفكَّكة في بنيتها، ثم ظهرت لها تتمة بعنوان الضيعة (1970). أما رواية ساحر لوبلين (1960)، فهي تتناول مرة أخرى الموضوع الفاوستي ومخاطره. وتدور أحداث رواية العبد (1962) إبّان انتفاضة شميلنكي،وتتناول شخصية يهودي يحب ابنة الفلاح الذي استعبده.لكن تميُّز باشيفيس يتجلى في رواياته القصيرة جمبل (1957)،و إسبينوزا شارع السوق (1961)،و الجمعة القصيرة (1964).وكل هذه الروايات خلفيتها هي الشتتل الذي عادةً ما يزوره رسل الشيطان،وهي تتضمن تحليلات في المرض النفسي والشر الإنساني.وقد حصل باشيفيس سنجر على جائزة نوبل في الأدب. |
|
#129
|
|||
|
|||
|
الباب العاشر: لهجات أعضاء الجـماعات اليهودية ولغاتهم
اللغــات اليهوديــة Jewish Languages «اللغات اليهودية» اصطلاح تستخدمه بعض المراجع الصهيونية (أو المتأثرة بها) للإشارة إلى اللغات واللهجات والرطانات التي يتحدث بها أعضاء الجماعات اليهودية في العالم. وهو اصطلاح غير دقيق بالمرة، فالجماعات اليهودية تتحدث اللغات نفسها التي يتحدث بها أغلبية أعضاء المجتمعات التي يعيش اليهود في كنفها، وإذا كان ثمة اختلافات، فهي عادةً اختلافات طفيفة تجعل طريقة حديثهم مجرد لهجة أو رطانة. لغات الجماعات اليهودية ولهجاتها ورطاناتها Languages, Dialects and Jargons of the Jewish Communities لم يتحدث اليهـود اللغة التي تُعرَف بالعبرية إلا لفـترة قصـيرة للغاية، فلغة الآباء (إبراهيم وإسحق ويعقوب) (2100 ـ 1200 ق.م) كانت لهجة سامية قريبة من العربية أو الآرامية، أما العبرية فكانت لهجة من اللهجات الكنعانية ولم يتخذها اليهود لساناً لهم إلا بعد إقامتهم في كنعان (ابتداءً من 1250 ق.م). ويبدو أن العبرية قد اختفت بوصفها لغة الحديث بين اليهود مع التهجير البابلي (567 ق.م) (وثمة نظرية تذهب إلى أن الآرامية كانت لغة المسئولين في بلاط ملوك مملكة يهودا الجنوبية). ورغم أنه بقي بعض اليهود في فلسطين يتحدثون العبرية، إلا أن الآرامية حلت تماماً محل العبرية نحو 250 ق.م. أما اللغات التي كان يستخدمها أعضاء الجماعات اليهودية في تعاملهم مع الآخرين بعد انتشارهم في العالم، فكانت في معظم الأحيان لغة الوطن الذي استقروا فيه وانتموا إليه، أو إحدى اللغات الدولية السائدة. فكان يهود بابل يتحدثون الآرامية، لغة التجارة الدولية والإدارة في الشرق الأدنى القديم. وكان يهود الإسكندرية في العصر الهيليني يتحدثون اليونانية، كما أن يهود فلسطين كانوا يتكلمون إما الآرامية أو اليونانية (جاء في العهد الجديد أن القديس بولس تحدَّث للناس في فلسطين باليونانية ثم تحدَّث معهم بالآرامية بعد ذلك). وبعد انقسام الإمبراطورية الرومانية، كان يهود الإمبراطورية الشرقية يتحدثون لغة هذه الإمبراطورية، أي اليونانية (وظلوا يتحدثون بها حتى الفتح العثماني). أما يهود الإمبراطورية الغربية وأفريقيا وغرب أوربا، فكانوا يتحدثون اللاتينية. ويبدو أن بعض يهود الإمبراطورية الإيرانية كانوا يتحدثون باللهجات الفارسية المختلفة (ففي سفر إستير ورد أن أعضاء الجماعات اليهودية كانوا يتحدثون بالفارسية مع الفرس بدون صعوبة)، وكان يهود العالم العربي يتحـدثون العربية في العـالم العربي، وهكـذا. وفي بعض الأحيان، كان أعضاء الجماعات اليهودية يستخدمون، في التعامل فيما بينهم، رطانات مُكوَّنة من لغة الوطن أو لغة المنشأ بعد أن يُدخلوا عليها بضع كلمات ومصطلحات عبرية أو آرامية أو ألفاظاً من أية لغة أخرى كانوا يتحدثون بها في البلد الذي كانوا فيه قبل هجرتهم. فيهود الأندلس، على سبيل المثال، كانوا يتحدثون رطانة تُسمَّى «العربية اليهودية»، ويهود إسبانيا كانوا يتحدثون اللادينو. أما يهود أوربا الشرقية، فكانوا يتحدثون اليديشية، وهي رطانة ألمانية تحوَّلت في مرحلة لاحقة إلى ما يشبه اللغة المستقلة للحديث والكتابة. وفي القرن السادس عشر، يبدو أن معظم يهود العالم كانوا يتحدثون إما اليديشية (في أوربا) أو اللادينو (في الدولة العثمانية). وكثيراً ما كان أعضاء الجماعات اليهودية يستخدمون الحروف العبرية في كتابة هذه الرطانات في المعامـلات اليوميـة، مثل الفواتير التجارية أو غير ذلك من أمور الدنيا. ولم يكتب أعضاء الجماعات اليهودية بهذه الرطانات أدباً ذا بال، لا في الماضي ولا في العصر الحديث. وربما يمكن استثناء اليديشية من ذلك، فنظراً لأنها عمرت طويلاً (نسبياً) وأصبحت، مع القرن التاسع عشر، لغة مستقلة يتحدث بها معظم يهود العالم الغربي الذين كانوا مُركَّزين في روسيا وبولندا، فكُتب بها أدب شعبي للنساء والعامة في بادئ الأمر، ثم كُتبت بها أعمال أدبية بعضها يرقى إلى مستوى الأعمال الجادة. ولكن هذه المرحلة دامت فترة قصيرة للغاية بسبب اختفاء اليديشية. وفي محاولة تفسير وجود لغة أو رطانة أو لهجة خاصة بأعضاء الجماعات اليهودية، يمكن القول بأن كثيراً من الجماعات اليهودية شكلت جماعات وظيفية وسيطة تضطلع بدور التجارة والربا والأعمال الشبيهة الأخرى، ومثل هذه الجماعات كانت في العادة تربطها بالمجتمع علاقة موضوعية، الأمر الذي تطلَّب خَلْق مسافة بينها وبين المجتمع. واللغة الخاصة تزيد من غربة الجماعة الوظيفية وتزيد تجردها وتحتفظ لها بعزلتها وهو ما يُيسِّر اضطلاعها بدورها الخاص في المجتمع، فجماعات الغـجر تتحدث لغة خاصـة بهـم تماماً كما كان المماليك يتحدثون الشركسية. أما بالنسبة للغة التأليف الديني، فإننا نجد أن العهد القديم كُتب بعبرية العهد القديم التي اختفت كلغة مُستخدَمة بعد التهجير البابلي، ولذا نجد أن لغة التلمود هي الآرامية بالأساس. ومع هذا، ظلت العبرية لغة المؤلفات الدينية في معظم الأحيان وليس كلها، فوضع هليل وشماي مؤلفاتهما بالعبرية، في حين وضع المفكرون اليهود، في الإسكندرية في العصر الهيليني، مؤلفاتهم الدينية والدنيوية باليونانية. وكان موسى بن ميمون يكتب بالعربية، أما راشي، فكان يكتب بالعبرية، وكُتب معظم أدب القبَّالاه الصوفي بالآرامية. وظل هذا الوضع قائماً حتى القرن التاسع عشر، حين بدأ المفكرون اليهود يضعون مؤلفاتهم الدينية بلغة الوطن الأم وحسب. فكتب موسى مندلسون بالألمانية، وكذا كل المفكرين اليهود الإصلاحيين ومارتن بوبر. ويكتب كثير من المفكرين اليهود الآن، مثل جيكوب نيوزنر في الولايات المتحدة، مؤلفاتهم الدينية باللغة الإنجليزية، بل إن لغة الصلاة عند اليهود الإصلاحيين والمحافظين والتجديديين أصبحت الإنجليزية، ولا يستخدم العبرية سوى الأرثوذكس. أما بالنسبة إلى الكتابات التي تقع خارج نطاق التفكير الديني من أدب وفلسفة وعلم، والتي قام بوضعها مؤلفون يهود، وهم قلة نادرة حتى القرن التاسع عشر، فقد كانت اللغة منذ البداية لغة الوطن الأم. ففيلون السكندري وضع مؤلفاته باليونانية، وموسى بن ميمون كان يستخدم العربية، وكذلك معظم الشعراء اليهود في الأندلس. أما في العصور الوسطى في الغرب، فلم يظهر مؤلفون يهود يُعتد بهم حتى القرن السابع عشر حيث ظهر إسبينوزا، المنشق على اليهودية، الذي كتب مؤلفاته باللاتينية شأنه شأن كثير من الكُتَّاب الغربيين في عصره. وغني عن البيان أن المؤلفات غير الدينية للمؤلفين من أعضاء الجماعات اليهودية تُكتب كلها في الوقت الحاضر بلغة الوطن الذي يعيشون في كنفه. فيعقوب صنوع (الكاتب المصري اليهودي) كتب بالعربية، وهايني وماركس بالألمانية، وبروست بالفرنسية، ودزرائيلي وسول بيلو بالإنجليزية، بل إن معظم كلاسيكيات الفكر الصهيوني كُتبت بالألمانية أو الإنجليزية. وكان هرتزل لا يعرف العبرية ولا أبجديتها، لكنه حاول في المؤتمر الصهيوني الأول (1897) أن يُدخل البهجة على قلوب الحاخامات الأرثوذكس فنطق ببعض كلمات عبرية كُتبت له بالأبجدية اللاتينية، وكتب فيما بعد في مذكراته ملاحظة يقول فيها: « إن محاولتي هذه قد سببت لي مشقة كبيرة تفوق كل متاعبي في الإعداد للمؤتمر». وقد كان هرتزل ونوردو وكثير من المفكرين الصهاينة الأوائل، لا يؤمنون بوجود ما يُسمَّى الثقافة اليهودية. وقد سخر هرتزل من هذا المفهوم بصوت عال حينما طُرح لأول مرة في أحد المؤتمرات. ولم يكن هرتزل يتصوَّر أن تكون العبرية هي لغة الوطن القومي الذي يقترحه، إذ كان يرى أن كل مستوطن يهودي سيتحدث بلغته. وقد نشبت في السنين الأولى من الاستيطان حرب سُمِّيت «معركة اللغة» بين دعاة استخدام الألمانية من أتباع الاستعمار الألماني ودعاة استخدام العبرية من يهود شرق أوربا التابعين للاستعمار الإنجليزي. ولغة يهود العالم الأساسية الآن هي الإنجليزية التي يتحدث بها يهـود الولايات المتحـدة وكندا وإنجلترا وأستراليا ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا، وهؤلاء يشكلون الأغلبية العظمى من يهود العالم (وهذا يعود إلى ارتباط الجماعات اليهودية في العصر الحديث بالتشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي بشكل عام، والأنجلو ساكسوني على وجه الخصوص) ثم تأتي العـبرية لغـة يهـود إسـرائيل في المرتبــة التالية، أما اليديشية فقد اختفت تماماً تقريباً في الولايات المتحدة، وهي آخذة في الاختفاء في روسيا. واللادينو لم يَعُد لها من أثر. ويُقال إن تعدد لغات الجماعات اليهودية في شرق أوربا كان سبباً أساسياً في أزمة الهوية التي جابهوها، فقد كانت لغتهم المقدَّسة هي العبرية، ولغتهم القانونية هي الآرامية (لغة التلمود)، ولغة الحديث هي اليديشية، ولغة المثل الأعلى الاندماجي هي الألمانية أو البولندية أو الروسية وأحياناً الأوكرانية، ولغة المثل الأعلى الصهيوني هي العبرية كلغة حديث لا كلغة عبادة. وكان يقابل هذه الانقسامات اللغوية انقسام طبقي واجتماعي. وساعدت كل هذه الانقسامات على تصعيد الأزمة. ومع بدايات العصر الحديث وخروج اليهود من الجيتو، وبعد تحديثهم وزوال تميُّزهم الوظيفي، بدأت تختفي هذه الرطانات إذ طالبت الدولة القومية الحديثة أعضاء الأقليات بأن يكون انتماؤهم القومي لأوطانهم كاملاً. وتعرضت اليديشية بالذات لهجوم شديد، خصوصاً أن التجار اليهود كانوا يستخدمونها وهو ما كان يُسهِّل لهم غش الآخرين. وتظل الصورة اللغوية العامة بالنسبة لأعضاء الجماعات اليهودية في العالم، وفيما يختص بالحديث ولغة المعاملات اليومية، هي أنهم من ناحية الأساس يتحدثون لغة الموطن الذي كانوا يعيشون في كنفه. اللغــات الســـامية Semitic Languages يضم الفرع السامي من اللغات عدداً من اللغات القديمة والحديثة. واللغات السامية من أقدم اللغات التي وصلت إلينا مدوَّنة، إذ دُوِّنت الأكادية عام 2500 ق.م، ودُوِّنت الأجريتية نحو عام 1400 ق.م. وأقرب المجموعات اللغوية الأخرى إليها هي المجموعة الحامية، حتى أن بعض العلماء يجعلونها مجموعة واحدة: سامية حامية. وثمة نواحي تشابه بين اللغات السامية في الخصائص الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية. أما من الناحية الصوتية، فإننا نجد أن اللغات السامية تضم مجموعة حروف الحلق (مثل: العين والحاء والغين والخاء) وهي موجودة في العربية، ومنها تداخلت في العبرية. ومن الناحية الصرفية، نجد أن اللغات السامية تتَّسم بوجود الفعل الثلاثي مصدراً أساسياً للتصريف (لبعضها أصل ذو حرفين). وتصريف الفعل يتبع الأسلوب نفسه، ويتم اشتقاق معظم الكلمات بتغيير الصيغ التي يتوقف عليها نوع الدلالة. ومن ناحية الجنس النحوي، تُصنَّف الصيغ في اللغات السامية إلى مذكر ومؤنث، ومن ناحية العدد إلى مفرد ومثنى وجمع. ويوجد زمنان للفعل هما الماضي (التام وغير التام) والمضارع. وقد نشأ من اشتقاق الكلمات من أصل «فعل» أن سادت ما يمكن تسميته «العقلية الفعلية»، إن صح هذا التعبير، على اللغات السامية، أي أن لأغلب الكلمات في هذه اللغات مظهراً فعلياً. وحتى الأسماء الجامدة والألفاظ الدخيلة التي تسربت من اللغات الأعجمية إليها، اكتسبت هي الأخرى هذه الصفة. والفعل في اللغات السامية هو كل شيء، فمنه تتكون الجملة. ولم يخضع الفعل للاسم والضمير، بل نجد الضمير مسنداً إلى الفعل ومرتبطاً به ارتباطاً وثيقاً. وفي جميع اللغات السامية نجد تشابهاً بين الكلمات الأساسية كالضمائر الشخصية والأسماء التي تدل على القرابة والأعداد وأعضاء الجسم الرئيسية والنبات والحيوان: إثيوبية (جعفرية) / أكادية / آرامية / عبرية / عربية أحادو / إيدو / حاد / أحاد / أحد (واحد) شلاش / شلاشو / تلات / شالوش / ثلاثة أم / أم / أم (أما) / أم / أم ويرى بعض العلماء أنه كانت هناك لغة سامية واحدة تفرعت عنها كل هذه اللغات، وأن أقرب اللغات الحية إلى هذه السامية الأصل هي العربية. وتُقسَّم اللغات السامية إلى قسمين أساسيين: 1 ـ السامية الشمالية: وتشمل الآشورية/البابلية، واللهجات الكنعانية المختلفة (العبرية والمؤابية والفينيقية واللهجات الآرامية والقرطاجية). 2 ـ أما السامية الجنوبية: فتشمل العربية الشمالية بلهجاتها المختلفة، والعربية الجنوبية، والإثيوبية. وقد اشتبكت اللغات السامية في صراع مع بعضها البعض. وأول صراع حدث فيما بينها كان صراع الآرامية مع اللغات الأكادية والكنعانية. فقد اشتبكت الآرامية في صراع مع الأكادية أولاً وقضت عليها في أوائل القرن الرابع قبل الميلاد، ثم صرعت العبرية في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، وتغلبت على الفينيقية (في آسيا) في القرن الأول قبل الميلاد. وكان الصراع الثاني صراع العربية مع أخواتها. فاشتبكت في صراع مع اللغات اليمنية القديمة وقضت عليها قبيل الإسلام. ولم يفلت من هذا المصير إلا بعض مناطق متطرفة نائية ساعد انعزالها وانزواؤها على نجاتها، فظلت محتفظة بلهجتها القديمة حتى العصر الحاضر. ثم اقتحمت العربية على الآرامية معاقلها في الشرق والغرب وانتزعتها منها معقلاً معقلاً حتى تم لها القضاء عليها نحو القرن الثامن الميلادي. ولم يفلت من هذا المصير إلا بعض مناطق منعزلة لا تزال تتكلم اللهجة الآرامية إلى العصر الحاضر. وامتد أثر العربية إلى الأمم الآرية والطورانية التي اعتنقت الدين الإسلامي (الفرس والهنود والأتراك... إلخ)، فاحتلت لديها مكانة مقدَّسة سامية، وتركت آثاراً عميقة في كثير من لغاتها، فاتسعت بذلك مناطق نفوذها حتى بلغ عدد الناطقين بها والمتأثرين بها نحو خمسمائة مليون من سكان المعمورة. العبريـــة:تـاريـخ Hebrew:History العبرية إحدى اللغات السامية من المجموعة الكنعانية (مع المؤابية والفينيقية)، كان يتحدث بها الكنعانيون ثم اتخذها العبرانيون (الذين كانوا يتكلمون إحدى اللهجات الآرامية القديمة) لغة لهم بعد تسلُّلهم إلى أرض كنعان. وسُمِّيت هذه اللغة «عبرية» في وقت متأخر من العصور الوسطى، فلا يوجد في صحف العهد القديم ما يدل على أنهم كانوا يسمونها بهذا الاسم، إذ كان يُشار إليها بمصطلح «يهوديت» (يهودي) أو «لسـان كنعان»، ولم يظهر مصطلح «لاشـون عفريت»، أي «اللسـان العبري»، إلا مع المشناه، ثم ورد نفس المصطلح في كتاب حكم ابن سيراخ وفي مصنفات يوسيفوس. وعمر العبرية قصير جداً، كما أن بدايتها يلفها الغموض، فهي مجرد لهجة من لغة أكبر (اللغة الكنعانية)؛ لهجة لم تكن قد نضجت أو تبلورت بعد. وتبين ألواح تل العمارنة أن العبارات الكنعانية التي توجد عليها قريبة من العبرية للغاية، وكذا النقوش المؤابية على الحجر المؤابي المعروف باسم «حجر الملك ميشع». ويُقسِّم الباحثون تاريخ اللغة العبرية على النحو التالي: أ) العبرية القديمة: يجد بعض الباحثين أن من الصعب إطلاق كلمة «العبرية» على تلك المرحلة الأولى من تاريخها فلم تكن قد توفَّر لها بعد أسباب الاستقلال اللغوي أو التمايز اللهجي (الرقعة الجغرافية المتسعة والتطور الطبيعي عبر الزمان). وتُسمَّى عبرية هذه المرحلة «عبرية العهد القديم» أو «العبرية القديمة أو الكلاسيكية» أو «عبرية ما قبل المنفى». وهي تتمثل في عبرية أسفار العهد القديم، وهي لغة دينية أساساً. وهذه العبرية استعارت كلمات كثيرة من اللغات المجاورة كالبابلية والآشورية والآرامية والمصرية القديمة والفارسية وأخيراً اليونانية. ويبدو أن العبرانيين كانوا يتحدثون بأكثر من لهجة من لهجات كنعان إذ كانت لهجة المملكة الجنوبية مختلفة عن لهجة المملكة الشمالية، كما يبدو أن المسئولين في البلاط الملكي في مملكة يهودا كانوا يتحدثون الآرامية. وظل العبرانيون يستخدمون هذه اللغة حتى التهجير البابلي في 586 ق.م. ثم أخذت عوامل الاضمحلال تدخل عليها نظراً لظهور الآرامية كلغة لأعداد كبيرة من العبرانيين وكلغة للتجارة والإدارة في الشرق. ويبدو أنها اختفت تماماً حتى في فلسطين نحو عام 250 ق.م. ب) عبرية المشناه: ظهرت بعد ذلك عبرية المشناه، وهي ليست مستقاة من عبرية العهد القديم وإنما هي عبرية مُشبَّعة بالآرامية أو آرامية مشوبة بمفردات عبرية وفارسية ويونانية... إلخ. وأصبحت لغة الكتابة من القرن الأول قبل الميلاد على يد معلمي المشناه (تنائيم)، ثم ماتت هذه العبرية تماماً مع القرن الثاني بعـد الميلاد. وكانت الآراميـة هـي اللغة السـائدة في فلسطين، قبل عصر المسيح وأثناءه وبعده، إلى جانب اليونانية. أما يهود الإسكندرية، فكانوا قد نسوا العبرية والآرامية تماماً مع القرن الثالث قبل الميلاد، وهو ما اضطر علماء اليهود إلى ترجمة أسفار موسى الخمسة إلى اليونانية (الترجمة السبعينية). جـ) العبرية الوسيطة: بعد انتشار اليهود في العالم القديم، استخدم يهود أوربا العبرية التلمودية في كتاباتهم الدينية أساساً، واستخدموا لغات البلاد التي يعيشون فيها للمؤلفات الدنيوية. واستخدم يهود البلاد العربية العبرية المستعربة، وهي عبرية في معظم المفردات الأساسية لكنها عربية النحو والدلالة والمفاهيم، كما استخدموا العربية في كتاباتهم الأخرى، وفي بعض الكتابات الدينية أيضاً مثل كتابات موسى بن ميمون الذي وضعها أصلاً بالعربية ولكن بحروف عبرية. ومن العصور الوسطى في الغرب، أصبحت العبرية لغة دينية من ناحية الأساس، واقتصر استخدامها على الصلوات اليهودية وعلى الكتابات الدينية مثل المشناه وسائر كتب الهالاخاه والمدراش. أما الجماراه والباهير والزوهار، فكُتبت بالآرامية أساساً. ومع هذا، لم تكن «عبرية الصلوات» ذات سمات واحدة محدَّدة، إذ نجد أن النصوص العبرية التي يتعبد بها الإشكناز مختلفة عن تلك التي يتعبد بها السفارد، فتتسم الأخيرة بأنها أكثر فصاحة لمجاورتها اللغة العربية. ولذلك، ورغم التوجه الإشكنازي للدولة الصهيونية، فإن النطق المُعتَمد رسمياً للغة العبرية في التعليم والإذاعة والمسرح والأدب العبري الحديث هو النطق السفاردي للغة. وترتَّب على موت اللغة العبرية، واستخدامها في الصلوات وحسب، أن أصبحت تُسمَّى «اللغة المقدَّسة» (بالعبرية: لاشون هاقوديش) (وهذا تعبير آخر عن الاتجاه الحلولي الذي سيطر على اليهودية). وكان يُظَن أن العبرية هي اللغة التي يتحدث بها الملائكة، مع أن معظم ما جاء في التلمود قد كُتب بالآرامية. ومما زاد من اتساع هالة القداسة، أن الكتب القبَّالية تُسبغ على الحروف العبرية دلالة صوفية حتى أنه يُقال إن الرب استخدم اللغة العبرية في خلق العالم، وحيث إن لكل حرف عبري مقابلاً عددياً، فقد استخدم الخالق حروف العبرية وأرقامها أداة لخلق التنوع والتعدد في العالم. وتعتمد كثير من القراءات القبَّالية والباطنية للعهد القديم على هذا التصور لوجود دلالة رقمية لكل حرف عبري، فيُترجَم النص إلى مقابله الرقمي وتُستَخلص الدلالات التي يريدها المفسِّر عن طريق الجمع والطرح والقسمة. وقد كان يهود الجيتو أسرى تقديس الحروف العبرية رغم أنهم لم يكونوا يتحدثون العبرية أو الآرامية. ولذلك كانت اليديشية (اللغة أو الرطانة التي يتحدث بها يهود شرق أوربا) مكتوبة بحروف عبرية، كما أنهم منعوا أطفالهم من الدراسة في مدارس الأغيار لأن التصور الذي كان سائداً بينهم أن اليهودي الذي ينظر إلى حروف غير عبرية تُحرَق عيناه يوم القيامة. د) العبرية الحديثة: أُعيد بعث اللغة العبرية في العصر الحديث على يد مفكري حركة التنوير الذين حاولوا بعث ما تصوروه «التراث اليهودي» الأصلي. فتبنوا عبرية العهد القديم باعتبارها لغة خالصة، وأنتجوا أدباً حديثاً، ولكنهم فشلوا في المواءمة بين العبرية ومتطلبات العصر، وساعد على ذلك أن عبريتهم كانت قاصرة ومُتكلَّفة وجامدة، فاستعانوا بمفردات العبرية التلمودية، ثم لجأوا أخيراً إلى الاستعارة من اللغات الأوربية، وبخاصة الألمانية والروسية وغيرهما من اللغات. وبينما بلغ عدد مفردات عبرية التوراه ما بين 7,500 و8,500 كلمة، جاء قاموس العبرية الحديثة يضم ما يزيد على 68,000 كلمة. وظهرت أول مجلة عبرية في عام 1856. وقد تبنى الصهاينة فكرة بعث العبرية باعتبار أن اللغة تعبير عن الشعب العضوي (فولك) وعن بُعْد أساسي من أبعاد الشخصية القومية، وتأثر الصهاينة في هذا بالفكر القومي العرْقي الغربي. ونجد أن الأدباء الذين يكتبون بالعبرية في العصر الحديث هم أيضاً من أهم المفكرين الصهاينة. ويمكننا أن نذكر من بينهم آحاد هعام وبياليك وتشرنحوفسكي. وقد حاول المفكر الصهيوني إليعازر بن يهودا إحياء العبرية، وقوبلت محاولته بعداء شديد في بادئ الأمر من قبَل اليهود المتدينين الذين كانوا يرون أن العبرية لغة مقدَّسة يجب ألا تُمتَهَن باستخدامها في الحديث اليومي. وقام صراع حول استخدام العبرية في الصلوات. وكان ذلك من المسائل الأساسية التي ناقشتها الفرق اليهودية المختلفة في العصر الحديث. فحاول الإصلاحيون استبعادها لتأكيد عدم ازدواج ولاء اليهود ولتشجيع اندماجهم الحضاري واللغوي مع الأمم التي يعيشون بين ظهرانيها، في حين حاول المحافظون والأرثوذكس (بدرجات متفاوتة) الإبقاء عليها. ونشبت حرب اللغة بين دعاة استخدام العبرية ودعاة استخدام الألمانية. وانتصرت العبرية في نهاية الأمر، فظهرت أول جريدة عبرية في فلسطين عام 1886، وأصبحت لغة التعليم عام 1913 في مدارس المستوطنين الصهاينة في فلسطين، وعملوا على أن تعترف حكومـة الانتداب بها، إلى جانب الإنجليزية والعربية، كلغة رسمية. والعبرية الحديثة هي مزيج من كل المراحل السابقة للعبرية، إذ أخذت منها مختلف العناصر التي توائمها، وأصبحت المفردات والعبارات المستقاة من فترات مختلفة مترادفات، أما بناء الجملة فتأثر باللغات الأوربية. وقد نُحتَت كلمات عديدة، كما تم توليد معان جديدة من كلمات قديمة للتعبير عن المفاهيم الجديدة، ودخلت على العبرية الحديثة كلمات أجنبية كثيرة خصوصاً من الإنجليزية واليديشية. ومؤخراً، بدأ ينتشر في اللغة العبرية الإكثار من استخدام الاختصارات بدلاً من كتابة العبارة كاملة. والعبرية هي اللغة الرسمية في إسرائيل. بل تؤكد الحكومة الإسرائيلية لمواطنيها أن الرباط اللغوي يكاد يكون الرباط القومي الوحيد بينهم وليس التوراة، وذلك على اعتبار أن التراث الحضاري للجماعات اليهودية متنوع، كما أن الكتب الدينية اليهودية متنوعة وبعضها مكتوب بالآرامية ولا يؤمن به كثير من الإسرائيليين. وتحاول الحكومـة الإسـرائيلية اسـتخدام اللغة كأداة لتذويب الفوارق القومية الدينية، فالعبرية أحد أُسُس أسطورة «بوتقة الصهر» الإسرائيلية. وقد جعلت إسرائيل المشاركة في الأعمال ذات الأهمية والحساسية في الدولة مقصورة على من يجيد العبرية. كما أن الجيش الإسرائيلي (أهم عناصر التكامل الاجتماعي في إسرائيل) يُدرِّس العبرية للمجندين القادمين من أطراف العالم ليصبغهم بالصبغة القومية المرجوَّة. كما أنه يتعيَّن على كبار موظفي الحكومة أن يعبرنوا أسماءهم. ورغم كل هذه المحاولات، يبدو أن عملية الدمج لم تنجح بَعدُ تماماً. ويتضح هذا من عدد الصحف التي تظهر بلغة البلاد الأصلية التي هاجر منهـا الإسرائيليون، كما أن الإذاعة الإسـرائيلية تذيـع برامج بلغات عديدة، مثل: اليديشية والفرنسية والإنجليزية والرومانية والتركية والفارسية والعربية والروسية والإسبانية، ولكن معظم الإسرائيليين يتحدثون العبرية خارج منازلهم. أما داخلها، فإنهم يتحدثون إما لغة الموطن الذي جاءوا منه وإما العبرية باللهجة التي يعرفونها. ولكن الصابرا يتحدثون العبرية داخل المنازل وخارجها، فهي اللغة الأم بالنسبة إليهم. ونجم عن هذا الوضع ظهور مستويات مختلفة للغة العبرية إذ توجد عبرية أدبية متعددة الانتماءات، فهناك عبرية توراتية وأخرى تلمودية متأثرة بالآرامية وثالثة يديشية (أي متأثرة لغوياً بالتراث اليديشي). وهناك عبرية نمطية يتعلمها الطلاب في المدارس، وهي مبنية على نمط النحو العربي الذي قاس اللغويون اليهود عليه نحوهم منذ العصر الأندلسي ثم هناك العبرية التي يستخدمها العامة. ومن الجدير بالذكر أن مستويات نُطْق العبرية تختلف من فئة اجتماعية لأخرى تبعاً لاختلاف أصولهم. وثمة تهاون من جانب المستوطنين الصهاينة في إخراج الحروف من مخارجها، فهم مثلاً ينطقون العين كالهمزة والحاء كالخاء والـراء غـيناً والطاء تـاء والقـاف كافاً، كما يهملون الإدغام إهمالاً شبه تام. وقد لاحظ برنارد أفيشاي، أحد مؤرخي الحركة الصهيونية والأستاذ بمعهد ماساشوستس للتكنولوجيا، أن اللغة العبرية لغة متحجرة جامدة، كما يرى أن هذه الخاصية تركت أثرها في الخطاب السياسي الإسرائيلي وعلى الفكر السياسي للإسرائيليين، وهي وجهة نظر خلافية تستدعي الدراسة والنظر. وهناك أسلوب في الحديث يُسمَّى «الأسلوب الدوغري» (تُكتب في المراجع بالحروف اللاتينية dughri) وهو أسلوب مباشر في الحديث كان في الماضي ينم عن الإحساس بالتضامن وشيء من الوقاحة، ولكن يُقال إن التضامن قد بدأ يتراجع وأصبحت الطريقة الدوغري تعبيراً عن وقاحة الأجيال الجديدة وحسب. ويشكو كثير من الزوار اليهود لإسرائيل من فظاظة الإسرائيليين في الحديث. وقد أسَّس الكنيست عام 1953 أكاديمية اللغة العبرية لتطوير اللغة العبرية وهي تابعة للجامعة العبرية وتنشر قواميس متخصصة وقوائم مصطلحات ولكن قراراتها غير ملزمة. والإسرائيليون، شأنهم شأن كثير من البشر، يتسمون بالكسل اللغوي. فعلى سبيل المثال صاغت الأكاديمية كلمة تسيمريا tzimriya (من كلمة «صوت» العبرية) للإشارة إلى السويتر، ولكن الجميع يفضلون كلمة «سفيتر». كما دخلت كلمات إنجليزية كثيرة مثل «لداسكيس» بمعنى «يُناقش» (من مصدر تو دسكس to discuss)، و«لتربيد» (من مصدر تو توربيدو to torpedo) كما دخلت كلمات «هامبورجر» و«فوت بول» و«الفريزر» (كما هو الحال في العربية الحديثة). ومع وصول المهاجرين الروس بدأت اللغة الروسية تنافس اللغة الإنجليزية. فكلمة «بروتكشن protection» أي «حماية» (وهي كلمة شائعة في عالم الجريمة المنظمة) تتنافس مع كلمة «بروتكسيا proteksia» ذات الأصل الروسي والتي تعني «الواسطة» (أو كما يُقال في العامية المصرية «الكوسة»). ويشهد الكيان الصهيوني الآن بعثاً لليديشية، وهو تعبير عن محاولة الارتباط بماض ثقافي حي وثري (الأمر الذي لا يتوافر في العبرية) وعن أزمة الهوية في إسرائيل. ومما يزيد الوضع تعقيداً أن موجات المهاجرين تزيد من خلخلة هذه الوحدة المرجوة لأن كل مهاجر يُحضر معه انتماءه الحضاري واللغوي وهو ما يضمن للرطانات واللهجات اليهودية قدراً من الاستمرار والحياة. ومعنى ذلك أن الصورة العامة للعبرية الآن، على مستوى الجماعات اليهودية في العالم، هي كما يلي: لا تزال العبرية لغة القلة من اليهود إذ يتحدث أعضاء الجماعات اليهودية لغة أوطانهم بما في ذلك ما يكتبونه عن أنفسهم وعن اليهودية، فيتحدث أكثر من عشرة ملايين يهودي الإنجليزية، ويتحدث مليونان الروسية وعدة آلاف تتحدث اليديشية (لكن عددهم آخذ في التناقص بسرعة)، وأكثر من مليون ونصف المليون يتحدثون لغات أخرى مثل الفرنسية في فرنسا وغيرها أو الإسبانية أو البرتغالية لغة يهود أمريكا اللاتينية. ولا يتحدث العبرية سوى 38% من الإسرائيليين، وهم لا يتحدثونها طوال الوقت. ويبدو أن لغة الغالبية العددية من أعضاء الجماعات اليهودية في العالم هي الإنجليزية، فيهود الولايات المتحدة وإنجلترا وجنوب أفريقيا وكندا ونيوزيلندا، أي معظم يهود العالم، يتحدثونها ويكتبون بها، كما أن معظم الإسرائيليين يعرفونها. ويفضل كثير من العلماء الإسرائيليين نشر أبحاثهم بالإنجليزية حتى يكون لهم جمهور واسع من القراء. وقد أطلـق أحـد الصهـاينة مصطـلح «الهيليـنية الجـديدة الإنجلـيزية» على هـذا الاتجــاه، أي أنــه قَرَن هـذا الاندمـاج اللغـوي والحضاري اللغوي بالاندماج الذي مارسه اليهود من قبل في العصـر الهيـليني. وتوجـد جماعات صغــيرة من المتحـدثين بالعبرية في أنحاء العالم (الولايات المتحدة وألمانيا) من النازحين من إسرائيل. وقد ورد في أحد التحقيقات الصحفية أن العبرية لغة القوادين في هولندا لأن كثيراً من البغايا وقواديهم من بين هؤلاء النازحين. وبحسب قانون الدولة الصهيونية، هناك لغتان رسميتان: العبرية والعربية. وتُكتَب معظم اللافتات باللغتين، ومن الاستثناءات المهمة لافتات المكاتب التابعة لوزارة الزراعة التي تُكتَب بالعبرية فقط. ويختلف الأمر في الأحياء التي يقطن فيها اليهود إذ تختفي اللافتات العربية. كما أن الشركات الخاصة لا تستعمل العربية. هذا إلى جانب أن برامج تدريس العربية للأطفال الإسرائيليين اليهود آخذة في التراجع. الأبجديــــة والنحـــو العـــبري Hebrew Alphabet and Grammar يميل علماء اللغة إلى تأكيد أنه لا توجد علاقة كبيرة بين اللغة كنسق والكتابة. وأن طريقة الكتابة لا تؤثر في اللغة من قريب أو بعيد. وإن كان هناك الآن من يميل إلى رؤية أن ثمة علاقة ما بين نسق اللغة وطريقة كتابتها. ويُقسَّم تاريخ الكتابة إلى خمس مراحل مختلفة: 1 ـ في المرحلة الأولى: كانت كل كلمة أو دال عبارة عن صورة مجردة للمدلول، وهو ما يُسمَّى «الكتابة التصويرية» (بالإنجليزية: «بكتوجرافيك pictographic»)، فللتعبير عن «سمكة» مثلاً نرسم صورة لها، وللتعبير عن «ثور» نرسم صورة لرأسه وقرنيه، وللتعبير عن «القمح» نرسم سنبلة. وكان يُرمَز للأفعال بضروب من الأساليب البارعة، فصورة القدم تعني الذهاب وصورة فم الرجل مع إضافة العلامة الدالة على الخبز أو الماء تعـني الأكل أو الشـرب، وهكذا. وكانت هـناك دوال مختلفة بعدد المدلولات، كما هو الحال في لغة سكان أمريكا الأصليين. 2 ـ وفي المرحلة الثانية: تجمدت الرموز الدالة وأصبحت أشكالاً أو صوراً ثابتة مجردة علاقتها ليست مباشرة مع المدلول، فكتابة الصور الدقيقة والخطوط المقوسة على الصلصال الأملس لم يكن أمراً يسيراً، كما أن النزوع الإنسـاني نحـو التجريد قد سـاهم في هـذه العملية. ومن ثم، تحولت الرسوم المختلفة إلى مجموعات من الخطوط على نمط خاص تمثل فقط الفكرة التي تدل على أصولها، ومن ثم سميت الرموز التصويرية (بالإنجليزية: «إيديوجرام ideograms»)، كما هو الحال في الكتابة الصينية ويبلغ عدد الكلمات في هذه المرحلة الآلاف. 3 ـ وفي المرحلة الثالثة: اقترن صوت معيَّن ونُطْق معيَّن بصورة معيَّنة دون ارتباط بين هذا النطق وبين ما كانت الصورة تعبِّر عنه. فالكلمة الدالة هنا تشير إلى مقطع من الكلمة وحسب وليس إلى كلمة بأسرها. فكلمة «لبن» في السومرية هي «جا». ولذا، أصبحت كلمة «جا» تستعمل لكتابة المقطع «جا» بغض النظر عن معناه. وعلى هذا المنوال، أمكن كتابة مقاطع أخرى، وأمكن بضم بعضها إلى بعض كتابة كلمات أو أجزاء من كلمات كما في صيغ الأفعال دون الرجوع إلى الرموز التصويرية، فلكتابة كلمة «جاز» (ومعناها «كسر») كانت تُكتَب العلامة «جا» (الدالة على «اللبن») ثم العلامة «آز» الدالة على «الدب»، وهذه هي الكتابة الصوتية، وكان اختراعها خطوة واسعة إلى الأمام نحو تبسيط نظام الكتابة، ولكنها كانت أيضاً شديدة الصعوبة فالقيم الرمزية للعلامات لم تختف تماماً، فكان كثير من العلامات يُفسَّر إما على أساس رمزي أو على أساس صوتي، حسب السياق. هذا إلى جانب أن معظم الرموز، وهي وافرة الكثرة، تتألف من علامات لكل منها أكثر من قيمة صوتية، فالعلامة المشتقة من قدم الإنسان كانت تُقرأ جين gin (بمعنى سار) أو جاب gub (بمعنى وقف) أو تام tum (بمعنى حمل). وكانت الكتابة الآشـورية والمصرية تأخـذ هـذه الصبغة التصويرية والمقطعية. 4 ـ وفي المرحلة الرابعة: تخصَّصت بعض العلامات لتدل على الحروف الجامدة، وقد جعلوا هذه الحروف تمثل صوت الكلمة الأولى التي اقتُبست منها على أن تُفهَم الحروف المتحركة من السياق. ويبدو أن المصريين القدامى كانوا أول من طوَّر هذه الأبجدية، ويُقال إنه تم تطويرها في مناجم سيناء حيث كان من الصعب كتابة الهيروغليفية، وهي لغة تصويرية رمزية، فتم تبسيطها وظهرت الحروف عام 1800 ق.م. 5 ـ أما المرحلة الخامسـة: فكـانت تتعلق بالساكن والمتحرك من الحروف. وعادةً ما يكون عدد رموز هذا النظام الهجائي حوالي ثلاثين. ومن المقطوع به أن الأبجدية وُلدت في منطقة سوريا وفلسطين، ولكن يبدو أن الكنعانيين والفينيقيين استقوها من أصول مصرية، وربما أيضاً من بلاد الرافدين من النمط المسماري للأبجدية. وقد عُثر في لاشيش على حجر عليه كتابة بالحروف السامية الكنعانية يعود إلى 1600 ق.م. ومن المحتمل أن يكون القرن السابع ق.م هو الذي انتهى فيه استخدام الكتابة المسمارية وتم استبدالها بالحروف السامية الكنعانية. ويبدو أن العبرانيين استقوا هذه الحروف فيما بين 1150 و1050 ق.م. هذا، وتُستخدَم اليوم في كتابة حروف الأبجدية العبرية طريقتان: الأولى، ويُطلَق عليها الحرف المربع، وهي المستخدمة في المطبوعات. والثانية، الخط اليدوي، بالضبط كما هو الحال في اللغة العربية. وفيما يلي جدول للأبجدية العبرية بحروفها المربعة واليدوية ومنطوقها العبري والعربي واللاتيني، بالإضافة إلى القيمة الرقمية لكل من هذه الحروف: الأبجدية العبرية يُلاحَظ من الجدول السابق أن الأبجدية العبرية تحتوي على اثنين وعشرين شكلاً. ولكنها تحتوي من الناحية الفعلية على ثمانية وعشرين منطوقاً صوتياً، حيث إن هناك ستة أحرف تتغيَّر طريقة نطقها حسب وضعها داخل الكلمة وهذه الأحرف هي ب، ك، ف، ت، ج، د. فإذا جاء أيٌّ من هذه الأحرف في أول الكلمة أو بعد سكون تام، وُضع في داخله نقطة كما هـو، فيما عـدا حرف الفاء، فإنه يُطق أ. أما إذا جاءت في غير الحالتين السابقتين، فإنها تأتي خالية من النقطة وتنطق هكذا: ت = ث / ب = v ج = غ / ك = خ د = ذ / أما الفاء فتنطق فاءً كما هي. وقد أهـملت اللغـة العبرية الحديثة تطبيق هذه القاعدة على حروف (ت، ج، د)، فأصبحت تُنطَق (ت، ج، د) سواء جاءت بداخلها نقطة أو كانت خالية منها. ولا تنطبق هذه القاعدة إلا على الحروف الثلاثة الأولى فقط وهي حروف (ب، ك، ف). وتُقرأ العبرية وتُكتَب، كالعربية، من اليمين إلى اليسار. كما أنها تُكتَب منفصلة بعضها عن بعض. ولكن بعض اليهود، في إسرائيل، أصبحوا الآن يستخدمون الخط اليدوي بحروف متشابكة نتيجة السرعة في الكتابة. كما يُلاحَظ أيضاً أنه لا يوجد إعراب في اللغة العبرية، اللهم إلا في بعض الصياغات القديمة. وبالتالي، فإن آخر الكلمات في اللغة العبرية ساكن دائماً ولا تظهر علامة السكون إلا في حالات معيَّنة، وهي: 1 ـ الكاف إذا جاءت في آخر الكلمة. 2 ـ التاء المُصرَّفة مع ضمير المفردة المُخاطَبة. كما توجد في الأبجدية العبرية خمسة أحرف تتغير طريقة كتابتها إذا جاءت في آخر الكلمة، وهذه الأحرف هي: ك، م، ص، ن، ف. وتجمعهـا عبـارة (كم صنف). وقد وضعناها في الجدول بين أقواس. هذا، وتقسَّم حروف الهجاء العبري تقسيماً يلائم طبيعة النطق بها، حسب اصطدامها بأجزاء الفم المختلفة، وهي كما يلي: 1 ـ حلقية أ، ه، ح، ع (وتُعامَل الراء معاملة الحلقية في بعض القواعد). 2 ـ شفوية ب، و، م، ف. 3 ـ حنكية ج، ي، ك، ق. 4 ـ لسانية د، ط، ل، ن، ت. 5 ـ صفيرية ز، س، ش، ص، ر. ونتيجة تباين التكوين الاجتماعي داخل إسرائيل بين يهود قادمين من دول الشرق وآخرين قادمين من دول الغرب، فإنه يصعب على يهود الغرب نطق بعض الحروف غير المألوفة في اللغات الأوربية، وبخاصة الحروف الحلقية وحروف الإطباق. ولهذا، فإنهم يتهاونون في إخراجها من مخارجها السليمة، فينطقون العين همزة والحاء خاء والراء غيناً والطاء تاء والقاف كافاً. وكذلك، فإن حرف الصاد ينطق (تسادي) تمشياً مع نُطْق الحرف الألماني. وفي كثير من الأحيان، يهمل يهود الشرق نُطْق بعض هذه الأحرف مثل يهود الغرب، وبخاصة الطاء والقاف والصاد. ولكل حرف في الأبجدية العبرية قيمته الرقمية، كما هو مُبيَّن في الجدول. وترجع أهمية هذه الأرقام إلى أن اللغة العبرية لا تستعمل أرقاماً خاصة، كما في العربية أو الإنجليزية، وبالتالي، فإنها لجأت إلى استخدام حروف الهجاء للتعبير عن الأرقام بعد وضع شرطة فوق الحرف للدلالة على أنه يأتي، في هذا الموضع، رقماً وليس حرفاً. وكانت اللغة العبرية في بادئ الأمر تُكتَب بدون حركات. وفي حوالي القـرن السـادس الميـلادي، طــرأ إصـلاح علـى الخــط العبــري، إذ استُـعملت أحــرف العــلة أهـ و ي كعلامات للحركات تساعدهم على ضبط النطق وحفظ الكلمات كلها من التحريف. وبعد انتشار الجماعات اليهودية في أنحاء العالم، أضحت أحرف العلة غير كافية لصيانة الكلمات كلها من التحريف. وخشية تغيير لهجة اللغة وضياعها بعد ذلك، وضع عدد من علماء اللغة العبرية في أواخر القرن السابع، أو أوائل القرن الثامن، الترتيب النهائي للنصوص العبرية المشكلة بنظام الحركات للإشارة إلى أصوات المد القصيرة مستنيرين في ذلك بنظام الحركات عند العرب والسريان، وأحدثوا نظاماً جديداً قوامه النقط والخطوط. وقد اتُخذت طريقـتان لرسم هذه الحركات، إحداهما الطريقة الطبرية نسبة إلى مدرسة طبرية في فلسطين (وهي الطريقة المُستعمَلة في الوقت الحاضر)، حيث ترمز هذه الطريقة إلى أصوات المد القصيرة بنقط وخطوط تُوضَع تحت الحرف أو فوقه، وقد تتلوها حروف العلة للدلالة على أن الحركة مشبعة. أما الطريقة الثانية، فهي الطريقة البابلية. وهذه الطريقة ترمز لأصوات المد القصيرة بعلامات توضع فوق الحرف. وتنقسم الحركات في اللغة العبرية، كما في العربية، إلى حركات فتح وكسر وضم، بل وهناك أيضاً حركات مخطوفة وحركات ممالة. وقد أخضعت القبَّالاه الأبجدية العبرية للتفسيرات الصوفية والباطنية فيما يعرف بالجماتريا. وأداة التعريف في العبرية هي حرف الهاء المُشكَّل بـ(-) مع تشديد الحرف الذي يليه (إذا كان غير حلقي). ولا تدخل أداة التعريف على العَلَم لأنه معرَّف في ذاته. وكذلك يمكن استخدام أداة التعريف كاسم إشارة للقريب وذلك مع ظروف الزمان. وأحياناً تحل أداة التعريف محل الاسم الموصول إذا دخلت على اسم فاعل. وفي الكلمات المُركَّبة، تأتي أداة التعريف في المجلد الثاني من الكلمة المُركَّبة. وواو العطف في العبرية تقابل واو العطف في العربية، وتأتي لعطف أو لربط اسم باسم أو فعل بفعل أو جملة بجملة، والأصل في تشكيلها في العبرية هو السكون، ولكن هذا التشكيل يتغير في حالات خاصة. والفعل في العبرية يكون ثلاثياً أو رباعياً، والثلاثي أكثر اسـتخداماً من الرباعي، وتُقسَّم الأفعـال في العبرية إلى سـبعة أوزان هي: فعل، نفعل، فعيل، فعل، هفعيل، هفعل، هتفعيل. ويقابلها في العربية فَعَل، فُعلَ، فَعَّل، فُعِّل، أَفْعَل، أُفْعلَ، تَفَعَّل. وينقسم الاسم من حيث نوعه إلى قسمين: 1 ـ الاسم المذكر: يكون الاسم مذكراً إذا دل على جبل أو شعب أو نهر. وأغلب أسماء المعادن وأغلب الأسماء التي لا ترد فيها علامة من علامات التأنيث. 2 ـ الاسم المؤنث: يكون الاسم مؤنثاً في الحالات التالية: أ) إذا دل على مؤنث حقيقي. ب) إذا دل على اسم دولة أو مدينة. جـ) إذا كان من أعضاء الجسم المزدوجة أو المتعددة. د) إذا انتهى بعلامة من علامات التأنيث. وتوجد أسـماء لا تظـهر فيها علامـة التأنيث ولكنها في الأصل مؤنثة، وكذلك هناك أسماء تأتي مذكرة ومؤنثة. وهناك أسماء تختلف صورتها تماماً عند تأنيثها. ويوجد في العبرية المفرد والمثنَّى والجمع: 1 ـ المفرد: هو ما دل على واحد. 2 ـ المثنى: ما دل على اثنين. ولا تُستعمَل صيغة المثنى في العبرية إلا في أحوال خاصة، وهي: أ ) أسماء أعضاء الجسم المزدوجة. ب) الأعداد المثناة. جـ) أدوات الصناعة المثناة. د ) أسماء الملابس المزدوجة بطبيعتها. هـ) أسماء الزمان المزدوجة. 3 ـ الجمع: وينقسم إلى: أ ) جمع مذكر: وعلامته في العبري ياء متبوعة بميم تلحق بآخر الاسم المفرد بعد حذف علامة التذكير المفردة إن وُجدت. ب) جمع المؤنث: وعلامته واو + تاء تضاف إلى الاسم المفرد وذلك بعد حذف علامة التأنيث المفردة إن وجدت. وتوجد أسماء مُذكَّرة تُجمَع جمع مؤنث، وأسماء مؤنثة تُجمَع جَمْع مذكر، وأسماء تُجمَع مُذكَّراً ومؤنثاً، وأسماء لا تُجمَع مطلقاً مثل أسماء الأعلام وأغلب أسماء المعاني وأسماء الجنس. وهناك أسماء لا تأتي إلا في صورة الجمع ولا مفرد لها. والأعداد في العبرية شديدة الشبه بالأعداد في العربية. فالعددان 1 و2 تأتيان وفـق المعدود. أما الأعداد من 3 إلى 9 فتأتي عكس المعدود. فإن كان المعدود مذكراً ذكرت الأعداد مؤنثة والعكس صحيح. وألفاظ العقود تأتي في العبرية على صورة واحدة سواء كانت مذكرة أو مؤنثة. وفي حالة عطف الأعداد على ألفاظ العقود يُراعَى أن يكون العدد على عكس المعدود. وتمييز العدد يأتي جمعاً مع الأعداد من 2 إلى 10 ويكون مفرداً في الأعداد المركبة ومع ألفاظ العقود والمائة والألف. والعدد الترتيبي يأتي في العبرية بعد المعدود ويتبعه في التعريف والتنكير والإفراد والجمع والتذكير والتأنيث. وفي العبرية، إذا جاءت كاف التشبيه قبل العدد أفادت التقريب. المختصـــــرات العبريــــة Abbreviations in Hebrew «المُختصَر» كلمة مُركَّبة من الحروف الأولى لكلمات عبارة ما ويدل على معنى العبارة بكاملها. ويعود تاريخ المختصرات في اللغة العبرية إلى القرن الثاني قبل الميلاد، واستمر استخدامها في العصور الوسطى حتى العصر الحديث. وشاع استخدام بعض المختصرات حتى نُسي الأصل نفسه. ومن أشهر المختصرات في العبرية «راشي» (اسم عَلَم) وهو مُختصَر «رابي شلومو يتسحاق»، و«تناخ» (عنوان كتاب) وهو ما مُختصَر لكلمات ثلاث: «توراة» أي أسفار موسى الخمسة - «نفيئيم» أي «أنبياء» - «كتوبيم» أي «المزامير وسفر الأمثال». و«الماباي» (وهو اسم حزب) مُختصَر «مفليجيت بوعلي إيرتس يسرائيل»، أي «حزب عمال أرض إسرائيل». و«تسهال» هو مُختصَر اسم الجيش الإسرائيلي الذي يُسمَّى «تسافا هاجاناه ليسرائيلي» أي «جيش الدفاع الإسرائيلي». وأحياناً تحل أول كلمة في العبارة محل العبارة كلها مثل «هستدروت» حيث تُعتبَر اختصاراً لعبارة «هستدروت هاكلاليت شل هاعوفديم هاعفريم بإيرتس يسرائيل»، أي «الاتحاد العام للعمال اليهود في أرض إسرائيل». الأسـماء العـبرية واليهـودية Hebrew and Jewish Names كانت للأسماء والأعلام في الحضارات القديمة دلالة وفحوى ليس لها ما يوازيها في عصرنا الحديث، فالاسم كان يُعَدُّ ممثلاً لجوهر صاحبه، ولذلك كان الإنسان يُعطى اسماً جديداً حينما يدخل مرحلة جديدة من حياته. وفي العهد القديم، نجد أن بعض الشخصيات كانت تغيِّر أسماءها عقب مرورها بتجربة مهمة. فبعد مصارعة الرب، يتحول اسم «يعقوب» إلى «يسرائيل». وفي الواقع فإن تغيير الاسم يُضفي دلالة خاصة على صاحبه. وكثير من الأسماء العبرية يعود إلى جذر عبري، وبعضها يعبِّر عن عاطفة أو فكرة. فآدم يُسمِّي زوجته «حواء» أي «الحياة» لأنها أم المخلوقات، وحينما أنجبت راحيـل ابناً أسـمته «يوسـف» أي «سوف يزيد»، و«يتسـحاق» تعني «يضـحك»، أما «بنيامين» فهــو «ابن يدي اليمـين». وتتكون الأســماء في بعـض الأحيـان من كلمتين مثل «أب»، أي «أب» بالعربية، و«بر»، أي «ابن»، على أن تضاف إلى أي من الكلمتين كلمة أخرى تحمل دلالة خاصة. فإبراهيم سُمِّي كذلك لأنه «أبو الأمم»، وبرليف (أو بارليف) هو «ابن القلب»، أو «صاحب القلب». وبعض الأسماء العبرية تحتوي على اسم الخالق «إيل»، كما هو الحال في كلمة «يسرائيل»، أي المتصارع مع «إيل» (الرب). وإطلاق اسم الحيوانات والنباتات والجماد على الإنسان عادة يهودية قديمة، فالاسم «ديبورا» تعني «نحلة»، و«تامار» هي «النخلة»، و«بن تسفي» هو «ابن الظبي»، و«بركوخبا» هو «ابن الكوكب». وليست كل أسماء أعضاء الجماعات اليهودية من أصل عبري، فالاسم «إستير» مثلاً مأخوذ من «عشتروت» زوجة بعل، واسم «موسى» نفسه ليس عبرياً ويُقال إنه اختصار لكلمة مصرية قديمة تعني «ابن». وقد اتخذ اليهود أسماء بابلية بعد التهجير من بابل، مثل «مردخاي»، من اسم الإله البابلي «مردوك». وكثير من قادة اليهود يحملون أسماء آرامية مثل «بركوخبا»، ويونانية مثل «أنتيجون»، ولاتينية مثل «يوسيفوس فلافيوس»، وعربية مثل «موسى بن ميمون» و«سعيد بن يوسف الفيومي» (الذي يُشار إليه في الكتابات العبرية باسم «سعديا جاؤون» أي «الفقيه سعيد»). ويؤكد التلمود أن اسم الشخص يؤثر في مستقبله، كما يرى الحاخامات أن اليهودي الفاضل يجب ألا يُغيِّر اسمه العبري خارج فلسطين. وأيُّ يهودي يحمل اسم «كوهين»، أو أياً من أسماء الكهانة الأخرى، يُعتبَر من نسل كهنة المعبد وتسري عليه محظورات معيَّنة متصلة بالزواج والطلاق. ولم يكن من عادة أعضاء الجماعات اليهودية، قبل الإعتاق، أن يحملوا اسم أسرة، فكان الشخص يُسمَّى فلان بن فلان، «يعقوب بن إسحق» مثلاً، وأحياناً كان يضاف اسم المهنة حتى يتم التمييز بين فرد وآخر في نفـس الجماعة، مثـل «صـندلر» أي «صانع الأحذية» في العبرية، و«جولدشميت» في الألمانية هو الصائغ. ولكن، بظهور حركة الإعتاق، أسقط كثير من اليهود أسماءهم العبرية، كما طلبت إليهم الحكومات أن يحملوا اسم أسرة بشكل ثابت، مثل بقية المواطنين، حتى يمكن الاحتفاظ بسجلات رسمية عنهم، ويمكن فرض الضرائب عليهم وتجنيدهم. وقد قاوم أعضاء الجماعات اليهودية من التقليديين هذا الاتجاه، ولكنهم رضخوا في نهاية الأمر. وكان اليهود يُسمَّون أحياناً باسم المدن، مثل: «أوبنهايمر» أي «من مدينة أوبنهايم» على نهر الراين، أو «شابيرو»، أي «من مدينة شبير». أو كانوا يُسمَّون بأسماء ذات دلالات جميلة مثل «بلومنفيلد» أي «حقل الزهور»، أو «روزنبرج»، أي «جبل الورد»، أو بترجمة أسمائهم من العبرية إلى لغة بلدهم، فالاسم «موسى بن مندل» يصير «موسى مندلسون» (فكلمة «سون» تعني «ابن»). كما أنهم كانوا يُسمَّون باسم الكاهن، مثل: «كوهين» و«كاتس» و«ليفي» و«هارون». وقد تمت ألمنة هذه الأسماء فأصبحت على التوالي: «كوهينشتاين» و«كاتسمان» و«ليفينتال» و«أرونشتين». وفي الحالات النادرة، كان أعضاء الجماعات اليهودية يحملون اسم عائلة، كما هو الحال مع العائلات اليهودية العريقة مثل «روتشيلد». ويحمل بعض أعضاء الجماعات اليهودية أسماء غير لائقة لأن الموظف الحكومي المسئول عن تسميتهم منحهم إياها بسبب عدم رضاه عنهم مثل: «جروس» أي «ضخم»، أو «كلاين»، أي «صغير»، أو «كالف»، أي «العجل»، أو «برونفن» أي «براندي»، أو «شفارتز» أي «الأسود» أو «العبد». ويستخدم الإشكناز هذه الكلمة الأخير للإشارة إلى يهود الشرق في العالمين العربي والإسلامي. ومع تزايُد معدلات الاندماج في العالم الغربي، بدأ يهود العالم الغربي يبتعدون عن الأسماء اليهودية أو ذات النبرة اليهودية. وقد بدأت هذه العملية بإدغام الاسم فالاسم «أبراهام» يصبح «برام»، و«سولومونسون» (أي ابن سليمان) أصبح «سولمس»، و«صموئيل» أصبح «زيميل». وأحياناً أخرى، كان الاسم يُعلمَن بتبسيط طريقة كتابته لتبسيط نُطْقه، وذلك حينما يهاجر عضو الجماعة اليهودي من بلد لآخر. وأحياناً كان ثمة صعوبات تواجه أعضاء الجماعات اليهودية في تغيير اسم الأسرة، لأن هذا كان يستلزم إجراءات قانونية معقدة، ولكن الإجراءات كانت في واقع الأمر بسيطة في معظم الأحيان، ومن ثم قامت الأغلبية العظمى من يهود الغرب بتسمية أبنائهم بأسماء غير يهودية. وقد توقف يهود ألمانيا، قبل الحرب العالمية الثانية، عن اختيار أسماء توراتية. ومع هذا، فقد كانوا يختارون أسماء تبدأ بحروف تُذكِّر المرء بشخصية توراتية، فبدلاً من «موسى» كانوا يُسمَّون «موريتز»، وبدلاً من «سيمون» كانوا يقولون «سيجفريد»، وبدلاً من «موردخاي» «مارتن»، وبدلاً من «إسحق» «إيزيدور». وكان من المفهوم أن هذه أسماء يهودية، ولذا كان المسيحيون يتحاشونها. وتكررت الظاهرة في الولايات المتحدة في الفترة نفسها، فبدلاً من «إسرائيل» قالوا «إرفنج»، وبدلاً من «موسى» قالوا «مورتيمر» أو «موريتز» أو «موريس» أو «ماكس» أو حتى «مارفن» أو «مري»، وكان من النادر أن يتسمَّى غير اليهود بهذه الأسماء. ولكن كل هذه الظواهر قد اختفت مع الحرب العالمية الثانية، ومع تزايُد مستويات العلمنة. وفي الوقت الحاضر، لا يختار أعضاء الجماعات اليهودية أية أسـماء خاصة، ولم تَعُد أسـماؤهم تختلف عن بقية أسـماء أعضاء المجتمع، بل أحياناً نجد يهوداً يُسمَّون «كريستين»، و«كريستوفر»، وهي أسماء لها دلالة مسيحية واضحة. وقد تسمَّى يهود الدونمه المتخفون بأسماء عربية إسلامية يتعاملون بها مع أعضاء المجتمع التركي، ولكنهم تسمَّوا أيضاً بأسماء عبرية يتعاملون بها فيما بينهم. والأسماء التي يتسمَّى بها أعضاء الجماعات اليهودية متنوعة وعديدة، ولذا يَصعُب تحديد هوية الشخص بناء على اسمه. وحسب بعض التقاليد الدينية، كان يتحتم على اليهودي (خارج فلسطين) أن يتخذ لنفسه اسماً عبرياً إلى جانب اسمه الأصلي إن لم يكن عبرياً، وذلك لاستخدامه في الشعائر الدينية وليوضع على شاهد قبره بعد موته. وكان على اليهود، أثناء حكم النازي، أن يستخدموا أسماء عبرية، وهي عادة بُعثت أيضاً في إسرائىل حيث ينص القانون على أن من واجب الشخصيات المهمة في الدولة أن تغيِّر أسماءها، ومن ثم فقد غيَّر ديفيد جرين اسمه إلى «دافيد بن جوريون»، أي «ابن الشبل». ومع هذا، يُلاحَظ أن ثمة اتجاهاً ظهر مؤخراً، خصوصاً بين الإشكناز، للاحتفاظ بالأسماء الأصلية (اليديشية). وقد سقط الحظر حينما رفض يوسف سياشاتوفر (مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية) أن يُعبرن اسمه في السبعينيات، وأيَّده في ذلك الكاتب الإسرائيلي عاموس آلون (الذي كان قد عبرن اسمه من قبل). وتمتد عبرنة الأسماء إلى المدن والقرى العربية التي تغزوها القوات الإسرائيلية، فأم الرشراش أصبحت «إيلات»، وشرم الشيخ أصبحت «أوفير»، والضفة الغربية يُشار إليها باسم «يهودا والسامرة»، وفلسطين تذوب وتختفي لتصبح «إسرائيل»، أو «إرتس يسرائيل». ولا يختلف هذا كثيراً عن محاولات الدول الاستعمارية فرض أسماء جديدة على الأراضي التي تفتحها فيُعاد تسمىة «زمبابوي» باسم «روديسيا» نسبة إلى سيسل روديس، ويُفرَض على «إندونسـيا» اسـم «جزر الهند الهولندية». إليــعازر بــن يهــودا (1857-1922) Eliezer Ben Yehuda رائد حركة إحياء اللغة العبرية الحديثة، واسمه الأصلي إليعازر بيرلمان. وُلد في إحدى قرى ليتوانيا وتلقى تعليماً دينياً تقليدياً، وقضى بعض سني شبابه في مدرسة تلمودية، ولكنه وقع تحت تأثير حركة التنوير اليهودية فالتحق بمدرسة علمانية وانقطع بشكل جذري عن موروثه اليديشي، واستهوته الأفكار الاشتراكية والعدمية والأفكار القومية العضوية (ذات الطابع الفاشي) التي انتشرت في أوربا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والتي نشأت في تربتها أفكار مثل «روح العصر»، و«روح الشعب»، و«الشعب العضوي» الذي لا يمكن أن يحقق ذاته إلا في أرضه ومن خلال خصوصيته الثقافية والذي يحوِّل الآخر إلى شعب عضوي منبوذ. وقد تأثر بن يهودا في بادئ الأمر بالحركة الشعبوية الروسية وبندائها بالعودة إلى الشعب، وهي حركة حملت ملامح النزعة السلافية القومية الروسية، ومن هنا جاء تبنِّيه الكامل للفكرة السلافية ومناداته بترويس اليهود. ومع تزايد النزعات القومية والإمبريالية والعنصرية في أنحاء أوربا (وكلها حركات حلولية كمونية مادية تجعل الشعب العضوي هو الركيزة النهائية المكتفية بذاتها)، اتجه بن يهودا إلى تبنِّي الحل الإمبريالي للمسألة اليهودية أي الحل الصهيوني (تصدير مشاكل الغرب، ومنها المسألة اليهودية، إلى الشرق). ومما ساعد على ذلك أن بن يهودا تعرَّف إلى المفكر الصهيوني بيريتس سمولنسكين (وقد أسهم بن يهودا لمجلته بعدة مقالات ذات طابع صهيوني ابتداءً من عام 1879). وفي عام 1878، ذهب بن يهودا إلى باريس لدراسة الطب ولكنه اضطر إلى قطع دراسته لإصابته بالسل وانتقل إلى الجزائر للاستشفاء (1880 ـ 1881) ثم استقر عام 1881 في فلسطين مع زوجته حيث قام بالتدريس في مدارس الأليانس بعد أن أُعطي تصريحاً بتدريس الموضوعات اليهودية بالعبرية. وفي العام نفسه، اشترك في تأسيس جمعية صهيونية دعت إلى العمل في الأرض، أي فلسطين، وإلى إحياء اللغة العبرية وبناء أدب عبري حديث وغرس الروح القومية في الشباب. وفي عام 1884، نشر بن يهودا مجلة هاتسفي الأسبوعية والتي أصبحت فيما بعد جريدة يومية وحملت اسم هاأور منذ عام 1910. وقد نشر أفكاره الصهيونية فيها فهاجم نظام الصدقة (حالوقه) ودعا إلى العمل الزراعي. أدرك بن يهودا ارتباط إحياء اللغة العبرية بالتجربة الاستيطانية الصهيونية، وأنه لا يمكن إنجاز الواحد دون الآخر، فبقاء أعضاء الجماعات اليهودية داخل التشكيل الحضاري الغربي كان يعني في واقع الأمر اندماجهم الثقافي ومن ثم اللغوي، أما استيطانهم في فلسطين فيعني عزلتهم ومن ثم وجود إمكانية حقيقية لظهور لغة مستقلة واستمرارها. وقد أكدت التطورات اللاحقة صدق حدس بن يهودا، فاللغة اليديشية قد اختفت ولم يعد أحد يكتب أو يتحدث بها. ولا يختلف الأمر كثيراً عن العبرية، فمعظم المفكرين الدينيين اليهود في العالم لا يكتبون بها، فالجميع يكتب بلغة الوطن الأم. هذا بالنسبة ليهود العالم، أما بالنسبة للاستيطان في فلسطين، فالأمر جد مختلف، فالدعوة للاستيطان كان لابد أن تستخدم ديباجات يهودية وأن تتم من داخل منظومة يهودية يمكنها اجتذاب الجماهير التي ستتحول إلى مادة استيطانية. وهذا ما أنجزه بن يهودا للحركة الصهيونية فقد فرَّغ اليهودية من محتواها الديني بأن أعاد تعريف الخلاص بحيث أصبح الخلاص الصحـيح هو العـودة الحرفية إلى فلسطين للاسـتيطان فيـها لا " الانتظار السلبي " لمجئ الماشيَّح (وقد ذهب بن يهودا من هذا المنظور إلى أن النبي إرميا كان خائناً لوطنه حين قام بتسليم هذا الوطن للأجنبي). واليهود الذين سيعودون إلى فلسطين لن يؤسسوا جماعة دينية تلتزم بقيم أخلاقية، ذلك أن المُثُل الدينية (حسب رؤيته) لم تنجح إلا في إنتاج أمة يهودية ميتة، لا أرض لها ولا لغة، أمة روحية ناقصة تثير ضحك الأمم الأخرى. إن اليهود الذين سيعودون هم نخبة من يهود المنفى الذين يرفضون وجودهم الهامشي، ولذا فإنهم سيتحولون إلى مستوطنين يزرعون الأرض ويشكلون أغلبية فيها، ثم يصبحون شعباً مثل كل الشعوب ويتخلون عن هامشيتهم وطفيليتهم ويصبحون أمة عضوية (على نمط الأمتين السلافية والجرمانية) وستعبِّر المؤسسات الثقافية لهؤلاء المستوطنين عن روح الشعب العضوي اليهودي. وبذا يمكن بعث اللغة العبرية، أهم أوعية الهوية العضوية اليهودية، كما يمكن ضمان استمرار هذه اللغة ومن ثم استمرار الهوية اليهودية. ويمكن القول بأن إسهام بن يهودا الأساسي في الحركة الصهيونية هو تأكيد عنصر اللغة في التشكيل القومي الاستيطاني العضوي المُقتَرح، فالأرض والأغلبية اليهودية هي الإطار اللازم لولادة اللغة العبرية بعد تحديثها. وقد انصبت معظم جهوده على إحياء اللغة العبرية، فبَحَث في أدب العبرية الكلاسيكي عن الألفاظ التي تصلح للاستعمال في الحياة اليومية في العصر الحديث، وقام باشتقاق كلمات عبرية جديدة واستعار بعض الألفاظ والعبارات من اللغة العربية وقام بتطوير أسلوب عبري جديد وبسيط. وحارب بن يهودا اللغة اليديشية، وعارض محاولات بعض الجماعات اليهودية الألمانية التي كانت تهدف إلى جعل الألمانية اللغة الرسمية للمستوطنين الصهاينة (فيما يُسمَّى «معركة اللغة») وأصر على اعتبار العبرية لغة اليهود الوحيدة. ولكن أهم أعمال بن يهودا إخراجه المعجم العبري القديم والمعجم الحديث بعد أن ظل يعمل فيه زهاء أربعين عاماً وإن لم يستطع أن يصدر أكثر من تسعة مجلدات. وهذا المعجم لا يتضمن أياً من الكلمات الآرامية التي ورد ذكرها في العهد القديم أو التلمود أو المدراش، كما لا يتضمن أية كلمة عبرية من أصل أجنبي. وقد أسس بن يهودا جمعية اللغة العبرية عام 1889 وعمل رئيساً لها حتى وفاته. وتحولت هذه الجمعية عام 1953 إلى أكاديمية اللغة العبرية التي قامت بإكمال مشروع بن يهودا وأصدرت المعجم كاملاً (سبعة عشر جزءاً) عام 1959. وبعد سقوط فلسطين تحت الاحتلال البريطاني في أعقاب الحرب العالمية الأولى، حث بن يهودا المندوب السامي البريطاني على إعلان اللغة العبرية كواحدة من اللغات الثلاث الرسمية في البلاد. كما قام بتأسيس جمعية سيفاتينو لنشر اللغة العبرية واحتل منصب أمين لجنة التخطيط في الجامعة العبرية. ورغم إصرار بن يهودا على فكرة القومية العضوية المرتبطة بالأرض، إلا أنه لم يكن متصلباً في ممارسته. وعلى سبيل المثال، فإنه لم يتردد في مناقضة نفسه إذ أيَّد مشروع شرق أفريقيا، أي إنشاء المُستوطَن الصهيوني في شرق أفريقيا بدلاً من فلسطين، وهو في هذا لم يختلف كثيراً عن معظم المستوطنين الصهاينة الذين أرهقتهم السكنى في أرض الميعاد والحرب ضد أهلها (وقد لقي أحد أحفاد بن يهودا حتفه في إحدى العمليات الفدائية، إذ سقط ضمن الحافلة التي دفع بها أحد المنتفضين الفلسطينيين عام 1990 من على قمة أحد التلال العالية). بل إن بن يهودا رغم إصراره العقائدي على القومية العضوية كان من أوائل الداعين إلى تقبل وجود اليهود خارج فلسطين (الشتات) على أن تربطهم رابطة ثقافية مع « وطنهم » بحيث يتحول هذا الوطن إلى مركز روحي. وجدير بالذكر أن اهتمامه بالعبرية قد جلب عليه لعنة اليهود الأرثوذكس الذين كانوا يعتبرون العبرية لغة مقدَّسة لا تُستخدَم إلا في الصلاة. معركـة اللغــة Language War «معركة اللغة» نشبت في المستوطنات الصهيونية في فلسطين تعبيراً عن تعدُّد الانتماءات والهويات اليهودية اللغوية والحضارية، وعن الصراع بين الدول الاستعمارية الكبرى (فرنسا وإنجلترا وألمانيا) من أجل فرض هوية ثقافية على المستوطَن الصهيوني وضمان بقائه في حيز نفوذها. فاحتفظت مدارس الأليانس باللغة الفرنسية، وأبقت المدارس الإنجليزية (اليهودية) على لغة الوطن الأصلي، وظلت العبرية فيها جميعاً لغة ثانية. وحينـما تصـاعدت الحملة بين المستوطنين من أجل تبنِّي العبرية، أوصت الحكومة الألمانية المستوطنين اليهود من الألمان (عام 1913) بأن يحتفظوا بلغتهم، وأن يحاولوا اتخاذ قرار من اتحاد المدرسين مفاده عدم وجود لغة رسمية للمستوطنين. وحاول هؤلاء جعل اللغة الألمانية لغة الدراسة في التخنيون وفي بقية مدارس جمعية عزرا الألمانية، ولكن النصر كُتب لدعاة العبرية في نهاية الأمر. اللغة الآرامية Aramaic «الآرامية» فرع من مجموعة اللغات السامية الشمالية وأقربها إلى العبرية وتُسمَّى أحياناً بالكلدانية. ولكن العلماء يتجهون الآن إلى الرأي القائل بأن لغة الكلدانيين لم تكن الآرامية بل كانت لغة مستقلة تُسمَّى «الكلدانية». بدأت الآرامية في الانتشار في الشرق الأدنى القديم مع ظهور الأقوام الآرامية في الربع الأخير من القرن الثاني قبل الميلاد. وفي سوريا، بدأ ظهور الوثائق المكتوبة بالآرامية في القرن السابع قبل الميلاد، ثم انتشرت الآرامية في منطقة وادي الرافدين إلى أن رسخت بعد ذلك في بابل حيث حلت محل اللغة البابلية الآشورية، وأصبحت في عهد دارا الأكبر (521 - 486 ق.م) اللغة الرسمية (الإدارية) بين مقاطعات الإمبراطورية الفارسية، كما أصبحت لغة التجارة الدولية ولغة النشاطات اليومية والدبلوماسية في الشرق الأدنى، وكان يتحدث بها كثير من الجماعات غير المتجانسة عنصرياً أو حضارياً في المنطقة. وقد دُوِّنت الآراميـة بخـط هجـائي بسيـط كان من أســباب الإقبال على استخدامها. وبلغت الآرامية أوج سلطانها في الفترة من 300 ق.م حتى 650م حين حلت العربية محلها. بدأ اليهود يتحدثون الآرامية أثناء وجودهم في بابل حتى حلت محل العبرية تماماً مع عودتهم منها (وإن كان هناك رأي يذهب إلى أن المسئولين في البلاط الملكي في مملكة يهودا الجنوبية كانوا يتحدثون الآرامية). وثمة إشارة في سفر نحميا (8/8) إلى هذا، إذ كان لابد أن يُفسَّر الكتاب المقدَّس بالآرامية. وقد كُتب بها معظم التلمود (البابلي والفلسطيني)، وبعض الصلوات مثل صلوات عيد الفصح والقاديش ودعاء كل النذور، وكذلك بعض أجزاء العهد القديم. واللغة الآرامية لغة قريبة من العبرية في المفردات كما أنها أثرت فيها تأثيراً عميقاً، وإن كانت القواعد النحوية في اللغة الآرامية أقرب إلى قواعد اللغة العربية. وقد أخذ العبرانيون حروفهم الهجائية، المعروفة بالخط المربع أو الخط الآشوري، عن الآرامية بين القرنين السادس والرابع قبل الميلاد. وكان الآراميون أنفسهم قد اقتبسوا الهجائية الفينيقية ونشروها في العالم. وفقدت الآرامية كثيراً من هيمنتها في العصر الهيليني، حتى يُقال إن أغلبية اليهود كانت تتحدث اليونانية. وكان الحاخام يهودا الناسي يشير إلى الآرامية بأنها «سورسي» (أي سوري) وهي لفظة تحقير، وقال إن «سورسي» (أي الآرامي) لا علاقة له بأرض إسرائيل، وأن المرء اليهودي يجب أن يتحدث إما العبرية أو اليونانية. ويشبه موقفه هذا موقف دعاة التنوير بين اليهود، في أواخر القرن الثامن عشر تجاه اليديشية. وباختفاء الآرامية، حلت العربية محلها وأصبحت لغة يهود الشرق العربي جميعاً. وتُقسَّم الآرامية إلى: 1 ـ الآرامية القديمة (حتى عام 7000 ق.م). وقد وُجدت على النقوش القديمة في سوريا. 2 ـ الآرامية الرسمية (حتى عام 300 ق.م). وقد وُجدت على النقوش القديمة في منطقـة سـوريا والعـراق وكتب بها عـلى برديات جزيرة إلفنتاين. ولم تكن هذه الآرامية هي اللغة الإدارية للإمبراطورية الفارسية وحسب، ولكن اللغة التي كانت تتفاهم بها الأقوام المختلفة في الشرق الأدنى القديم. 3 ـ الآرامية الوسطى (منذ حوالي عام 300 ق.م). وتشمل الآرامية الوسطى الآرامية الغربية والآرامية الشرقية. أما الآرامية الغربية، فتشمل الآرامية الكتابية وهي لغة الأجزاء الآرامية في العهد القديم، وهي لغة التلمود الأورشليمي أو الفلسطيني وآرامية الترجوم (ترجمة يوناثان)، واللغة التي تُرجمت بها أسفار موسى الخمسة السامرية (الآرامية السامرية)، والآرامية النبطية، وآرامية تَدمُر (بالميرا). وأما الآرامية الشرقية، فتشمل اللغة السريانية وآرامية التلمود البابلي ومخطوطات البحر الميت. 4 ـ الآرامية الحديثة أو المتأخرة. ويعتقد بعض الحاخامات أن الآرامية لغة مقدَّسة مثل العبرية، لكن بعضهم كان يرى أن الملائكة لا تفهم إلا العبرية وحدها. والآرامية لغة الصوفية اليهودية لأن كتاب الزوهار مكتوب بها. ولا يزال بعض المسيحيين النسطوريين، في القرى والمقاطعات الكردية في سوريا والعراق وتركيا، يتحدثون الآرامية التي أصبحت خليطاً من الآرامية والعبرية واليونانية، كما يتحدث بها أيضاً بعض يهود تلك البلاد. اللغة اليديشية Yiddish اليديشية ليست لغة أساساً، وتُسمَّى كذلك تجاوزاً، فهي لهجة ألمانية تُكتَب بحروف عبرية، وهي لغة اليهود الإشكناز في شرق أوربا منذ العصور الوسطى حتى العصر الحديث (ومن ثم أطلقنا عليهم اسم «يهود اليديشية»). وثمة نمط لغوي يتكرر بين أعضاء الجماعات اليهودية في العالم، فهم عادةً يتحدثون لغة البلد الذي يعيشون فيه بعد أن تصطبغ بصبغة عبرية خفيفة إذ تدخل مفرداتها هذه اللغة. ثم ينتقل أعضاء الجماعة من وطنهم هذا حاملين معهم لهجتهم، ويحتفظون بها حتى بعد أن تكون قد اختفت في البلد الأصلي. واليديشية تنتمي إلى هذا النمط. ظهرت اللغة اليديشية في الفترة بين عامي 1000 و1350، حين تبنَّى أعضاء الجماعة اليهودية ألمانية العصور الوسطى، أي لغة الشعب الذي كانوا يعيشون بين ظهرانيه، ولكنهم في الوقت نفسه كانوا في حاجة إلى مصطلح خاص بهم للتعبير عن نمط حياتهم الخاصة كجماعة وظيفية وسيطة تعمل في حرف خاصة مثل التجارة والربا. ولذلك، فقد استخدموا بعض مفردات العبرية والآرامية (وهما لغتا التراث الديني اليهودي، إذ أن التلمود مكتوب بالآرامية)، خصوصاً أن نواة الجماعة اليهودية في ألمانيا جاءت من شمال فرنسا وشمال إيطاليا حيث كانوا يتحدثون رطانة فرنسية خاصة بهم أُطلق عليها اسم «لعز». ومن هنا، نشـأ ذلك الخليط اللغــوي الذي أُطلق عليـه في بادئ الأمر «يوديش دويتش»، أي «ألماني يهودي»، ولكن الكلمة حُرِّفت وأصبحت «يديش تايتش»، ثم أصبح يطلق عليها «يديش»، ونترجمها نحن فنقول «اليديشية». ولم تكن هناك في بادى الأمر أية فروق بين ألمانية العصور الوسطى واليديش تايتش، إلا في بضع كلمات وعبارات عبرية والمزيد من التحريف الصوتي في نطق الكلمات الألمانية أو العبرية. وحينما هاجرت أعداد من يهود ألمانيا إلى أوربا الشرقية، حملوا لهجتهم الألمانية معهم. وحينما استقر أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا، تم توطينهم ضمن العناصر الألمانية التجارية، أي أنهم وُطِّنوا كألمان. ولم يتبنوا اللغة البولندية في وطنهم السلافي الجديد نظراً لتفوق ألمانيا حضارياً وبسبب التنظيم الإقطاعي الصارم الذي عزلهم عن بقية المجتمع. وكان يهود بولندا، في القرن السادس عشر، يشيرون إلى اللغة التي يتحدثون بها على أنها «الألمانية». وفي البيئة الجديدة، دخلت كلمات وتراكيب لغوية سلافية على اليديشية، ساهمت في إبعادها عن الأصل الألماني وفي استقلالها نسبياً عن الألمانية. ومع هذا، ظلت «اللغة اليديشية» لهجة ألمانية ساهمت في الحفاظ على التوجه «الألماني» ليهود شرق أوربا. وقد تحدى آرثر كوستلر هذا التفسير لبدايات اللغة اليديشية، فبيَّن استناداً إلى آراء اللغويين أنه لا توجد في اليديشية آثار لغوية مشتقة من الألمانية المنقولة إلى فرنسا، بل ويقرر أن المناطق الأكثر توسطاً في ألمانيا الغربية (فيما حول فرانكفورت) لم تشارك في تطور اللغة اليديشية، فالتأثير الغالب على اليديشية هو لهجات ألمانيا الوسطى الشرقية التي كانت مُستعمَلة، حتى القرن الخامس عشر، كلغة حديث في مناطق الألب النمساوية والبافارية، أي المناطق الشرقية من ألمانيا والمجاورة للحزام السلافي لأوربا الشرقية. وهو يَخلُص من ذلك إلى رفض الأصول الفرنسية الراينية ليهود شرق أوربا، ويعود بتلك الأصول إلى هجرة يهود الخزر من الإستبس إلى أن استقروا في بولندا. ولكن كيف أصبحت اليديشية لغتهم؟ يرى كوستلر أن الثقافة الألمانية كانت ثقافة النخبة في بولندا وثقافة البورجوازية المتعلمة، كما كانت لغتهم هي الألمانية (أو على وجه الدقة لهجات ألمانيا الوسطى الشرقية)، فكان التاجر اليهودي يتحدث ألمانية ركيكة مع عملائه الألمان، وبولندية ركيكة مع الأقنان، ويستخدم العبرية في المعبد اليهودي، ثم يخلطها كلها في بيته. وبالتالي، فقد هؤلاء اليهود لغتهم الأصلية (الخزرية) وتحدثوا هذه اليديشية. وهو ليس بالأمر الاستثنائي، فالمهاجرون عادةً ما يفقدون لغتهم في الجيل الثالث، كما حدث ليهود شرق أوربا الذين استقروا في الولايات المتحدة. ويبدو أن اليهود القرّائين (من الخزر) هم وحدهم الذين لم يتم دمجهم لغوياً. فوفق أول تعداد رسمي شامل أُجري سنة 1897 في روسيا القيصرية، كان هناك 12,894 يهودياً قرّائياً كان 2632 منهم يتكلمون الروسية. كما أفاد 9666 منهم أن التركية هي لغتهم الأصلية. وهذا يعني احتمال أن تكون هذه هي لغتهم الخزرية الأصل. ولكن أياً كان الأمر الخاص بأصول اليديشية، فإن تركيبها اللفظي هو على النحو التالي: 70% كلمات ألمانية، و20% عبرية وآرامية، و10% بولندية وسلافية. وقد دخلتها في السنين الأخيرة كلمات إنجليزية (بعد الهجرة إلى الولايات المتحدة)، وكلمات عبرية (بعد قيام إسرائيل) للتعبير عن المجالات الدينية والفكرية. والبنية النحوية في اليديشية هي بنية ألمانية برغم احتوائها على مفردات غير ألمانية، ومن هنا تصنيفنا لها بأنها «لهجة». ويُقسِّم علماء اللغة تطوُّر اليديشية إلى أربع مراحل: نهاية المرحلة المبكرة: حـــتى عـام 1250 اليديشيـة القديمــة: من 1250 إلى 1500 اليديشيـة الوسطى: من 1500 إلى 1700 اليديشيـة الحديثـة: من 1750 حـتى الآن وتنقسم اليديشية إلى يديشية غربية (اختفت تماماً تقريباً)، ويديشية شرقية تقسم بدورها إلى لهجات شمالية (في ليتوانيا) وأخرى جنوبية (في بولندا وأوكرانيا ورومانيا). وتظهر مختلف اللهجات اليديشية في الولايات المتحدة، لكن النطق القياسي هو نطق لهجة اليديشية الشمالية، وقد تم توحيد طريقة التهجي. وظهر أدب يديشي شفاهي ومكتوب في القرنين الثاني عشر والثالث عشر. كما ظهر أدب يديشي مطبوع في القرن السادس عشر. واللغة اليديشية لغة الجيتو، فكان الأطفال اليهود لا يتعلمون سواها ـ إلا ما تيسر من العبرية ـ وذلك بسبب الاعتقاد السائد بين يهود الجيتو والخاص بأن من ينظر إلى الهجائية غير العبرية تُحرَق عيناه. وقد أحاطت باليديشية في نهاية الأمر هالة من القداسة، بما يعبِّر عن التيار الحلولي القومي في اليهودية حيث كان يُعتَقد أن أفكار التلمود المركبة لا يمكن تفسيرها إلا بهذه اللغة. ومع هذا، كانت اليديشية في بداية الأمر لغة العوام والسوقة والنساء ـ أي لغة الشارع ـ وكان الأدب المكتوب بها موجَّهاً إلى العوام. وظلت العبرية، ومعها الآرامية، لغة النخبة المثقفة، ولغة الأدبيات التي يكتبها ويقرؤها أعضاء هذه النخبة. أصبحت اليديشية لغة التجارة والأعمال الربوية، وبذلك أصبحت من دعائم عزلة يهود شرق أوربا. ومن المعروف أن أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة التجارية في المجتمعات التقليدية عادةً ما يتحدثون بلغة أو بلهجة مغايرة عن لغة البلد المضيف، حتى يتسنى لها الاستمرار في عملهم، ويُقال إن التجار اليهود استفادوا من معرفتهم باليديشية وجهل الآخرين بها في غشهم وخداعهم. كما أنها أصبحت لغة المجرمين والمهربين. ولذا، كانت الحكومات الأوربية (في القرن التاسع عشر) تُحرِّم على اليهود استخدامها في المعاملات التجارية. ولقد صدر قرار يُحرِّم على يهود ألمانيا استخدامها ويفرض عليهم أن يكتبوا الوثائق التجارية بالألمانية. كما أن لويس بونابرت طالب اليهود الفرنسيين بأن يفعلوا نفس الشيء. وطالب دعاة حركة التنوير، مع بدايتها في ألمانيا، بأن يتخلى أعضاء الجماعة اليهودية عن انفصالهم اللغوي وأن يتحدثوا بلغة الوطن الألماني الأصلية. وكان فرايدلندر (الزعيم الألماني اليهودي الإصلاحي) يؤكد أن اللغة اليديشية هي المسئولة عن فساد الدين والأخلاق بين اليهود. ولما كان كثير من القوادين العاملين في تجارة الرقيق الأبيض في أوربا (بل وفي العالم) في الفترة من 1880 حتى عام 1930 من اليهود الذين أتوا من منطقة الاستيطان في روسيا (التي كانت تُعَدُّ أكبر مصدر للبغايا في العالم) فإن اليديشية كانت من أهم اللغات التي تُدار بها هذه التجارة في تلك الفترة، إلى أن قضى البوليس الدولي بمساعدة أعضاء الجماعات اليهودية عليها. ورغم الهجوم على اليديشية، كُتب لها الاستمرار حتى أصبحت «لغة قومية» ليهود اليديشية، أي يهود شرق أوربا، ونسلهم ممن انتشروا في معظم أوربا والولايات المتحدة. وإذا كانت العبرية هي «لايشون هاقدوش» أي «اللسان المقدَّس»، فاليديشية هي «ماما لاشون»، أي «لغة الأم». وقد تبناها بعض دعاة التنوير في روسيا بوصفها لغة قومية بدلاً من الروسية، ووضعوا بها مؤلفاتهم، وكانوا لا يختلفون في هذا عن أعضاء الأقليات والقوميات الأخرى. ولكن هذا وحده لا يكفي لتفسير ظاهرة استمرار اليديشية وازدهارها فيما بين العقدين الأخيرين من القرن الماضي والعقدين الأولين من القرن الحالي. ولتفسير هذه الظاهرة، علينا العودة إلى الظروف التاريخية والاجتماعية المحيطة بأعضاء الجماعة اليهودية في شرق أوربا حيث كانوا يشكلون كتلة بشرية ضخمة (بلغت نحو 80% من جملة أعضاء الجماعات اليهودية في العالم) تتحدث اليديشية. وفي إحصاء عام 1897 الذي أجرته الإمبراطورية الروسية، بلغ عدد أعضاء الجماعات اليهودية في روسيا من الناطقين باليديشية نحو 97% من جملة يهود روسيا، أي 5,054,300(4,2% من مجموع سكان الإمبراطورية). وبلغ عددهم في منطقة الاستيطان 4,889,427 مُشكِّلين نسبة 11,6% من مجموع سكان المنطقة البالغ عددهم 42,338,567 أما عدد أعضاء الجماعات اليهودية الذين كانوا لا يتحدثون اليديشية، فكان لا يتجاوز 161,500. ولم يكن الوضع مختلفاً كثيراً بالنسبة إلى يهود بولندا. وقد كانت هذه الكتلة الضخمة، في روسيا وبولندا، هي التي تُصدِّر اليهود المتحدثين باليديشية، إذ كان يحملونها المهاجرون معهم من شرق أوربا ويكوِّنون جيوباً تتحدث بها. وكانت ألمانيا، المجاورة لجاليشيا وبولندا، الممر بين الجيب الروسي البولندي اليديشي من جهة وبقية العالم من جهة أخرى، ولذا كانت تستوطن فيها أعداد كبيرة منهم. ولكن أكبر كتلة يهودية يديشية مهاجرة كانت قد انتقلت إلى الولايات المتحدة التي أصبحت في أواخر القرن التاسع عشر المركز الثاني لليديشية في العالم. وقد كُتب لليديشية الاستمرار بعض الوقت في كلٍّ من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في الفترة الزمنية نفسها. وكان ذلك لأسباب مختلفة؛ منها تعثر التحديث في شرق أوربا (روسيا وبولندا)، وتوقف عمليات الدمج الثقافي واللغوي، وتوقف الحراك الاجتماعي، الأمر الذي زاد عزلة أعضاء الجماعة اليهودية والتفافهم حول أنفسهم، خصوصاً أنهم كان بوسعهم (ككتلة بشرية ضخمة) أن يتعاملوا مع بعضهم البعض في كثير من مناحي الحياة دون الحاجة إلى الاحتكاك بأعضاء الأغلبية (ولم يكن هناك في الواقع ما يُغري بمحاولة الاحتكاك أو الاندماج). أما في الولايات المتحدة، فإن يهود اليديشية أصبحوا أيضاً كتلة ضخمة (ما يزيد على المليونين) في فترة زمنية وجيزة. وقد قوبلوا بعداوة من اليهود الألمان والسفارد الذين كانوا لا يفهمون هذه الرطانة، ومن المجتمع ككل كما هو الحال في معظم هذه الأحوال. وكانوا كجماعة مهاجرة، يستمدون شيئاً من الإحساس بالأمان والطمأنينة بالالتفاف حول أنفسهم وعن طريق تكوين جمعيات وجماعات لمساعدة بعضهم البعض في الشئون المالية والاجتماعية وفي عملية التكيف مع المجتمع الجديد. ولذا، كانت اليديشية، منذ عام 1881 حتى العشرينيات، لغة الشارع اليهودي والفلكلور اليهودي عند معظم يهود العالم (روسيا وبولندا ورومانيا وألمانيا وأمريكا وجنوب أفريقيا والأرجنتين وغيرها من بلاد أمريكا اللاتينية) الذين تعود أصولهم إلى الجيب الروسي البولندي ويهود اليديشية. ويُقال إن عدد المتحدثين باليديشية كان نحو عشرة ملايين يهودي، أي معظم يهود العالم. وقد ازدهر، في هذه الفترة، الأدب اليديشي والسينما اليديشية والصحافة اليديشية. وبلغت الثقافة اليديشية ذروتها في كل من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، فكان يوجد في الولايات المتحدة أحد عشر مسرحاً يديشياً في نيويورك وسبعة عشر مسرحاً خارجها. وكانت الجرائد اليديشية توزع ما بين 500 و600 ألف نسخة يومياً. والشيء نفسه في الاتحاد السوفيتي، إذ بدأ يظهر أيضاً إحساس بالهوية اليديشية. ومن هنا، ظهر مفهوم دبنوف بشأن قومية الدياسبورا، والذي كان يعني في واقع الأمر «القومية اليديشية»، ولذا كان دبنوف يطالب بالحفاظ على اليديشية باعتبارها الوعاء اللغوي لهذه القومية. وفي هذه الفترة، ظهر حزب البوند الذي كان يضم في صفوفه كثيراً من العمال اليهود (في روسيا وبولندا) المتحدثين بهذه اللغة. وكانت اليديشية اللغة الرسمية للحزب حيث أصدر منشوراته بها، وطالب الحزب البلاشفة بالاعتراف بها كلغة قومية. وقد اعترف الاتحاد السوفيتي باليديشية كلغة رسمية، وأصبحت إحدى اللغات المُعتَرف بها في المحاكم وتدار بها الجلسات، ولا تزال اللغة الرسمية في بيروبيجان. وقد وصل النظام التعليمي باليديشية إلى قمته في هذه الفترة، في كل من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، فكان عدد الطلبة المسجلين في المدارس اليديشية اثنى عشر ألفاً في الولايات المتحدة. أما في الاتحاد السوفيتي، فتم تأسيس شبكة من المدارس الابتدائية والثانوية يتم التدريس فيها باللغة اليديشية، كما أُسِّست كليات تربوية لإعداد مدرسين لليديشية. وقد وصلت نسبة عدد اليهود الذين التحقوا بهذه المدارس 51% من مجموع الطلاب اليهود عام 1926، وأُسِّست كلية لدراسة الثقافة اليديشية. وبعد نهاية العشرينيات مباشرة، بدأ الاضمحلال والذبول يدبان في جسد اليديشية في كلٍّ من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، ولكن لأسباب مختلفة. ففي الولايات المتحدة، كانت اليديشية تُعتبَر لغة منقولة من بيئة قديمة، ولم يكن لها أساس اقتصادي أو حضاري في البيئة الجديدة، وبالتالي لم يكن لها مستقبل. وفي منتصف العشرينيات مع توقُّف الهجرة، أخذت اليديشية في الاضمحلال السريع. وأخذ أبناء المهاجرين (كما هو مُتوقَّع) يتعلمون الإنجليزية، وبدأت المدارس اليديشية تفرغ من طلبتها. وتدار جلسات معهد ييفو (معهد البحوث اليديشية) في الوقت الحالي باللغة الإنجليزية، كما أنه في حاجة دائمة إلى الدعم المالي الذي تحجبه عنه المؤسسات الصهيونية وهو غير قادر على الاستمرار بدون المعونات التي يحصل عليها من الحكومة الأمريكية. وتوجد الآن جريدة يديشية واحدة في الولايات المتحدة تعيش على المعونات وتَصدُر ثلاث مرات أسبوعياً، وثلاث مجلات توزع اثنين وعشرين ألف نسخة، (قُرَّاء هذه الجرائد والمجلات من المسنين). أما في الاتحاد السوفيتي، فمع تزايُد معدلات التحديث في المجتمع وإتاحة فرص الحراك الاجتماعي، بدأ اليهود ينصرفون عن اليديشية، وأخذت أعداد الطلبة اليهود في المدارس اليديشية في التناقص فوصلت عام 1931 إلى 33% من مجموع الطلبة اليهود في المدارس الروسية، ثم إلى 20% عام 1939. وتكاد النسبة تنعدم الآن، ولذا أُغلقت الغالبية الساحقة من المدارس اليديشية. وقد انصرف الكُتَّاب اليهود الروس والأمريكيون عن الكتابة باليديشية، وآثرت أعداد متزايدة منهم الكتابة بالروسية أو الإنجليزية، كما قام بعضهم بترجمة الأعمال التي كتبها باليديشية إلى الإنجليزية. وهذا لا يعود فقط إلى معدلات التحديث العالية، ولكنه يرجع أيضاً إلى أن اليديشية ليس لها تاريخ حقيقي. كما أنها لا تملك تراثاً أدبياً ثرياً، الأمر الذي يجعل الإبداع الأدبي من خلالها أمراً صعباً. وهذا يُفسِّر تلك الظاهرة التي تبعث على الدهشة، ظاهرة قلة الكلمات اليديشية (معظمها ألماني) التي دخلت اللغة الإنجليزية مع أن ملايين اليهود كانوا يتحدثون هذه اللغة. وربما كان السبب الحاسم هو أن من يكتب أدبه باليديشية لن يجد قراء يُعتدُّ بهم ويصبح مؤلفاً بلا جمهور، وهو أمر يصعب على أي مؤلف قبوله. ومن العناصر الأساسية المشتركة التي أدَّت إلى اختفاء اليديشية، في كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، تغيُّر وضع اليهود الوظيفي ودخولهم مجالات المهن الحرة بأعداد متزايدة، الأمر الذي كان يتطلب ابتعادهم عن مراكز الثقافة ذات الطابع اليهودي التقليدي، وهو ما أدَّى إلى انزواء ما تبقى من ثقافة يديشية منعزلة. وفي الوقت الحالي، لا يوجد سوى بضعة آلاف في الولايات المتحدة يتحدثون اليديشية، أغلبيتهم من كبار السن. أما في الاتحاد السوفيتي، فعدد اليهود الذين صرحوا (في السبعينيات) بأن الروسية هي لغتهم نحو 86,7%، في حين توزَّع 17,7% بين مختلف اللغات، وهو ما يعني أن عدد المتحدثين باليديشية قد لا يزيد على 10%، معظمهم من المتقدمين في السن ويسكنون المناطق الغربية (ليتوانيا ولاتفيا ومولدافيا) التي كانت تضم كثافة سكانية يهودية في الماضي، مع العلم بأن عدداً لا بأس به ممن يصرحون بأن لغتهم هي اليديشية يفعلون ذلك تمسكاً بهويتهم ولكنهم في واقع الأمر لا يتحدثونها. وقد اختفت اليديشية تقريباً في جنوب أفريقيا، وقام النازيون بإبادة بقية يهود بولندا ممن كانوا لا يزالون يتحدثون بها. ولكن من الملاحظ أنه، على الرغم من عدم تصاعُد معدلات التحديث في المجتمع البولندي قبل الحرب العالمية الثانية، كانت اليديشية قد بدأت تذبل وتضمر، وبدأ يهود بولندا يتعلمون البولندية. فلم يكن يهود بولندا، مثلهم مثل يهود الولايات المتحدة أو يهود الاتحاد السوفيتي، يريدون أن يتعلم أولادهم لغة تعوقهم عن الحراك الاجتماعي وتحبسهم داخل حدود ضيقة، وبالتالي أرسلوا أولادهم إلى المدارس القومية (الهولندية أو الروسية أو الأمريكية) حيث يتعلمون اللغة القومية لينالوا حظهم من الحياة. وعلى هذا، فإن الحديث الصهيوني عن اضطهاد الاتحاد السوفيتي (سابقاً) للثقافة اليديشية لا أساس له من الصحة. وقد اختفت اليديشية في الولايات المتحدة دون اضطهاد، بل لم يعرها المجتمع أي التفات، لا تشجيعاً ولا اضطهاداً، وماتت من تلقاء نفسها. ويمكن القول بأن الحركة الصهيونية أسهمت بشكل فعال في الإسراع بعملية موت اليديشية، فمنذ البداية ناصب الصهاينة اللغة اليديشية العداء على اعتبار أنها لغة المنفى، وطرحوا بدلاً منها اللغة العبرية: لغة التراث واللغة القومية « الحقة »! وللغة اليديشية قيمة عالية في وجدان يهود شرق أوربا، فهي الوعاء الذي يحوي تراثهم الحيوي (لا موروثهم الديني الجامد) والذي عبَّروا عن تجربتهم التاريخية في شرق أوربا من خلاله، ولذلك فثمة حنين عاطفي لها في الدولة الصهيونية بين شباب الصـابرا (الإشـكناز) الذي يجـدون أن العـبرية لغة جامدة لا جذور لها، تفتقر إلى امتداد تاريخي يتصورون وجوده في اليديشية بدرجة أكبر. وقد أسقط بعض الإسرائيليين الأسماء العبرية التي اختاروها واستعادوا أسماءهم اليديشية التي كانوا قد أسقطوها. وكثير من المفكرين الصهاينة وأعضاء النخبة الحاكمة في إسرائيل (من الجيل القديم) يتحدثون اليديشية. ولا تزال اليديشية لغة الدراسة بالمدارس الدينية العليا (يشيفا) في إسرائيل، كما أن نواطير المدينة (ناطوري كارتا)، وهم جماعة يهودية أرثوذكسية معادية للصهيونية، يتحدثون اليديشية على اعتبار أن العبرية لغة الصلاة وحسب. وهي أيضاً اللغة التي يتحدث بها المهاجرون الإشكناز من شرق أوربا، ولذلك أصبحت اليديشية إحدى علامات التميز الاجتماعي في إسرائيل. ويُلاحَظ أن اليديشية مازالت مستخدَمة داخل بعض المنازل هناك، ويتعلمها الشباب سماعياً، ولكنهم لا يقرءونها ولا يكتبون بها. ويتكلف بعض الشباب في إسرائيل التحدث باليديشية، حتى السفارد ويهود العالم الإسلامي، إذ أن ذلك يجعلهم بحسب تصوُّرهم من الطبقة الحاكمة، ويعطيهم من ناحية أخرى قدراً من الرضاء الذاتي بالحصول على قيمة ثقافية يهودية، كما يُسهِّل في الوقت نفسه عملية الاتصال بالعناصر المهاجرة الجديدة. وتصدُر في إسرائيل عدة صحف ومجلات باليديشية، ولا يزال هناك أدباء يكتبون بها في كلٍّ من إسرائيل والولايات المتحدة، بعضهم صهيوني والبعض الآخر إما معاد لها أو غير مكترث بها. مؤتمــر تشــيرنوفتـــس Czernowitz Conference «مؤتمر تشيرنوفيتس» مؤتمر عُقد عام 1908 ليُحدِّد دور اليديشية في حياة أعضاء الجماعات اليهودية، وقد دعا إلى عقد المؤتمر كل من نيثان برنباوم وحاييم جيتلوسكي. ونادى المؤتمر بالاعتراف باليديشية باعتبارها اللغة القومية « الوحيدة » ليهود شرق أوربا. وبطبيعة الحال، حدث صراع حاد بين دعاة اليديشية والعبرية. وقد وصل المؤتمر إلى صيغة وسط حيث اعتُبرت اليديشية «لغة قومية » (ضمن لغات أخرى). معهد البحوث اليهودية (ييفو) Yivo ««ييفو» مختصر لعبارة «يديشر فيسينشافتليكر إنستيتوت Yidisher Visenshaftlekher Institut»، وهي عبارة يديشية تعني «معهد البحوث اليهودية» الذي أسسته مجموعة من العلماء اليهود عام 1925 في فلنا (ليتوانيا) لدراسة حياة الجماعات اليهودية في جميع أنحاء العالم، خصوصاً يهود اليديشية، وقد كان لهذا المعهد فروع في ثلاثين بلداً. وانتقـل المعهـد إلى نيويورك مع الحرب العالمية الثانية ونُقلت معه مكتبة فلنا، وتغيَّر اسمه من «معهد البحوث اليهودية» إلى «ييفو: معهد البحوث اليهودية». وينشر المعهد عدة مطبوعات وكتباً، ولكنه يعاني أزمة مالية دائمة نظراً لاختفاء اللغة اليديشية وبالتالي عدم وجود قطاعات يهودية مهتمة بتمويله. كما أن المؤسسة الصهيونية تفضل تخصيص الاعتمادات للدراسات العبرية ولدعم المستوطَن الصهيوني. ولذا، فإن المعهد يعيش على معونات الحكومة الأمريكية. وتُدار جلسات مجلس إدارة المعهد بالإنجليزية. ويصدر المعهد حولية، كما يصدر بعض الكتيبات العلمية. اللادينـو Ladino كلمة «لادينو» تحريف لكلمة «لاتينو»، واللادينو لهجة إسبانية، ولذا فهي تسمَّى أحياناً «إسبانيولي»، كما يُطلَق عليها أحياناً «رومانسي»، و«جوديزمو». ويتحدث بهذه اللهجة اليهود السفارد، وبخاصة يهود المارانو. وتتكون مفردات اللادينو من إسبانية العصور الوسطى (القشطالية) بعد أن دخلتها بضع كلمات من العبرية والتركية واليونانية، وبعض المفردات من اللهجات الإسبانية الأخرى والبرتغالية، غير أن نسبة العناصر الدخيلة على إسبانية اللادينو غير كبيرة كما هو الحال في اليديشية. وتُستخدَم في اللادينو أيضاً النهايات العبرية التي تدخل على الكلمات العبرية. وقد ظهرت هذه اللغة في القرون التي سبقت طرد اليهود من إسبانيا عام 1492. وهي أساساً لغة حديث، ولذا فإن معظم ما كُتب بها كان مجرد شروح على الكتاب المقدَّس. وكانت اللادينو تُكتَب بالحروف العبرية، ولكن المتحدثين بها الآن يكتبونها بالحروف اللاتينية. وهناك نصوص كُتبت باللادينو في العصور الوسطى. لكن أول كتاب مطبوع بهذه اللغة ظهر في القسطنطينية عام 1510، كما طُبعت بها بعـض الروايات والجرائـد في القـرن التاسـع عشر. وقد سادت اللادينو بين الجماعات اليهودية في الدولة العثمانية. وكان أهم مراكزها، حتى الحرب العالمية الثانية، مدينة سالونيكا اليونانية، عاصمة اليهود السفارد. واللادينو على وشك الاختفاء، شأنها في ذلك شأن كل الرطانات التي تتحدث بها الجماعات اليهودية المختلفة في العالم، وذلك بسبب الاندماج أو الهجرة إلى إسرائىل. ويتراوح عدد اليهود الذين كانوا يتحدثون اللادينو، أو على الأقل يفهمونها، بين 200 ألف و300 ألف، حيث كانوا ينتشرون في حوض البحر الأبيض المتوسط وفي الولايات المتحدة. وتتأثر لهجة المتحدثين باللادينو بلغة البلد الذي يعيشون فيه، فالمتحدث باللادينو في يوغوسلافيا يستخدم مفردات سلافية، أما المتحدث بها في تركيا فيمـيل إلى اسـتخدام اللغـة التركية. وفـي إسرائيل، تصدر في الوقت الحالي بعض المطـبوعات باللادينـو، لكن عدد المتحـدثين بهذه اللغة يكاد ينعدم تماماً. الإسـبرانتو Esperanto «إسبرانتو» كلمة مُخلَّقة تعني «الذي عنده أمل». وقد نشر لودفيج زامنهوف (1859 ـ 1917) وهو لغوي من يهود اليديشية (ومن أعضاء جماعة أحبـاء صهـيون) مخطـطاً للغة دولية جديـدة (عام 1877) بتوقيـع « الدكتور إسبرانتو »، وقد أصبحت الكلمة اسماً للغة التي وضعها. ويستند نحو الإسبرانتو إلى التركيب النحوي في اللغات الأوربية. ولكن نحو الإسـبرانتو بسـيط إذ يتكون من 16 قاعـدة ويخلـو من أي شواذ. وقواعد اشتقاق الكلمات بسـيطة إذ يمكن توليد كل الكلمات المطلوبة من عدد صغير من الكلمات الأساسية البالغ 900 كلمة وحسب (بالقياس إلى حوالي 20 ألف كلمة في كل لغة). ومن ثم فمفرداتها لا نهاية لها، ولكن من السهل تذكرها. وقد فكر زامنهوف أن يجعل الإسبرانتو لغة المستوطَن الصهيوني، لكن إليعازر بن يهودا كان قد بدأ عملية بعث العبرية. وقد عُقد أول مؤتمر للإسبرانتو في فرنسا عام 1905، ثم عُقدت عدة مؤتمرات حتى بداية الحرب العالمية الأولى. ومع أنه هناك عدة محاولات أخرى لتطوير لغات عالمية، فإن الإسبرانتو لا تزال هي أشهر هذه اللغات. ويبدو أن زامنهوف كان يدور في إطار فكر عصر الاستنارة الذي يُعادي كل الخصوصيات حتى يظهر الإنسان الطبيعي، ومن ثم فقد طوَّر لغة طبيعية عالمية علمانية محايدة تقترب من حالة الجبر والهندسة، معقمة من التاريخ والزمان والإنسانية. ولذا فهي لغة طبيعية وُلدت ميتة، وقد لاحظ دارسو الإسبرانتو أنها تصلح للتعبير عن الحاجات المادية (الطبيعية) للإنسان (مثل طلب الطعام والشراب) إلا أنها لا تصلح للتعبير عن أية قضايا إنسانية مركبة (تلك القضـايا التي يتعامل معها الدين والفلسفة). ومن الطـريف أن زامنهـوف حـاول تطـوير ديانة عالمية طبيعية محايدة (مثل الإسبرانتو) سماها الهليلية (نسبة إلى الحاخام هليل الذي كان يدَّعي زامنهوف أنه من نسله). ولا شك في أنه كان يهدف من مساعيه العالمية هذه أن يتوصل إلى بنىًّ فكرية وفلسفية لا تتمتع بأية خصـوصية قوميـة أو دينيـة وتقضي على أي تطلُّع إنساني أو ديني. |
|
#130
|
|||
|
|||
|
اخوتي الكرام اعتذر عن التأخير لظروف خارجة عن ارادتي
بسم الله اكمل الباب الحادى عشر: المفكرون من أعضاء الجـماعات اليهودية الفكـــر اليهــودي والمفــكرون اليهــود Jewish Thought and Jewish Thinkers تُطلَق عبارة «فكر يهودي» أحياناً على الكتابات التي يكتبها مفكرون من أعضــاء الجماعـات اليهـودية («المفكرون اليهـود» في المصطلح الشائع)، وكأن هناك عناصر يهودية متكررة تربط بين كتابات هؤلاء المفكرين وتضفي عليها درجة من الوحدة. ويمكننا أن نسأل: ما الوحدة التي تربط كتابات يوسيفوس فلافيوس ويهودا اللاوي وإسحق لابيرير ويعقوب صنوع ومراد فرج وألبير ميمه، حتى يمكن تصنيف فكرهـم على أنه يهـودي؟ فإسـحق لابيرير وألبير ميمه فَقَدَا الإيمان الديني، ومراد فرج يهودي قرّائي ويوسيفوس يهودي متأغرق، أما يهودا اللاوي فهو من اليهود المستعربة، وتأثرت عقيدة كلٌّ منهم بمحيطه الحضاري. ومن ناحية الانتماء الحضاري ولغة الكتابة والتقاليد الفكرية، فإن يوسيفوس جزء من التراث الهيليني، ويهودا اللاوي جزء من التراث العربي الإسلامي القديم، على عكس يعقوب صنوع ومراد فرج فهما جزء من التراث العربي الإسلامي في مصر. وكل مؤلف من هؤلاء يكتب بلغة مختلفة تماماً عن لغة الآخر. وتتنوع القضايا التي يتعامل معها هؤلاء المفكرون والكُتَّاب بتنوع لغاتهم وحضارتهم، وإن بقيت عناصر مشتركة فلن تكون لها قيمة تفسيرية أو تصنيفية كبيرة. ولذا، قد يكون من الأفضل الحديث عن مفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية بسبب المقدرة التصنيفية والتفسيرية العالية لهذا التعبير، فهو يؤكد عدم التجانس والتنوع، ويمكن داخل هذا الإطار أن نشير إلى المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب باعتبار أن لهم بعض السمات المشتركة التي يكتسبونها من داخل التشكيل الحضاري الغربي لا رغماً عنه أو من خارجه. وقد تزايد بروز المفكرين اليهود في الحضارة الغربية مع تزايُد حلوليتها وتزايُد عدميتها في مرحلة الحلولية بدون إله. وحينما ظهر نيتشه الذي أعلن موت الإله، تلبست النيتشوية المفكرين اليهود في أواخر القرن التاسع عشر، إذ كانت الحلولية اليهودية قد توصلت إلى النيتشوية قبل نيتشه (على حد قول آحاد هعام). ومما لا شك فيه أن غربة المثقف اليهودي في مجتمعه عمقت اغترابه وموقفه النقدي والعدمي. ونحن نرى أن هذه العناصر جعلت المثقفين اليهود أكثر حداثة وأكثر امتلاكاً لناصية الخطاب الحضاري الغربي الحديث، ومن ثم أكثر بروزاً. ومع هذا، حتى لا نسقط في التعميمات البسيطة والاختزالات السهلة، لنا أن نلاحظ أن من الأنماط التي تتواتر بين المثقفين من أعضاء الجماعات اليهودية، أن عدداً لا بأس به منهم ينتمون إلى زمرة المثقفين التي تحاول الاحتفاظ بالوظيفة النقدية للعقل، بحيث لا يُستوعب العقل في المادة ويظل متجاوزاً وبشكل دائم للأمر الواقع والوضع القائم، أي أنهم يحاولون تخطِّي الحلولية الكامنة في الفكر العلماني المادي عن طريق افتراض وجود نقطة ثبات خارج النسق (شيستوف ولا محدودية الاحتمالات ـ إرنست بلوخ والإمكانية الإنسانية التي لم ولن تتحقق، أي مقولة «ليس بعد» ـ العداء بين المعرفة والدولة عند ولتر بنجامين ـ القيم الأخلاقية الدائمة عند ليو ستراوس ـ المجال الخاص الذي يستطيع الفرد أن يفكر فيه وأن يحكم ضميره عند أرنت ـ التعددية التي لا يمكن اختزالها عند أيزياه برلين ـ المسيحية وسيمون فاي... إلخ). ويُلاحَظ وجود الظاهرة نفسها عند بعض الفلاسفة وعلماء الاجتماع والنفس من أعضاء الجماعات اليهودية. مفكرون ومثقفون من أعضاء الجماعات اليهودية Thinkers and Intellectuals from Members of Jewish Communities نفضل استخدام مصطلح «مفكرون ومثقفون من أعضاء الجماعات اليهودية» بسبب مقدرته التصنيفية والتفسيرية العالية، فهو يؤكد عدم التجانس كما يؤكد التنوع والانفصال بين المفكرين اليهود. ونحن في هذه الموسوعة، نفرق بين «الفكر» و«الفلسفة». وهو فصل متعسف بعض الشيء، بخـاصة في العصـر الحديث، حيث نجد أن جزءاً كبيراً من التفكير الفلسفي يتم من خلال دراسات في اللغة (تشومسكي وفتجنشتاين ودريدا) والأنثروبولوجيا (كلود ليفي شتراوس) وعلم النفس (فرويد) وعلم الاجتماع (أدورنو وهوركهايمر). ومع هذا، فإن الفصل هنا ذو فائدة تصنيفية، من منظور هذه الموسوعة، بل وله فائدة تفسيرية أيضاً. يهــودا الـلاوي (1080-1141) Judah Halevy شاعر وطبيب ومفكر عربي يهودي يُكنَّى بأبي حسن اللاوي. وُلد في طليطلة التي احتفظت بطابعها الإسلامي لبعض الوقت حتى بعد أن استولى عليها المسيحيون. وتلقَّى تعليمه في إسبانيا الإسلامية حيث درس اللغة العبرية وعلوم الدين اليهودي والفلسفة وكذلك اللغة العربية وآدابها والطب. وعندما تقدم به العمر، خرج من الأندلس إلى الإسكندرية، ثم ذهب إلى دمياط حيث مكث عامين يعمل بالتجارة، ومنها سافر إلى القاهرة التي خلبه جمالها وكتب قصائد في وصفها. ثم توجه إلى الشام حيث مات هناك. وتقول الأساطير التي ترددها الكتب الصهيونية إن عربياً قتله برمحه وهو على مشارف القدس. ويبدو أنه وقع تحت تأثير الأفكار المشيحانية، فتصوَّر أن العصر المشيحاني وانهيار حكم المسلمين في الأندلس هو عام 1130. وبطبيعة الحال، لم يتحقق هذا الحلم أو غيره من أحلامه المشيحانية الأخرى. ويُعَدُّ اللاوي من أشهر شعراء العبرية في عصره، فقد امتلك ناصية الشعر العبري بعد تأثره بالشعر العربي وأوزانه وأدخل كثيراً من مضامينه وأشكاله على الشعر العبري. وكتب اللاوي كثيراً من القصائد ذات الأغراض الدنيوية (مثل الحب ووصف الطبيعة). كما كتب قصائد في المدح والمناسبات كافة، فكتب قصائد ذات طابع ديني مثل «أغنية إلى صهيون»، وتحدث عن الأرض المقدَّسة التي سكن فيها الرب، وعن اختياره الشعب اليهودي رغم معاناة أفراده، وعن رغبته في العودة. ونظم بعض القصائد للمناسبات الدينية مثل الاحتفال بالسبت والأعياد وأيام الصوم، ووجدت هذه القصائد طريقها إلى كل كتب صلوات العيد (ماحزور). اتخذ اللاوي موقفاً معادياً للفلسفة، وقال إن الفلسفة من عبث العقل، وتبدَّى موقفه هذا في شعره الديني. ولكن أهم مؤلفاته هو كتاب الخزري (سيفر هاكوزاري) الذي يُعرَف أيضاً باسم الحجة والدليل في نصر الدين الذليل. وقد أُلف الكتاب بالعربية ودُوِّن بحروف عبرية حتى لا يُتداول إلا بين اليهود، وهو يُعَدُّ من كلاسيكيات الفـكر العربي اليهـودي. والكتاب يدور حول حادثة تهود بولان، ملك الخزر، ولا يعدو أن يكون صدى لبعض التيارات الفكرية في العالم الإسلامي. فقد انتشر علم الكلام بين كثير من المفكرين اليهود وسيطر تماماً على فكر القرّائين الذين تبنوا العقل وجعلوه الأساس الوحيد للتفسير والاجتهاد. وكتاب الخزري هو رد اللاوي على هذا الاتجاه متأثراً في شكله وفكره بمؤلفات الغزالي (1058 ـ 1111). ويأخذ الكتاب شكل مناظرة بين حاخام يهودي وقس مسيحي وشيخ مسلم وفيلسوف أرسطي، ويعرض كل واحد منهم وجهة نظره، وبعد الحوار الطويل (وبعد أن يعرض كلٌّ موقفه) يختار ملك الخزر اليهودية ويعتنقها. ويُهاجم اللاوي الفلسفة اليونانية ويُبيِّن عجز العقل عن الوصول إلى الحقيقة. ولذا، فهو يعتقد أن الفلسفة لابد أن تظل في خدمة الدين. وكان اللاوي يتصور أن الإسلام والمسيحية يرتكزان على شخصيتي محمد عليه الصلاة والسلام والمسيح عليه السلام، وأن القرآن (لأنه مكتوب بالعربية) موجه إلى العرب وحسب، على حين أن اليهودية لا تدور حول شخص، وإنما تستند إلى الشعب اليهودي الذي اختصه الرب بالتوراة دون شعوب الأرض. ويعبِّر تاريخ هذا الشعب عن الإرادة الربانية، ومن ثم فهو تاريخ مقدَّس. ومن أهم القضايا التي طرحها اللاوي في كتابه قضية النبوة، فهو يرى أن ملَكة النبوَّة مقصورة على أقلية منذ آدم ولا تظهر إلا في فرد واحد في كل جيل. وهذه المَلَكة انتقلت من إبراهيم إلى إسحق ومنه إلى يعقوب ومن يعقوب إلى كل شعب يسرائيل وهو الشعب الوحيد الذي ظهر بينه العديد من الأنبياء. ولكن ملَكة النبوَّة ليست كافية في حد ذاتها لأن يصبح المرء نبياً. وهنا يورد اللاوي صورة الكرمة الرفيعة المجازية التي يجب أن تُزرع في تربة خاصة، ويُعتنى بها بمهارة غير عادية قبل أن تُعطي العنب الذي يمكن استخلاص الخمر الفاخر منه. وهكذا النبوَّة، لا يمكنها أن تزدهر إلا في أرض خاصة وهي أرض يسرائيل، وتحتاج إلى طريقة خاصة للعناية بها وهي اللغة العبرية، وقوانين الكتاب المقدَّس الشعائرية. وتحت هذه الظروف فقط، يستطيع الأنبياء أن يسمعوا الكلمة المقدَّسة ويُدركوا الرؤىا السماوية. وبهذا، يمكن تفـسـير عدم ظـهور أنبيـاء في يسرائيل بعد النفي. ولن تتحقق موهبة يسرائيل ولن تعود مقدرتها على التنبؤ إلا بعد عودتها إلى الأرض. وهذا الرأي يربط من جهة بين النبوَّة وتميُّز يسرائيل وبين عناصر طبيعية وبيولوجية، ويربط بين الحلولية اليهودية التقليدية وصورة الطبيعة العضوية المجازية من جهة أخرى. وهو، بهذا، يُعَدُّ أحد رواد الفكر الصهيوني الذي يربط بين الشعب والأرض واللغة والرب ويراها جميعاً كلاًّ عضوياً ملتحماً بسبب حلول الرب في مادة يسرائيل المقدَّسة. وهذه الفكرة تشبه فكرة الشعب العضوي (فولك) الألمانية. ثم يتوجَّه اللاوي إلى مشكلة الشعب الذليل الذي قد يُؤخذ عذاب أفراده قرينة على رفض الرب لهم. وهنا يلجأ اللاوي إلى تفسير طريف بقدر ما هو ملتو، إذ يقول إن الأمم لا تُباهي بمحاربيها وملوكها وإنما بشهدائها (وهنا يظهر التأثير الواضح للفكر المسيحي عليه بتأكيد حادثة الصلب باعتبارها حادثة ذات دلالة عميقة على عكس الإسلام الذي يؤكد نصر الله والفتح). وبالتالي، يكون العذاب ميزة، وهي ميزة يتمتع بها اليهود. ولعل القصور الوحيد عند اليهود يكمن في أنهم لا يتعذبون برضاهم. ولكنه يستدرك قائلاً: إن عذاب اليهود مسألة تتم باختيارهم، إذ أن بمقدور اليهودي أن يهرب من معاناته باعتناق دين آخر. ثم يضيف أن هناك هدفاً وراء معاناة اليهود، فيسرائيل هي بمثابة القلب بين أعضاء الجسد، وهذه فكرة صهيونية أخرى، حيث تمنح الشعب اليهودي مركزية في الكون والتاريخ الإنساني. ابــن كمونـة (1215-1285) Ibn Kamuna ابن كمونة اسم الشهرة لسعد بن منصور بن سعد بن الحسن الإسرائيلي. عاش في بغداد وعَمل بعض الوقت مع الغزاة المغول الوثنيين. ارتبطت شهرته بكتابه الجديد في الحكمة، وهو الكتاب الذي نال اهتماماً خاصاً من المسلمين وأعضاء الجماعات اليهودية. مع أن لابن كمونة مؤلفات أخرى، مثل التذكرة في الكيمياء، وشرح كتاب الإشارات والتنبيهات لابن سينا، وشرح كتاب التلويحات العرشية للسهروردي، و تنقيح الأبحاث في البحث عن الملل الثلاث. وهذا الكتاب الأخير مطبوع مع ترجمة للإنجليزية (جامعة كاليفورنيا 1967، نشرة موسى برلمان). أما الكتب الأخرى فهي في حكم المفقود. يتناول الكتاب النقاش الدائر بين أتباع الديانات الثلاث (اليهودية والمسيحية والإسلام)، ويبدأ بفصل تمهيدي عن النبوة بشكل عام ثم يُتبعه بفصول عن النبوة في الديانات الثلاث تتسم بالموضوعية. كما يتبدَّى في الكتاب تعَاطُف ابن كمونة مع الاتجاهات العقلانية (مقابل الاتجاهات الصوفية والإشراقية). ولكن مادة الكتاب في معظمها اقتباسات من كتابات ابن سينا والغزالي وموسى بن ميمون (دون أن يعيِّن المصدر). وقد نسب البعض لابن كمونة كتاب إفحام اليهود مع ادعاء أنه أسلم في آخر حياته! وهو خلط بين ابن كمونة والسموأل، فالأخير هو الذي أسلم وألَّف الإفحام. ويُعدُّ الجديد في الحكمة أحد أهم المؤلفات الفلسفية (ذات الطـابع الديني) في القرن السـابع الهـجري. ومع أن مؤلفه يهودي الديانة، إلا أن الكتاب يحمل طابع الثقافة الإسلامية الأصيل آنذاك؛ فهو مكتوب بلغة عربية فصيحة، ويعالج القضايا نفسها التي عالجها المسلمون آنذاك، مستخدماً مصطلحاتهم وتقسيمهم للقضايا. بل يعكس ابن كمونة، بقوة، طابع الثقافة الإسلامية التي كان المسلمون يبدأون بها مؤلفاتهم؛ يقول ابن كمونة بعد البسملة: أحمد الله تعالى حمداً يُقرِّب إلى جنابه الكريم، ويُوجب المزيد من فضله وإحسانه؛ وأستغفره استغفاراً يؤمِّن من عقابه الأليم، ويُخلِّد في الفردوس الأعلى من جنانه؛ وأسأله الهداية إلى صراطه المستقيم، بإلهام الحق وإنارة برهانه [لاحظ السجع التبادلي المُركَّب بين العبارات]. وبعد، فقد اتفق أرباب العقائد العقلية، والديانات النقلية، على أن الإيمان بالله، واليوم الآخر، وعمل الصالحات؛ هو غاية الكمالات الإنسانية... إلخ. ولا يحمل الجديد في الحكمة أي جديد مخالف لما قرره العلماء المسلمون السابقون على ابن كمونة، وبخاصة متكلمو المعتزلة والأشاعرة، فهو يكاد يلخص أقوالهم، أو بالأحرى: ينتقي من أقوالهم أشهرها. ومهما فتَّشنا في هذا الكتاب، فلن نجد دليلاً واحداً ـ ظاهراً أو مستتراً ـ على يهودية مؤلّفه ابن كمونة؛ حتى أنه لم يفعل كسلفه موسى بن ميمون الذي كان ينثر في كتابه دلالة الحائرين بعض آيات التوراة بين آراء متكلمي المسلمين، ليُضفي طابعاً يهودياً مُصطَنعاً على ثقافته العربية الإسلامية. وقد كتب ابن كمونة كذلك كتيباً عن الفرق بين اليهود الحاخاميين والقرّائين. ولا تشير المصادر اليهودية إلى ابن كمونة. إســحق لابيــرير (1594 أو1596-1676) Isaac La Peyrere عالم لاهوت فرنسي من أصل ماراني وأحد نقاد العهد القديم. وُلد في بوردو، وكانت مركز تجمُّع اليهود المارانو، ونُشِّئ على العقيدة الكالفنية إذ كان من الهيجونوت. كتب مؤلفاً بعنوان الإنسان قبل آدم، صُودر عند نشره وإن استمر تداوله مخطوطاً في فرنسا وهولندا والدنمارك. كما كتب عام 1643 كتاباً ذا طابع صهيوني مشيحاني يُسمَّى استدعاء اليهود. وفي عام 1644، ذهب لابيرير إلى كوبنهاجن مع السفير الفرنسي، وألَّف كتابين عام 1647 عن جرينلاند وأيسلندا يعدان من الدراسات الأنثروبولوجية الرائدة. وقد أطَّلعت الملكة كريستينا على مخطوطة كتاب الإنسان قبل آدم وحثته على نشره على نفقتها، فطُبع عام 1655 في كلٍّ من أمستردام وبازل، وظهرت خمس طبعات لاتينية عام 1655 وطبعة إنجليزية عام 1656 وطبعة هولندية عام 1666، وقد أُحرق الكتاب في كل مكان بسـبب أطروحاته المهرطقة القائلة بأن آدم لم يكـن الإنسـان الأول، وأن العهد القديم ليس سجلاً لتاريخ الجنس البشري وإنما لتاريخ اليهود وحسب، وأن موسى لم يكتب أسفار موسى الخمسة وأنه لا توجد نسخة دقيقة واحدة من الإنجيل. وأُلقي القبض عليه، ولم يُفرَج عنه إلا بعد أن تكثلك وعبَّر عن ندمه أمام البابا. وقد فعل هذا من أجل التقية على طريقة المارانو قائلاً إن هرطقاته هي نتيجة تنشئته الكالفنية، وأنه على الرغم من عدم اتفاق كل اليهود والمسيحيين معه، ورغم أنه لم يعثر على أية شواهد توراتية أو عقلية ضد نظرياته، إلا أنه سيتخلى عنها كلها لأن الكنيسة قررت أنها خاطئة. ومع هذا، استمر لابيرير في جمع الشواهد على نظرية الوجود الإنساني قبل آدم. ويذهب بعض المؤرخين إلى أن لابيرير هو من آباء الصهيونية التي تضرب بجذورها في مشيحانيته المارانية، إذ ذهب في كتابه استدعاء اليهود إلى أن الماشيَّح على وشك الظهور، وأنه سيقود اليهود إلى صهيون بمسـاعدة ملك فرنسـا، وأن عودتهم شرط انتصار المسـيحية. والكتاب مليء بالصور القبَّالية والغنوصية. وتبيِّن كتابات لابيرير تداخل عدة موضوعات أساسية في الحضارة الغربية الحديثة (المشيحانية ونهاية التاريخ والاستعمار والعلمانية والصهيونية). وتوجد نقط تشابه كثيرة بين لابيرير وإسبينوزا الذي تأثر به، ولعل هذا رافد قبَّالي آخر يصب في فكر إسبينوزا. ويُبيِّن لابيرير مدى تأثير الفكر الماراني على مسار الفكر الغربي الحديث. مــراد فــرج (1866-1956) Murad Faraj كاتب مصري يهودي قرّائي كان يكتب بالعربية والعبرية، صدر له حوالي ثلاثين مجلداً من الأشعار والكتابات الدينية والقانونية. وقد وُلد مراد فرج في القاهرة ودرس المحاماة وعمل بالحكومة المصرية خلال عهد الخديوي عباس حلمي، واهتم بشئون طائفة اليهود القرّائين ومشاكلها، وقـام بتـحرير جريدة الطائفة التهذيب حيـث نشـر كثيراً من مقالاته الأولى. واشتغل بالمحاماة بعد استقالته من وظيفته وحتى عام 1932، ثم تفرغ بعد ذلك تماماً للأنشطة الأدبية. ونشر مراد فرج كثيراً من مقالاته وأشعاره في الصحف والمجلات المصرية مثل جريدتي الجريدة و المؤيد. وتناولت مقالاته قضايا فلسفية وفكرية واجتماعية متعددة، وبخاصة في مجال العلاقة بين الطوائف الدينية. ولم تتناول مقالاته الأحداث السياسية برغم سخونة الأحداث في تلك الفترة باستثناء مقال واحد دعا فيه إلى ضرورة الوحدة الوطنية بين عناصر الأمة الثلاثة: المسلمين والمسيحيين واليهود، وناشد المسلمين بمعاملة غير المسلمين على قدم المساواة. كما صدر لفرج مجموعة من الأشعار (أثنى عليها الشاعر المصري الكبير أحمد شوقي من قبيل المجاملة، فليس فيها ما يميزها عن غيرها من المجموعات الشعرية التي يكتبها صغار الشعراء في كل العصور) من أهمها ديوان فرج الذي صدر في خمسة مجلدات في الفترة بين عامي 1912 و1935، و مجموعة الشعراء اليهود العرب التي صدرت بين 1929 ـ 1932. كما أصدر عام 1945 مجموعة أخرى من الأشعار بالعربية والعبرية. وقد كتـب فـرج جـميع أعماله الدينية بالعربية ما عدا عملاً واحداً. ومن بين هذه الأعمال القرّاءون والربانيون (1918)، واليهودية (1920)، و تفسير التوراة (1928)، و القدسيات والتي ترجمها إلى العبرية عام 1923. وتناول فرج في هذا العمل الأخير كثيراً من القضايا اليهودية؛ خصوصاً علاقة اليهود بغير اليهود، والمشروع الصهيوني في فلسطين، والذي أبدى فرج بعض التعاطف معه رغم انتمائه القرّائي. وقد تفرغ فرج خلال الأعوام العشرين الأخيرة من حياته لكتابة معجم مقارن للغتين العربية والعبرية، كما قام بترجمة أجزاء من العهد القديم إلى اللغة العربية. وانتُخب عام 1936 عضواً في مجمع اللغة العربية. وليس هناك بُعد يهودي في كتابات مراد فرج إلا مجموعة الكتب والدراسات التي كتبها عن اليهود واليهودية (وهي لا تتسم بكثير من العمق). فرتــز هـابر (1868-1934) Frtiz Haber كيميائي فيزيائي ألماني يهودي حاصل على جائزة نوبل. وُلد في برسلاو ابناً لتاجر كيماويات وأصباغ ناجح. درس الكيمياء وحصل على الدكتوراه من جامعة برلين، وعُيِّن عام 1906 أستاذاً في الكيمياء الفيزيائية والكهربائية. ونجح من خلال أبحاثه العلمية في الوصول لقانون في الكيمياء أصبح يحمل اسمه، إلا أن أهم أعماله كانت في مجال تطوير عملية إنتاج مادة النشادر عن طريق دمج عنصري الهيدروجين والنيتروجين كيميائياً. ومُنح هابر جائزة نوبل عام 1918 عن هذا الإنجاز العلمي. وقامت بعض الشركات الألمانية الكبرى بتطوير هذه المادة صناعياً واستغلالها تجارياً، كما كانت هذه المادة ذات أهمية كبرى للمجهود الحربي الألماني خلال الحرب العالمية الأولى، وبخاصة في إنتاج المتفجرات. وفي عام 1911، عُيِّن هابر أول رئيس لمعهد قيصر فيلهلم للبحوث في برلين. وفي عام 1914، تم توجيه نشاط المعهد للمجهود الحربي الألماني، خصوصاً باتجاه الحرب الكيماوية، حيث أشرف هابر على عمليات تطوير واستخدام غازات الكلور والخردل. وعقب انتهاء الحرب عمل هابر على تطوير المعهد حتى أصبحت ألمانيا في العشرينيات الدولة الأولى في العالم في مجال الكيمياء الفيزيائية. وانتُخب هابر رئيساً للجمعية الألمانية الكيميائية. وبعد أن أمضى عدة أشهر في اليابان، قام بتأسيس «معهد اليابان» في كلٍّ من طوكيو وبرلين بغرض تدعيم العلاقات الثنائية والتفاهم بين البلدين. كما أجرى هابر بعض الأبحاث لمحاولة استخراج الذهب من مياه البحر وذلك لمساعدة ألمانيا في دفع تعويضات الحرب. وكان هابر رافضاً لأصوله اليهودية، بل ترك العقيدة اليهودية وتنصَّر. ولذلك، لم يتعرض لأي تهديد أو اضطهاد عندما وصل النازي إلى الحكم في ألمانيا عام 1933. ولكنه استقال من رئاسة المعهد بعد أن رفض طلب الحكومة النازية بطرد جميع العاملين اليهود بالمعهد. وقد سافر عقب ذلك إلى سويسرا حيث تُوفي في إحدى المصحات. جوســتاف لانـداور (1870-1919) Gustav Landauer مفكر ألماني فوضوي اشتراكي وابن تاجر ثري. درس الفلسفة ولكنه طُرد من الجامعة بعد أن حُكم عليه بالسجن عام 1893 لأنه حرَّض مجموعة من العمال على الثورة. ثم قُبض عليه مرة أخرى عام 1896 وهو يدعو إلى التمرد. يتسم فكر لانداور بأنه فكر صوفي عضوي حلولي فوضوي، فقد تأثر بأفكار الفوضوي الروسي كروبتكين. وقام لانداور بترجمة أعمال المتصوف الألماني مايستر إيكهارت إلى الألمانية الحديثة. ووجد أن فلسفة صديقه فريتز ماوثنر في اللغة قد فتحت آفاقاً عظيمة لكل من التعددية الفلسفية والصوفية، فهي فلسفة إلحادية تماماً ترى أن كل فكر يُرد إما إلى المادة أو إلى أوهام الإنسان. وهي فلسفة أعلنت أن من المستحيل الوصول إلى أية حقيقة من خلال اللغة، وهو ما يعني أن الحقيقة فردية نسبية، وما يقوله شخص لا يفهمه شخص غيره، ومن هنا التعددية (الفوضوية) والنسبية والفردية الصوفية. وقد رفض لانداور أية سلطة أو إدارة مركزية واقترح بدلاً من ذلك ما سماه «الرابطة الاشتراكية» التي ستحل محل الدولة والاقتصاد الرأسمالي. فطالب بثورة يلعب فيها الأفراد (لا الطبقة العاملة) دوراً أساسياً، أفراد سيقومون بصياغة علاقات تعاونية جديدة لتؤسِّس أسلوباً جديداً للحياة من خلال القدوة الحسنة وليس من خلال السياسة أو الحزب. وحينما اندلعت الحرب العالمية الأولى عارضها لانداور، وتحمَّس لانتفاضة بافاريا، ودعاه إيسنر (رئيس وزراء جمهورية بافاريا) إلى ميونيخ وعيَّنه وزيراً، وقد استمر في منصبه بعد اغتيال إيسنر وبعد إعلان بافاريا جمهورية سوفيتية. وكان لانداور، رغم فوضويته وفرديته، يؤمن بفكرة الديكتاتور العادل الذي يعرف مصلحة رعاياه خيراً منهم، كما كان يرى أن الفكرة المشيحانية في اليهودية فكرة ثورية إلى أقصى حد. فاليهود شعب ينتظر الماشيَّح والمنفى، ولذا فإنهم يقومون بتثوير كل الشعوب. وهم يُعتبرون، على أحد المستويات، بمثابة ماشيَّح الشعوب، وكان يرى أن خلاص اليهود والإنسانية شيء واحد لا يتجزأ. بل إنه كان يرى أن سنة اليوبيل في اليهودية تجعل من الثورة الدائمة أساس الدستور الاجتماعي. ورغم أن لانداور كان ملحداً، يهودياً غير يهودي، إلا أن استخدامه بعض الأفكار والمصطلحات اليهودية جعل الكثيرين يعتبرونه مسئولاً عن كثير من الجرائم التي ارتكبتها جمهورية بافاريا. كما ارتبط اسمه بالدعاية المعادية لليهود باعتبارهم من دعاة الفوضوية، والفوضىون مسئولون عن ضعف ألمانيا. وقد قُتل لانداور في الشارع حينما وصلت القوات الألمانية النظامية وقضت على الجمهورية. صدرت للانداور رواية عام 1893، كما صدرت له مجموعة قصص قصيرة عام 1903، وله دراسات في أعمال شكسبير المسرحية وفي النظرية الاشتراكية. وقد أثر فكر لانداور في كثير من المفكرين اليهود والصهاينة، خصوصاً مارتن بوبر، ويبدو أن معظم أفكار بوبر الاشتراكية الصوفية تعود إلى لانداور. ويبيِّن فكر لانداور الصوفي الحلولي مدى تداخل الفكر الديني اليهودي بالفكر المسيحي في عصر الحلولية والعلمانية. ويبدو أن إيكهارت (المسيحي) أثر في لانداور (اليهودي) الذي أثر بدوره في بوبر (اليهودي) الذي ترك أثراً عميقاً في الفكر الديني المسيحي واليهودي في العصر الحديث. إرنست بلـوخ (1885-1977) Ernst Bloch فيلسوف ألماني ماركسي يهودي. نشر كتابه روح اليوتوبيا (المدينة المثالية) عام 1918، وهو خليط غريب من التصوف اليهودي والهرطقات المسيحية والرومانسية الألمانية والمشيحانية الماركسية. وكان بلوخ مُعجباً بجيوردانو برونو ونيكولاس كوزا والمتصوفين المسيحيين الذين رأوا مملكة الرب باعتبارها إمكانية كامنة في الإنسان. هاجر بلوخ إلى الولايات المتحدة عام 1938، وبعدها كتب أهم أعماله مبادئ الأمل وهو دراسة ضخمة في الفكر الطوباوي. وقد وُصف بلوخ بأنه رومانتيكي ماركسي أو حتى اشتراكي تلمودي. بينما يصف هو فلسفته بأنها الأمل في المستقبل، وهو يرى أن الفن والدين هما مستودع الحاجات الروحية والتطلعات المثالية (الطوباوية) التي تكافح لتعبِّر عن نفسها. فالفن والدين يحتويان على ما يُسميه بلوخ «فائض الحضارة» بما يتجاوز الواقع وما هو مُعطي وتاريخي ومادي، ومن ثم فالفائض الحضاري هو المثالي والطوباوي، هو الأمل الذي يتجاوز الواقع. ويرى بلوخ ضرورة أن تحتفظ النظرية الثورية بهذا اللب الطوباوي للدين والفن كأفق تاريخي للجدلية التاريخية. ولذا يجب على النظرية الثورية أن تفهم فكرة التجاوز الدينية والخلاص والتطلع للحياة الآخرة. ويمكن القول بأن بلوخ يحاول أن يولّد ثنائية داخل النظام المعرفي المادي (تجاوز من خلال المادة) حتى يحتفظ بروح الثورة والأمل؛ ثنائية تشبه الثنائية التقليدية. وبالفعل يتحدث عن أن الأمل الطوباوي يشغل الحيز نفسه الذي كان يشغله الإله من قبل. ولذا تظهر داخل فلسفته ثنائية هيومانية: الإنسان مقابل المعطيات الجامدة وكل ما يشيّئه. فهو يرى على سبيل المثال أن مصدر الثورة هو التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج (على حد قول النظرية الماركسية التقليدية)، ولكن « اتجاه » الثورة هو أمر كلي ونهائي (تطلق عليه الديانات لفظ «إسكاتولوجي» أو «تيليولوجي»، أي «علم نهاية الأشياء»). وهذا تعبير عن ثنائية عالم الأشياء مقابل اليوتوبيا. والإنسان نفسه تعبير عن هذه الثنائية، فهناك قوانين التاريخ الحتمية والأفق المادي الذي يعيش فيه، ولكن هناك أيضاً داخل الإنسان إمكانيات لم تتحقق بعد. فهو يعيش في أفق «ليس بعد» (بالألمانية: نوخ نيخت Noch-Nicht). وهذه الإمكانية المثالية الطوباوية هي التي تحرك الإنسان وهي التي تجعل الطفرات النوعية نحو الجديد ممكنة وهو ما يعني وجود انقطاع في التاريخ، أي أن الحديث عن الحتمية التاريخية (كما يفعل الماركسيون الآليون) أمر لا معنى له. هذا لا يعني أن الممكن، غير المتحقق، (ما ليس بعد) منفصل عن الحقيقي، فهو إرهاص له، هو طريق الخلاص للإنسان ولكنه خلاص يتحقق داخل العالم المادي. ولذا، ينادي بلوخ بإنسانية ثورية،أي إنسانية تحقق للإنسان،إمكانياته من خلال نضال ثوري وتحوُّل اجتماعي (هذا في مقابل ما يُسميه «الإنسانية البورجوازية» التي تُمجِّد الإنسان كوضع قائم في المجتمع البورجوازي).فالإنسان «ليس بعد» لأنه مقيد بالأحوال الاجتماعية والتاريخية المحيطة به والمؤسسات التي تمنعه من تحقيق إمكانياته. وغاية الفلسفة معرفة هذه الإمكانية التي لم تتحقق،ومن ثم فإن المعرفة الفلسفية معرفة ثورية لأنها تدفع صاحبها إلى ما ليس بعد. كما تدفع العالم من حوله نحو الأفضل وتقوده إلى الحرية.وبدون هذا العنصر المثالي الطوباوي فإن الماركسية ستتشيأ وتسقط في العقلانية التكنولوجية وتصبح مرتبطة بالوضع القائم الملحد الذي يُعطل الروح الإنسانية ويقضي عليها (أي يقضي على ثنائية الإنسان والأشياء) ولا يُبقي سوي فرد متشيئ ذي بُعد واحد وفردوس متشيئ. ومن الواضح أن بلوخ يبذل قصارى جهده للهروب من انغلاق النسق المادي ومن السقوط في نهاية التاريخ، حتى لا يضيع الحلم الإنساني الطوباوي تماماً. ومع هذا تُطل إشكالية نهاية التاريخ برأسها القبيح، إذ يُبشر بلوخ بفردوس أرضي يمكن أن يتحقق إذا ما تم تحرير كل من قوى الإنتاج (المادية البرانية) وقلب الإنسان وعقله وخياله (الروحي الجواني) في مجتمع ديموقرّاطي حقيقي دون اغتراب أو قمع للذات. حينئذ سيظهر في العالم شيء يظهر لنا جميعاً في طفولتنا - شيء لم يصله أحد منا بعد - المنزل/الدار. وهكذا تتحقق الإمكانية وتكتمل الدائرة وتعود البراءة الأولى في العصر المشيحاني (هل تختفي حينئذ «ليس بعد»؟ أم أن هذا الفردوس ليس نهاية المطاف؟). ومن الواضح أن بلوخ، في فلسفته العامة، لا يفرد دوراً خاصاً لليهودي، كما أنه لم يتناول الموضوع اليهودي بكثير من الإفاضة والتفصيل. ومع هذا، نجد أنه في كتابه روح اليوتوبيا يخصِّص فصلاً يُسمَّى «رمز اليهود»، وهو من المقالات النادرة التي كتبها بلوخ عن اليهود. يرفض بلوخ كلاًّ من الموقف الاندماجي والموقف الأرثوذكسي. كما أنه يرفض الصهيونية، إذ أنها ستُحوِّل يهودا (أي فلسطين) إلى دولة آسيوية صغيرة. وتظهر الموضوعات القبَّالية اللوريانية ومفهوم إصلاح الخلل الكوني (تيقون) في كتابه توماس موزنر: لاهوتي الثورة (1921). ومن الواضح أن مصادره القبَّالية ليست بالضرورة يهودية، بل إن القبَّالاه المسيحية تلعب دوراً أكثر فعالية في فكره، ولذا نجد أن اهتمامه الأساسي ينصب على حركات الهرطقة المسيحية في القرن السـادس عـشر باعتبـارها إرهاصـات للمدن المثالية الثورية الحديثة. وتُشير بعض فصول كتاب مبادئ الأمل، كفصل « موسى: اليوتوبيا في الدين، الدين في اليوتوبيا »، إلى التراث الديني اليهودي باعتباره أحد المصادر الروحية للفكر الطوباوي. كما أن هناك فصلاً عن الصهيونية يوجه فيه بلوخ النقد لصهيونية هرتزل ويُسمِّيها «صهيونية بورجوازية» لأنها دعوة قومية، تخاطب اليهود دون غيرهم، وتطالب بأرض ودولة، بينما يجد هو أن اليهودية أكثر رحابة من ذلك، فالعالم بأسره هو وطنها. ويجد بلوخ أن أصدق مثل على ذلك هو كتابات المفكر موسى هسّ الذي يُحوِّل النزعة الطوباوية المثالية في اليهودية إلى نزعة عالمية. وهذه، بطبيعة الحال، قرّاءة شديدة التحيُّز لهذا المفكر الصهيوني الذي يطالب بتأسيس دولة اشتراكية يهودية تقوم بطرد الفلسطينيين وتحقيق الأمن والعدالة لليهود! ويرى إرنست بلوخ أن معاداة اليهود هي شكل من أشكال الحقد على الإمكانيات الطوباوية التي يمتلكها اليهود داخل الحضارة الغربية (وهو موقف لا يختلف كثيراً عن موقف مدرسة فرانكفورت). وقد عاد بلوخ إلى ألمانيا الشرقية بعد عام 1948، ولكنه تركها عام 1961 إلى ألمانيا الغربية بعد اختلافه مع النظام الشيوعي، ومع هذا ظل بلوخ ماركسياً حتى وفاته. وقد دافع عن حق الدولة الصهيونية في الوجود عام 1967، وهو في هذا لا يختلف عن كثير من المثقفين الغربيين. ليو ستراوس (1889-1973) Leo Strauss فيلسوف وعالم سياسي ألماني أمريكي يهودي. وُلد في ألمانيا، واشتغل عام 1925 في أكاديمية البحوث اليهودية في برلين. ومع صعود النازي إلى السلطة، هاجر ستراوس إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث قام بالتدريس في المدرسة الجديدة للبحوث الاجتماعية في نيويورك في الفترة بين عامي 1938 و1949 ثم في جامعة شيكاغو عام 1968. وفي أعماله يتناول ستراوس الفكر السياسي الغربي بالنقد والتحليل، ويهتم بشكل خاص بقضية الخلاف بين فكر القدماء وفكر المحدَثين، وقضية الخلاف بين الفلسفة والدين. وقد قاده ذلك إلى دراسة وتحليل نصوص القدماء والبحث عن كيفية استيعاب المفكرين والكتاب اليهود والمسلمين خلال العصور الوسطى للفلسفة اليونانية. وتبنَّى ستراوس نهجاً في دراسته يهدف إلى تفسير النَّص وفقاً لمفهوم المؤلف نفسـه للنَّص، وهـو في ذلك يؤكد أهمـية وقيمـة النَّص في ذاته، ولكنه يرفض المنهج التاريخي الذي يسعى إلى تفسير وتأويل النصوص على ضوء اعتبارات نفسية واجتماعية خارجية، كما يرفض اسـتخدام المعايير والمفاهيم الحديثة في تفسير النصوص القديمة. ولذلك، عمل ستراوس على محاولة تفسير النصوص واستخلاص معانيها الكامنة من خلال تحليل بنيانها وفهم أسلوب المؤلف في الكتابة. وقام بالتمييز بين المعنى البسيط أو الخارجي للنص والمعنى الخفي المركب الكامن بداخله، وهو تمييز ظل متَّبعاً منذ القدم وحتى القرن التاسع عشر حيث كان كثير من الكتاب والفلاسفة يخفون آراءهم الحقيقية والمخالفة للمعتقدات الدينية والسياسية السائدة وراء ستار من اللغة والأساليب الأدبية التي لا تبدو مخالفة في ظاهرها. ولذلك، يجب أن يسعى تحليل وتفسير نصوص القدماء إلى استخلاص المفاهيم والمعاني الكامنة وراء السطور. وفي كتابه الاضطهاد وفن الكتابة (1952) يبيِّن ستراوس، من خلال دراسته لأعمال موسى بن ميمون ويهودا اللاوي وإسبينوزا، ماهية «فن الكتابة بين السطور» عن طريق معرفة كيفية « القرّاءة بين السطور». ويتناول الموضوع نفسه في كتابه كيفية دراسة كتاب دلالة الحائرين (لموسى بن ميمون) الذي يعطي الباحثين والدارسين في هذا المجال أدوات اكتشاف ما هو كامن ومستتر في كتاب الدلالة. كما كانت دراسته حول فكر إسبينوزا نقد إسبينوزا للدين الصادرة عام 1930 بداية في هذا الاتجاه. ومن خلال تحليله ودراسته نصوص وفكر القدماء، عمل ستراوس على إبراز قيمة الفكر السياسي الكلاسيكي بالمقارنة بالفكر الحديث. وتبيِّن أعماله، مثل ما الفلسفة السياسية (1959) و الحق الطبيعي والتاريخ (1965) و الليبرالية: القديمة والحديثة (1968)، مدى انتمائه للتيار المحافظ في الولايات المتحدة، وهي تتضمن نقداً للليبرالية الحديثة التي يرى ستراوس أنها حافلة بالمشاكل الجوهرية التي لا سبيل إلى معالجتها، فهو يرى أن الديموقرّاطية القائلة بالمساواة بين البشر وبنسبية القيم لا ينتج عنها سوى ثقافة جماهيرية منحلة واتجاه نحو التكيف والامتثال ويفرز ذلك قيادات مفلسة أخلاقياً. ويدعو ستراوس إلى نظام نيابي تقوده صفوة متميِّزة ويستلزم ذلك وجود طبقة أرستقرّاطية تمتلك الثقافة الرفيعة. وقد انتقد ستراوس أيضاً الوضعية والتاريخية اللتين ترفضان مفهوم الحقيقة الأخلاقية الثابتة، وتفتتان الحياة السياسية الملموسة إلى تجريدات خاوية وثنائيات زائفة. كما رأى أن الفكر السياسي الحديث تخلى عن هدف البحث عن القيم الأخلاقية الدائمة، وهو هدف الفلسفة الكلاسيكية في سبيل أهداف سياسية سهلة المنال، تسعى إلى التحكم في الإنسان والسيطرة عليه بعيداً عن أية معايير أخلاقية. وتعود أهمية ستراوس إلى تأكيده أهمية تحليل الخطاب وفك شفرته للوصول إلى المعنى الحقيقي الكامن، وهو بذلك يُعَدُّ أحد المفكرين الغربيين (من أصل يهودي) الذين انشغلوا بآليات تحليل الخطاب ومحاولة الوصول إلى المعنى الكامن بين السطور، مثل جاكوبسون ودريدا، ولعل هذا يعود إلى تراث التفسير اليهودي والتراث الماراني. ولكن لابد من الإشارة إلى أن الاهتمام بتحليل النصوص وبفلسفة اللغة بشكل عام هو اهتمام مركزي في الحضارة الغربية الحديثة، بخاصة في القرن العشرين، كما أصبح مبحث اللغة من المباحث الأساسية في الفلسفة، ولعل هذا يعود إلى تصاعد مشكلة المعنى وانتشار النسبية. ويُلاحَظ أن ستراوس مفكر سياسي محافظ، وهو أمر نادر بين المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية، إذ يُلاحَظ أن معظم المفكرين السياسيين الغربيين من أصل يهودي ينتمون إلى التقاليد الثورية أو الليبرالية. ومع هذا، يُلاحَظ أن هناك تحولاً واضحاً منذ السبعينيات في هذا النمط، إذ بدأ مفكرون كثيرون من أصل يهودي في تبنِّي الفلسفة المحافظة واتخاذ مواقف رجعية. وولــتر بنجــامين (1892-1940) Walter Benjamin فيلسوف وناقد ألماني، وُلد في برلين وتعلم في مدارسها حيث انخرط في الحركة الطلابية ولعب دوراً مهماً فيها، فكان رئيساً لاتحاد الطلاب في برلين في الفترة 1910 - 1914. لكنه ترك صفوف الحركة الطلابية الراديكالية عام 1915 بسبب تأييدها المشاركة في الحرب، وتهرَّب من التجنيد في صفوف الجيش الألماني وادعى المرض. واستمر في دراسة الفلسفة في فرايبورج وبرلين وميونخ. وفي 1917، ارتحل إلى برن بسويسرا، ثم عاد عام 1920 إلى ألمانيا حيث استقر حتى عام 1933. تعرَّف في برلين عام 1928 إلى برتولت بريخت وأُعجب بأفكاره للغاية. ويدَّعى صديقه ومؤرخه جرشوم شولم أن بنجامين أحس بيهوديته في تلك الفترة وفكر أكثر من مرة في الذهاب إلى فلسطين. وتعرَّف بنجامين عام 1924 إلى الممثلة اللاتفية الشيوعية آسيا لاشيس وأُعجب بأفكارها الشيوعية اليسارية، إلا أنه لم ينضم أبداً للحزب الشيوعي. ومع وصول النازي إلى السلطة، هاجر بنجامين إلى جزر البليار ومنها إلى باريس. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، احتُجز باعتباره مواطناً ألمانياً ثم أُطلق سراحه في نوفمبر 1939. هرب بعدئذ إلى جنوب فرنسا مع مجموعة من اللاجئين وعبر معهم الحدود الإسبانية، وعند دخولهم قرية صغيرة في إسبانيا تعرضوا للابتزاز من قبَل رئيس البوليس في هذه القرية والذي هددهم بإعادتهم للنازي. ولم يتحمل بنجامين التهديد وانتحر باستخدام جرعة زائدة من المورفين. ويُعتبَر بنجامين من أهم النقاد الألمان في فترة ما بين الحربين العالميتين. كما تُعتبر أطروحته التي قدمها لجامعة فرانكفورت عام 1925 لنيل الأستاذية عن « أصل دراما الباروك في ألمانيا »، والتي رفضتها الجامعة، من كلاسيكيات النقد الألماني الحديث ومن أهم التأويلات الفلسفية في هذا المجال. وتحتوي الأطروحة على إحدى أهم الأفكار والمفاتيح في فكر بنجامين وهي فكرة «الرمز» بوصفه رسالة عن الحقيقة المكتوبة وعن صوت الإنسان المخدوع، وبوصفه التعبير عن أمله الدائم في الخلاص. ويعبِّر بنجامين عن توجهاته الميتافيزيقية في مفهوم الثورة الروحية الدائمة، حيث يرى أن ثمة عداء مبدئياً بين المعرفة والدولة. ويمتلئ كتابه طريق ذو اتجاه واحد الصادر بالألمانية عام 1928 بما أسماه إرنست بلوخ «الأفكار السريالية» و«مفهوم التسمية». والتسمية ـ حسب رؤيته ـ هي فاعلية تسبق اللغة والكلام وتعطي الأشياء ماهيتها وجوهرها. فالتسمية عنده نوع من المطلق الأعظم يستدعي للذهن فكرة الاسم الأعظم التي تمتلئ بها الديانات الحلولية. واهتم بنجامين في هذا الكتاب بعملية تأويل النص وإبعاده عن السياق التاريخي، حيث يرى أن المضمـون الحقيقي للنـص أو معناه المثالي النهـائي غير قـابل للتوصيل، فهـو يسـتمد فعاليته من عملية التسـمية التـي تجـاوز الكلام واللغة، ومن ثم لا يمكن أن ينكشف ذلك عند القرّاءة النقدية إلا بعد مسافة زمنية وبعد أن يخفت ارتباط النص بالملابسات التاريخية. وقد تأثر بنجامين بكل من بودلير وبروست في فكرة وحدة الزمن في الموجودات والتي هي تعبير عن وحدة الوجود. كما أبدى إعجابه الشديد بالسينما والصور الفوتوغرافية حيث يرى أن السينما حطمت قيم الفن المستقرة وحررته وأدخلت عملية الأيقنة (باعتبار أن الدال والمدلول ملتحمان عضوياً في الأيقونة) في صلب الحياة اليومية. وقد استخدم بنجامين تكنيك التقطيع السينمائي في عمليات تفكيك النص الأدبي للوصول إلى المعنى المثالي متخذاً نموذج الرائي المنطلق المراقب كنموذج أساسي. وتمتلئ أطروحات بنجامين، التي قام تيودورو أدرنو بالاشتراك مع شولم بنشرها عام 1966، بالأفكار المشيحانية، وتُعتبَر فكرة الخلاص فكرة محورية في كل أعماله. وفكر بنجامين ليس يهودياً، وإنما هو تعبير واضح عن استيلاء الفكر الحلولي على المجتمع الغربي. ولكن الحلولية هنا ليست رغبة في الذوبان في المادة أو الكون، وإنما هي تعبير عن التمرد على الأطر المادية لهذا المجتمع والتي نزعت القداسة عن كل شيء، فحاولت ـ كرد فعل ـ أن تملأ كل شيء بالقداسة. ولكن إن امتلأت كل الأشياء بالقداسة، وبدرجة واحدة، تصبح كل الأمور متساوية ونسبية، ومن ثم لا قداسة لها. حـــنه أرنـــت (1906-1975) Hannah Arendt كاتبة أمريكية وفيلسوفة سياسية، وُلدت وتعلمت في ألمانيا ثم هاجرت إلى الولايات المتحدة بعد وصول هتلر إلى السلطة. كانت في مطلع حياتها متحمسة بعض الشيء للفكرة الصهيونية، وانضمت إلى بعض المنظمات الشبابية الصهيونية في ألمانيا، وكانت السكرتيرة العامة لفرع منظمة هجرة الشباب في فرنسا (1935 ـ 1939)، كما كانت صديقة شخصية لكورت بلومنفلد وهو من أهم الزعماء الصهاينة الألمان. ولم تفقد أرنت قط اهتمامها بأعضاء الجماعات اليهودية في الغرب حتى بعد رفضها للصهيونية. وفي الفترة 1936 ـ 1967، عملت أستاذة في جامعة شيكاغو، ثم عملت في المدرسة الجديدة للبحوث الاجتماعية في نيويورك بعد ذلك التاريخ. ويتسم فكر أرنت بالشمول والاتساع، كما يتضح من عناوين بعض كتبها التي نجد من بينها أصول الشمولية (1951)، و العنف (1970)، و أزمة الجمهورية (1973)، و حيـاة العقل (1978)، و محاضرات عن فلسفة كانط السياسية (1982)، كما كتبت عن الثورة وأزمة المجتمع الحديث. وتدور معظم اهتماماتها حول تآكل المجـال العام في المجتمـع الحـديث، وهو تآكل يواكبه تآكل الحرية والفكر، فتذهب أرنت إلى أن الحرية (الفعل التلقائي) والفكر (الحوار الداخلي بين الضمير وإدراك المعنى) يتوقف على الفصل بين الحياة السياسية (المجال العام) والحياة الاجتماعية والاقتصادية (المجال الخاص). فالمجال الخاص يعطي الفرد الحيز الذي يحتاج إليه للتفكير ويحميه من هيمنة المجال العام. وهي ترى أن المدينة اليونانية، بديموقرّاطية المشاركة التي سادت فيها، كانت وضعاً مثالياً، إذ كان بوسع الفرد أن ينسحب من الحياة العامة (السياسية) إلى مجاله الخاص ليفكر ويتأمل ويختار (ويُحكِّم ضميره ويفهم معنى الأمور). وترى أرنت أن المجتمع الحديث يتسم بأن المجالين العام والخاص قد اندمجا تماماً، وبذا حُرم الإنسان من المجال الخاص وتم رد الفكر والعقل إلى مستوى النفعية التي لا تهتم إلا بالبقاء البيولوجي (الإنتاج والاستهلاك)، أي أن المجتمع الحديث يلغي ثنائية المادة والروح، ويسقط في حلولية دون إله (إذا أردنا استخدام مصطلحنا). وساهم كل هذا في ظهور المجتمع الجماهيري، كما ظهرت النزعة الذرية والاغتراب واللا معيارية التي تؤدي بدورها إلى الشمولية. وهي ظاهرة جديدة تماماً في تاريخ الإنسانية ومختلفة عن الدكتاتورية التقليدية، إذ أن كل مجالات الحياة الخاصة والعامة في العصر الحديث تخضع لهيمنة الدولة، على عكس الماضي حين كانت الحياة العامة وحدها هي التي تخضع لسلطان الحاكم. والشمولية الحديثة ليست ظاهرة واضحة، وإنما هي ظاهرة هلامية تتغلغل في كل أشكال الحياة، إذ لا يوجد مركز واضح للسلطة، وإنما توجد أجهزة منتشرة مثل أجهزة المخابرات والإعلام التي تقوم بنشر الشمولية من خلال إعلام متقدم مصقول يبدو كما لو كان حراً. ويؤدي هذا إلى أن حياة الإنسان تصبح لا أهمية لها على الإطلاق ولا قيمة. وشبَّهت أرنت أزمة المجتمع الحديث بأزمة الإمبراطورية الرومانية في تدهور الدين والتقاليد والسلطة. وهي ترى أن عملية علمنة المجتمع، التي تؤدي إلى تحويل المجال العام إلى ملحق للمجال الاقتصادي، تؤدي في الوقت نفسه إلى ظهور مجتمع استهلاكي لا يكترث بالسياسة، حيث تصبح الثقافة شيئاً منحطاً يخدم حاجات صناعة السلعة، ويتخلى الإنسان عن البحث عن المعنى مقابل الأمن الزائف البرجماتي الذي تقدمه له الحقيقة العلمية. وترى أرنت أن العلم هو واجهة من الحياد تخبئ إرادة القوة، وإمكانية شمولية تبدأ بالسيطرة على الطبيعة وتنتهي بالسيطرة على الإنسان باسم الهندسة الاجتماعية. لكل هذا، نادت أرنت بالحرية التي تستند إلى المشاركة العامة في السياسة مقابل الحرية التي تستند إلى المصالح الشخصية. ومن أهم دراساتها الأخرى، كتاب أيخمان في القدس ـ تقرير عن تفاهة الشر (1963) الذي أثار ضجة كبيرة، فقد بيَّنت أن القيادات اليهودية الأوربية أثناء المواجهة مع النازيين لم تكن قط على مستوى المسئولية، وأن الضحايا كانوا مسئولين إلى حدٍّ ما عن المذبحة التي وقـعت لهـم لأن عـددهم يصـل إلى الملايين. فقد كان بوسعهم، عن طريق المقاومة السلمية وحدها، أن يعطلوا آلة الحرب النازية. كما أن أيخمان لم يكن سوى بيروقرّاطي تافه عادي يؤدي ما يوكل إليه من مهام مثل أي موظف في بيروقرّاطية حديثة، ومعنى ذلك أنه نتيجة طبيعية لعملية الترشيد التي تؤدي إلى الشمولية. واتسم نقلها لما حدث في قاعة المحكمة بالأمانة الشديدة، فأشارت على سبيل المثال إلى خطبة المدعي العام الإسرائيلي الذي بيَّن كيف لاقى الشعب اليهودي صنوف العذاب في كل زمان ومكان على يد الأمم، فقام محامي أيخمان وتساءل عن سرّ ذلك، وعما إذا كان هناك خلل ما في هذا الشعب؟ وأصيبت المحكمة بالذهول بسبب هذا السؤال. كما يبين كتاب أرنت أن القيادة الصهيونية في المجر وغيرها من الدول تعاونت مع النازيين وعقدت معهم اتفاقية تقوم بمقتضاها القيادة الصهيونية (رودلف كاستنر) بضمان سكوت أعضاء الجماعة اليهودية وامتناعهم عن مقاومة عمليات الترحيل (عن طريق خداعهم وإقناعهم بأنهم متوجهون إلى معسكرات عمل وليس إلى معسكرات الإبادة) مقابل أن يسمح النازيون لعدد من اليهود، وصفهم أيخمان بأنهم من أفضل المواد البيولوجية بالهجرة إلى فلسطين. وقد وصف جرشوم شوليم هذا الموقف بأنه قاس وخبيث ولا ينـم عن أي حـب للشـعب اليهودي. وردت أرنت على هذا الاتهام بالإيجاب، فهي حسب قولها لا تحب شعباً بشكل جماعي «فأنا لا أحب سوى أصدقائي، والحب الوحيد الذي أعرفه هو حب الأفراد ». ومن الواضح أن موقف أرنت من الصهيونية، ابتداءً من الأربعينيات، كان قد تغير وأخذ شكلاً معادياً للصهيونية. وتُعَدُّ مقالاتها عن الصهيونية، التي كتبت قبل عام 1948، من أكثر الدراسات تفسيرية، إذ حدَّدت فيها المعالم الرئيسية لفكرة الصهيونية ولفكرة الدولة الصهيونية فيما بعد. ففي مقالها «إعادة النظر في الصهيونية» بيَّنت أن انعزالية الصهيونية المهووسة تعود إلى تقبُّل أعمى للقومية بالمعنى الألماني، والتي تستند إلى الإيمان بأن الأمة جسم عضوي أزلي، ونتاج عملية نمو حتمية لسمات كامنة. وهكذا، فإن هذا المفهوم للقومية يحدد الشعب لا باعتباره مسألة تنظيم سياسي، وإنما باعتباره مسألة شخصيات بيولوجية ذات طابع فوق إنساني، أي يتجاوز الإنسان. وبيَّنت أن الحركة الصهيونية، كحركة قومية، باعت نفسها من البداية لإحدى القوى العظمى لأن شعار الدولة اليهودية كان يعني في واقع الأمر أن اليهود سيؤسسون أنفسهم من البداية باعتبارهم منطقة نفوذ تحت وهم القومية. وحذرت أرنت من الأوهام الصهيونية، مثل وهم (شعار): أرض بلا شعب لشعب بلا أرض. وأشارت إلى شيء واضح تمام الوضوح لكل الناس ما عدا الصهانية، وهو أن إرتس يسرائيل (أي فلسطين) ليست مكاناً في القمر، وإنما هي مكان مأهول بالسكان، وأن تأسيس الدولة يعني تهجير سكانها الأصليين. وقد بيَّنت أن فكرة نقل العرب الفلسطينيين (الترانسفير) ظلت منذ عام 1945 تُناقَش بشكل جدي في صفوف الصهاينة. وقد استمر موقف أرنت معادياً للصهيونية حتى وفاتها. إســحق دويتشـر (1907-1967) Isaac Deutscher مفكر بولندي يهودي من أهم شارحي الماركسية، والتروتسكية على وجـه الخصـوص. وُلد بالقـرب من كراكوف ونُشِّئ تنشئة دينية أرثوذكسية، ولكنه تلقى فيما بعد تعليماً علمانياً في جامعات بولندا. ويبدو أنه غازل الصهيونية في شبابه، فتعلم العبرية وترجم بعض الأشعار العبرية إلى البولندية. انضم دويتشر عام 1926 للحزب الشيوعي السري، ولكنه طُرد منه عام 1932 حينما نادى بتكوين جبهة متحدة بين الاشتراكيين والشيوعيين لمجابهة التهديد النازي. وانتقل عام 1939 إلى لندن ليعمل مراسلاً لجريدة بولندية يهودية، ولكنه استقر فيها وأصبحت مكان إقامته الدائم. من أهم دراساته ستالين: سيرة حياة سياسية حيث يشبه فيها ستالين بروبسبيير، ويذهب إلى أن تطهير الثورة الشيوعية من ستالين كان ممكناً مثلما تم تطهير الثورة الفرنسية من روبسبيير. وقد بيَّن دويتشر في هذه الدراسة ما تصور أنه انحراف ستالين عن الخط الماركسي اللينيني. ولكن أهم أعماله هو الدراسة التي كتبها في 1954 ـ 1963 من ثلاثة أجزاء عن حياة ليون تروتسكي وفكره. ويبدي الكتاب تعاطفاً مع تروتسكي ووضعه المأساوي كما يبدي رفضاً عميقاً لستالين. وكتب دويتشر كذلك دراسة عن الثورة البلشفية بعنوان الثورة الدائمة (1967). وفي كتابه اليهودي غير اليهودي، يذهب دويتشر إلى أن اليهودية تتضمن رؤيتين: إحداهما ضيقة متعصبة وهي الرؤية الحاخامية والصهيونية، والأخرى عالمية تبناها مفكرون يهود، مثل إسبينوزا وهايني وماركس وروزا لوكسمبرج وتروتسكي، ومن خلالها توصلوا إلى نظرة إلى العالم تتجاوز اليهودية ذاتها وتستند إلى التضامن والإخاء العالميين، أي أن تحقُّق النزعة العالمية الكامنة في اليهودية يؤدي إلى نفي اليهودية. ومن ثم، عارض دويتشر الصهيونية، كما رفض الدولة التي أسستها في فلسطين واعتبرها تمثل خطوة للوراء بالنسبة إلى اليهود. وكان آخر حديث له يتضمن إدانة شديدة لإسرائيل والتوسعية الصهيونية في عام 1967، وقد نُشر بعد وفاته. أيزيــاه برلـين (1909- ) Isaiah Berlin فيلسوف بريطاني يهودي، وُلد في لاتفيا وتعلم في لندن ثم في أكسفورد حيث قام بالعمل معظم حياته، وحصل على عدة شهادات دكتوراه فخرية من الجامعات الإسرائيلية. من أهم مؤلفاته، السـيرة التي كتبها عن ماركـس، كارل ماركس: حياته وبيئته (1939) حيث درس فكره ووضعه في سياقه الفكري، و في الحتمية التاريخية (1953)، و أربع مقالات في الحرية (1969). وتدور كتاباته أساساً حول فكرة الحقيقة الثابتة العالمية وفكرة الحتمية، لا سـيما في كتابيه فيكو و هردر (1976)، و ضد التيار (1979). ويميِّز برلين بين الرؤية التعددية للحرية والرؤية الأحادية، فالرؤية التعددية هي رؤية تقبل تعدد الطرق والوسائل التي تؤدي إلى الحرية، أما أصحاب الرؤية الأحادية فهم يرون أن ثمة طريقاً واحداً للحرية على الجميع أن يسلكوه. وكان برلين عضواً في جماعة من المفكرين والفلاسفة في أكسفورد اهتموا بالفلسفة اللغوية والتحليلية، ولكنه مع هذا لم يقبل قط رؤيتهم الضيقة للفلسفة. فالفلسفة بالنسبة له تهتم بالأسئلة الأساسية التي لا يمكن التوصل لإجابتها من خلال الملاحظة والأساليب الإمبريقية (التجريبية) في التحقق ولا من خلال مناهج المنطق الصوري. فهذه الأسئلة النهائية تخص المعرفة والعقيدة وطبيعة التاريخ والسياسة وسمات الإنسان في علاقته بالعالم. وهو يدرس هذه القضايا الأساسية من خلال بعض المقولات التفسيرية لا من خلال المناهج العلمية (أي أنه يحاول أن يسترجع بعض الثنائية المعرفية). وثمة تفرقة هنا بين ما أسماه برلين الرؤية الأحادية والرؤية التعددية. فالمفكر الأحادي يحاول أن يفرض على الظواهر الاجتماعية تفسيراً علمياً واحدياً بحيث يمكن التوفيق بين كل الاختلافات وحسم كل الصراعات وإخضاع كل الأهداف والغايات الفردية لهدف اجتماعي واحد نهائي (يشبه القانون الطبيعي). ولذا، فإن التناقض بين الحرية والمساواة، والمنفعة والعدالة، وصالح الجماعة وحقوق الفرد (وهي تناقضات توجد في أي موقف أخلاقي)، تتم إزالتها تماماً باسم قيمة واحدة يفرضها المجتمع. أما الرؤية التعددية فهي تنظر إلى العالم باعتباره مجموعة من المصالح والأهداف المختلفة، وعلى أساس أن عالم الأخلاق والسياسة توجد فيه مجموعة من القيم المتصارعة في حالة عدم اتساق دائم ولا يمكن بأية حال التوفيق بينها تحت مبدأ واحد « فكل شيء هو هذا الشيء ولا شيء سواه »، فالحرية هي الحرية وليست المساواة والعدالة أو الحضارة أو السـعادة الإنسـانية، فهذه جميعاً أهداف مختلفة وليست متسقة، بل لا يمكن الحوار العقلاني بشأنها، فالحوار السياسي يفترض وجودها وأسبقيتها وتتم إدارة الحوار السياسي من منظورها. وكما هو واضح، فإن برلين يطرح تعددية للقيم ونقط الثبات والمطلقات حتى لا تتمتع قيمة واحدة بالمطلقية الكاملة، كما يرى أن الاعتراف بهذه التعددية أمر أساسي لاستمرار الحضارة والمدنية وللحفاظ على هذه القيم والمؤسسات التي ساهمت في إسعاد الإنسان. فجوهر الإنسان هو عقلانيته واستقلاليته وحريته، وإن أنكرنا عليه فرصة الاختيار بين القيم والأهداف، كما تفعل الفلسفات الأحادية، فنحن نحطم هذا الجوهر. ويميِّز برلين بين الحرية السلبية والحرية الإيجابية. فمنظرو الحرية السلبية يعرّفون الحرية باعتبارها غياب القهر وحسب، فالحرية هي وجود مجال حول الفرد يمكنه فيه أن يختار بين القيم والأهداف، سواء أكان هذا الاختيار خيِّراً أم شريراً، عقلانياً أم غير عقلاني. أما دعاة الحرية الإيجابية فهم يُعرِّفون الحرية باعتبارها المقدرة على كبح جماح الذات والتحكم فيها، فالفرد يحقق حريته لا عن طريق غياب القهر، وإنما حين يحقق أهدافاً رشيدة، أي أن الحرية الأولى لا أهداف محددة لها بينما يوجد هدف محدد في المفهوم الثاني. ولذا، يمكن، بل يجب من منظور الحرية الإيجابية، أن يتم قهر الدوافع اللاعقلانية للإنسان (ذاته السفلي) لأنها تعوقه عن تحقيق أهدافه العقلانية. ومن ثم، فإذا مورس القهر على إنسان ما لإزالة دوافعه اللا عقلانية، فإن هذا ليس بقهر على الإطلاق، حيث إن الهدف منه هو تعظيم الحرية الإيجابية العلىا. كما أن القانون الذي يستند إلى أساس عقلاني لا يمكن من وجهة نظر دعاة الحرية الإيجابية أن يعوق الحرية. ويرى برلين أن هذا المفهوم للحرية الإيجابية مفهوم شمولي لأنه يعيد تعريف كل القيم المتصارعة ويوفق بينها باسم قيمة واحدة هي الحرية العقلانية، فهي إذن رؤية شمولية لأن الحرية الوحيدة الحقيقية قد قُرنت بأهداف أو أغراض جماعية معيَّنة ومن ثم لا يوجد مجال للاختيار الفردي. أما الحرية السلبية، فهي التعددية الحقة لأنها تعترف بالصراع والاختيار، ولذا فهي نظرية المجتمعات الحرة. ومن الواضح أن برلين يحاول أن يفتح بعض الثغرات في عالم العلم المصمت حيث يخضع كل شيء للقوانين الصارمة. وقد تصوَّر أنه حقق هذا بالفعل بأن جعل كل قيمة أمراً قائماً بذاته مستقلاًّ لا يمكن أن يُدمج مع قيمة أخرى. فالعدالة هي العدالة والحرية هي الحرية وكلاهما مطلق رغم تناقضهما الواحد مع الآخر، ولا يمكن إخضاع مطلق لمطلق آخر. وينتج عن ذلك تعددية المطلقات. ولكن برلين لا يؤمن في واقع الأمر بأية قيم نهائية، ويرى أنه لا توجد أية مطلقات، ومن ثم فإن عالمه ليس عالماً مفتوحاً تعددياً، وإنما هو عالم ذراتي لا مركز له (عالم ما بعد الحداثة). وكذلك لا توجد وسيلة للتوفيق بين القيم (المطلقة) المختلفة، ومن ثم لا يوجد أساس للاختيار أو الحرية. وقد لاحظ هو نفسه أنه، منذ القرن الثامن عشر، بدأ تحوُّل الفكر الغربي من الموضوعية إلى الذاتية، ومن الإيمان بالمطلقية إلى النسبية، وأن هذا التحول هو سبب انتشار الرؤية العلمية ونتيجة له في آن واحد. ورغم موقفه التعددي هذا، يؤيد برلين الصهيونية كل التأييد. وهو يُعرِّف بالكثيرين من مفكريها وزعمائها. وقد ألَّف عن بعضهم دراسات، فله على سبيل المثال كتاب عن موسى هسّ (1959). بل إنه يرى أن ظهـور الدولـة الصهـيونية، كدولة علمانية ديموقرّاطية، هو انتصار لا نظير له للجهد الأخلاقي الحر. والدولة الصهيونية قد وُجدت ـ في رأيه ـ لتفي بحاجة شعب يريد أن تكون له علاقة بأرضه وتاريخه، ذلك أن الدولة الصهيونية ضرورية للشعب اليهودي العضوي. والدولة الصهيونية ستقوم بتطبيع اليهـود، فتجعل منهـم شـعباً مثل كل الشـعوب. وهو في رؤيته هذه، يهمل بطبيعة الحال التاريخ وحقوق الفلسطينيين وحريتهم (السلبية والإيجابية!)، ويُسقط المقولات الأساسية لمنظومته المعرفية والأخلاقية. ولا يمكن تفسير هذا التناقض الذي وقع فيه برلين (بين الرؤية التعددية المنفتحة التي يتسم بها نسقه الفلسفي والرؤية العنصرية المنغلقة التي تتسم بها رؤيته للمشروع الصهيوني) على أساس أنه من أصل يهودي. فكثير من المفكرين غير اليهود في الغرب وقعوا في هذا التناقض، كما أن كثيراً من المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية لم يقعـوا فيه، وليـس هناك نمط عام، ولذا ينبـغي تفـسيـر كل حالة على حدة. ســيمون فـاي (1909-1943) Simone Weil فيلسوفة فرنسية، وُلدت لأسرة يهودية أرستقرّاطية فرنسية. حصلت على الدكتوراه في الفلسفة، وكانت رسالتها عن ديكارت. ودخلت معترك السياسة وشاركت في كثير من القضايا اليسارية حتى سُمِّيت «العذراء الحمراء». قررت عام 1934 أن تشارك العمال حياتهم فتركت وظيفتها كأستاذ فلسفة وعملت في أحد المصانع، وكانت ثمرة هذه التجربة كتابها الحالة العمالية (نُشر عام 1951). لم تقدِّم فاي في كتابها الحلول اليسارية المألوفة لمشاكل العمال، مثل تأميم وسائل الإنتاج والاستيلاء على السلطة، وإنما طالبت بتغيير أكثر عمقاً في طبيعة العمل الحديث نفسه، إذ طالبت بتغيير التنظيم الهرمي في المصنع، بل وتصميم الآلات نفسها حتى تستجيب لحاجات الإنسان. وانضمت عام 1936 للقوات الجمهورية في إسبانيا إبّان الحرب الأهلية. وبعد غزو النازيين لفرنسا، اشتغلت عاملة زراعية في جنوب فرنسا، ثم هاجرت إلى الولايات المتحدة وماتت أثناء الحرب العالمية الثانية في إنجلترا. وقد نُشرت أعمالها بعد وفاتها، وتتكون أساساً من خطابات ومذكرات ومقالات وذكريات وشذرات. وتدل كتاباتها على مدى تكريسها ذاتها لعملية البحث الدائب عن الحق المطلق والعدالة. تأثرت سيمون فاي بأفكار بعض المتصوفة المسيحيين مثل مايستر إيكهارت، ويُقال إنها خاضت تجربة صوفية عميقة إذ جاءها المسيح في الرؤيا عام 1938، وكانت تُكنُّ إعجاباً عميقاً للمسيحية باعتبارها ديانة العبيد، وترى أنها لم تتنصر لأن الدور الذي لعبته الكنيسة الكاثوليكية في التاريخ يتنافى تماماً مع تعاليم المسيحية. أما موقفها من اليهودية فكان يتسم بالرفض العميق، فهي ترى أن اليهودية عقيدة قومية ضيقة الأفق قاسية، وأن كل ما تحتويه المسيحية من شرور جاءها من اليهودية. ويشبه موقفها هذا موقف الغنوصيين (الذين كانت فاي تُكنُّ لهم إعجاباً خاصًّا) وقد أشاد الشاعر ت. س. إليوت بكتاباتها. ويمكن أن نثير قضية يهودية فاي، فقد ورد اسمها في كلٍّ من الموسوعة اليهودية (جودايكا) و دليل بلاكويل للثقافة اليهودية باعتبارها كاتبة يهودية. وهذه الكاتبة قد وُلدت بالفعل لأسرة يهودية، ولكنها رفضت العقيدة اليهودية. وحينما مرت بتجربة صوفية، كانت تجربة مسيحية وتأثرت بمتصوفين مسيحيين. كما أن فاي هاجمت اليهودية بشراسة ونسبت لها كل نقائص المسيحية، فهل يُعتبَر تصنيفها على أنها يهودية ذا قيمة تفسيرية؟ لعله كان من الأجدى الحديث عنها باعتبارها من أصل يهودي وحسب. ولكن هذا لا يساعد كثيراً في فهم فكرها الذي يتجاوز أصولها اليهودية. ومن الطريف أن دليل بلاكويل للثقافة اليهودية استبعد المؤلفين اليهود السفارد وأبقى على فاي لأنها أشـكنازية أو غربية، وهـو ما يبيِّن أن أسـاس التصنيف مختل للغاية، وهو اختلال مصدره فشل محرري الموسـوعة في تعريف ما يُقال له «الهوية اليهودية» ومصادرها الثقافية. ملـــتون فريدمــان (1912- ) Milton Friedman اقتصادي أمريكي بارز، وُلد في بروكلين (نيويورك). بدأ في العمل في الحكومة الأمريكية عام 1935، كما عمل بالتدريس في عدة جامعات أمريكية قبل أن يصبح أستاذاً للاقتصاد في جامعة شيكاغو. واكتسب فريدمان في هذه الجامعة سمعة عالمية، حيث أصبح من كبار مفكري ما عُرف بمدرسة شيكاغو، وهي مجموعة من الاقتصاديين وجهت النقد إلى النظريات الاقتصادية التي صاغها جون كينز والسياسات الاقتصادية المترتبة عليها والتي كانت تلقى قبولاً عاماً في الدوائر الاقتصادية والحكومية الأمريكية منذ الثلاثينيات من القرن العشرين. من أهم مؤلفات فريدمان الرأسمالية والحرية (1962)، والتاريخ المالي للولايات المتحدة 1867 ـ 1960 (1963)، وأسواق حرة لرجال أحرار (1974)، و حر أن أختار (1980)، ويمكن القول بأن رؤيته الاقتصادية تستند إلى رؤية واضحة ومحدَّدة للإنسان، فالإنسان عنده هو الإنسان الاقتصادي الذي خلَّقه فلاسفة الرأسمالية الكلاسيكيون. فالاقتصاد هنا هو المطلق المكتفي بذاته، واجب الوجود، وما دون ذلك (كالأخلاق والعواطف) فلا وجود له. والآلية التي يعبِّر بها هذا المطلق عن نفسه هو السوق، فمن خلال آليات السوق الحر يتمكن الأفراد، الذين لكلٍّ منهم ذوقه الخاص وقيمه الخاصة وتطلعاته وأهدافه المستقلة، من أن يصلوا إلى تفاهم وإجماع، وهو ما يمنع وقوع صراعات حادة في المجتمع. ويرى فريدمان أن تدخُّل الدولة لا يفيد كثيراً في منع الصراع، بل إن الدولة هي المصدر الأساسي للقهر، فالحرية الاقتصادية هي أساس الحرية السياسية. وحين يستطيع الناس أن يتعاونوا، الواحد مع الآخر، دون قهر أو توجيه مركزي، فإن رقعة الحرية الاقتصادية تتزايد ومن ثم تتناقص رقعة الهيمنة السياسية. كما أن الحرية الاقتصادية تؤدي إلى توزُّع مراكز السلطة، بدلاً من تجميع السلطة السياسية والاقتصادية في يد واحدة. وانطلاقاً من هذه الرؤية، عارض فريدمان تدخُّل الدولة في الحياة الاقتصادية، فدور الدولة يجب أن يقتصر على منع الأفراد من أن يقهر الواحد منهم الآخر. ولذا، طالب فريدمان بالحد من قوة الدولة على فرض الضرائب وانفاق عائدها، كما طالب بإلغاء الحماية الجمركية وآليات التحكم في الأسعار والأجور وكل معوقات الاختيار الحر، وعارض استخدام السياسات الضريبية والإنفاق الحكومي كوسيلة لتنظيم الاقتصاد. ويذهب فريدمان إلى أن التغيرات في حجم المعروض من النقد هي المحدِّد الرئيسي للتغيرات قصيرة الأجل في مستوى النشاط الاقتصادي، وأن التحكم في المعروض من النقد هو الأداة الأكثر أهمية لدى الحكومة الفيدرالية لإحداث تغيرات قصيرة الأجل في النشاط الاقتصادي، كما ذهب إلى أن تحديد معدل نمو ثابت للمعروض من النقد لفترات طويلة يوفر قدراً أكبر من الاستقرّار الاقتصادي ويحول دون حدوث تقلبات واسعة في النشاط الاقتصادي كذلك النوع الذي تعرضت له الولايات المتحدة في الماضي. واعتبر أن المبالغة في استخدام السياسات المالية والنقدية للتحكم في الأوضاع الاقتصادية الجارية قد يُعمِّق حدة هذه التقلبات على المدى البعيد. كما كان فريدمان يفضل نظاماً ضريبياً مبسَّطاً وتعويماً لأسعار العملة، وكان يفضل أيضاً إبطال استعمال الذهب كمقياس نقدي، وطالب بإلغاء نظام التكافل الاجتماعي والإعانة باعتباره نظاماً غير فعال ويعني دوراً نشيطاً وضخماً للحكومة، واقترح بدلاً من ذلك فرض ضريبة «سلبية» على الدخل، أي أن تقدم الحكومة معونة مالية للأسرة التي تقع تحت خط الفقر من خلال صيغة تسمح لهم بتوفير احتياجاتهم الأساسية مع الحفاظ في الوقت نفسه على الحافز على العمل وزيادة الدخل لدى هذه الأسر. ويُعَدُّ فريدمان من أبرز الاقتصاديين المحافظين في الولايات المتحدة. عمل مستشاراً للرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون، كما عمل مستشاراً لعدة مؤسسات أمريكية ودولية. ولا يختلف فريدمان عن غيره من الاقتصاديين الأمريكيين، من اليهود أو غير اليهود، في أن أفكاره وآراءه الاقتصادية تعكس التيارات والاتجاهات المختلفة داخل النظام الاقتصادي الرأسمالي الأمريكي، والتي تنبع من حركيات هذا النظام بشكل خاص ومن حركيات المجتمع الأمريكي بشكل عام. ويقوم ملتون فريدمان بتقديم الاستشارات الاقتصادية للحكومة الإسرائيلية، وهو من دعاة فك القطاع العام في إسرائيل وتشجيع الاقتصاد الحر وتقليص الهستدروت والمؤسسات الصهيونية الاستيطانية الجماعية التي يُقال لها «اشتراكية»، وهو لا يختلف في هذا عن كثير من رجال الاقتصاد والسياسة الأمريكيين الذين لا يدركون تماماً الطبيعة الاستيطانية للدولة الصهيونية والتي تجعل وجود المؤسسات الجماعية وتدخل الحكومة في الاقتصاد مسألة حتمية. فعملية مثل تمويل المهاجرين واستيعابهم، على سبيل المثال، تتطلب ملايين الدولارات ولا يمكن أن يقوم القطاع الخاص بها. كما أن الأعباء الأمنية لإسرائيل، باعتبارها قاعدة للإمبريالية الغربية واستثماراً إستراتيجياً لها، يجعل من الضروري أن يتضخم جهاز الدولة، وألا تخضع الدولة الصهيونية الوظيفية ككل لحسابات المكسـب والخسـارة المادية وآليات السوق التي يخضع لها الاقتصاد الحر. والدعم الغربي الذي تقدمه الحكومات والشعوب الغربية، وبخاصة في الولايات المتحدة، يتنافى تماماً مع آليات الاقتصاد الحر. فالدعم له عادةً طابع أيديولوجي، أما الاقتصاد الحر فله حركياته الخاصة التي تتناقض ولا شك مع الأولويات الصهيونية. وقد ظهر هذا في مشروع طائرة اللافي، فالدولة الصهيونية كانت حريصة على إنتاجها لسببين لا علاقة لهما بالربح الاقتصادي: 1 ـ تحقيق قدر من الاستقلال عن المؤسسة العسكرية الأمريكية. 2 ـ تأسيس صناعات إلكترونية متقدمة تضمن خلق الوظائف للفنيين الإسرائيليين الذين يتزايد عددهم، حتى لا يضطروا إلى النزوح. وقد رفضت الولايات المتحدة السماح لإسرائيل بالاستمرار في إنتاج هذه الطائرة. وكان من بين الأسباب التي سيقت لإنهاء المشروع أنه غير مربح، وكان هذا رأي ملتون فريدمان أيضاً. وبالفعل، توقـَّف المشروع ونزح مئات الإسرائيليين. وحينما وصل المهاجرون السوفييت، وهم يضمون في صفوفهم أعداداً كبيرة من الفنيين، وجدوا حالة بطالة. وبدأت أعداد منهم تعيد حساباتها. وهذا يبيِّن مدى عدم إدراك صانعي القرّار في الولايات المتحدة الطابع الاستيطاني للدولة الصهيونية، أو إدراكهم إياه واستخدامه للضغط على إسرائيل ووضعها تحت رحمة الولايات المتحدة وحمايتها. ألبـــير ميميــه (1920- ) Albert Memmi مؤلف وكاتب مقال وعالم اجتماع فرنسي يهودي تونسي الأصل. وُلد في تونس لعائلة يهودية من قبائل البربر. قاتل خلال الحرب العالمية الثانية في صفوف القوات الفرنسية الحرة، ثم عاد ليكمل دراسته الجامعية حيث حصل على شهادة في الفلسفة من جامعة الجزائر، ثم حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة باريس عام 1950، عاد بعدها إلى تونس ليترأس معهداً في علم النفس. وفي عام 1959، انضم إلى المركز الوطني للبحث العلمي في باريس حيث استقر بشكل دائم. وفي عام 1966، عُيِّن أستاذاً في المدرسة العليا للدراسات التطبيقية في باريس أيضاً. وتخصَّص ميميه في دراسة الآثار الاجتماعية والنفسية المترتبة على الاستعمار، ووجد من خلال أبحاثه تشابهاً بين أوضاع اليهود والشعوب المُستعمرة وخصوصاً بالنسبة لمواقفهم وأفكارهم تجاه مسألة الهوية. وظلت قضية الهوية قضية محورية في أغلب أعمال ميميه سواء الروائية أو الفكرية، وعكست أزمته وحيرته الشخصية بين انتمائه إلى جماعة يهودية نشأت وتشكلت في ظل التشكيل الحضاري العربي الإسلامي، وبين اكتسابه الثقافة الفرنسية الغربية للمستعمر الفرنسي الذي سعى بوجه عام إلى ربط أعضاء الجماعات اليهودية في المغرب العربي بالثقافة الفرنسية بغرض عزلهم عن محيطهم العربي وتحويلهم إلى جماعات وظيفية وسيطة تخدم مصالحه في المنطقة. ويبدو أن ميميه كان مدركاً هذه الحقيقة، فرغم أنه أيَّد بحماس استقلال دول المغرب العربي، إلا أنه أدرك في الوقت نفسه أن النتيجة التي ستترتب على ذلك هي رحيل أغلب أعضاء الجماعات اليهودية في هذه المنطقة مع المستعمر الفرنسي. وفي روايته أعمدة الملح (1953)، التي تُعتبَر أقرب إلى السيرة الذاتية، يتناول ميميه قصة شاب يهودي من المغرب العربي يخرج من بيئته المحلية المحدودة ليكتشف ثقافة المستعمر الفرنسي، ولكنه يفقد قناعاته الإنسانية والدينية نتيجة التناقض بين الثقافتين، كما يشعر بخيبة أمل تجاه المفهوم الإنساني الغربي الذي طالما نُسبت إليه صفات مثالية. أما رواية الغرباء (1955) فتتناول قصة يهودي تونسي يجد نفسه ملفوظاً ومرفوضاً من الفرنسيين والعرب على حدٍّ سواء. أما في مقالاته ودراسته، مثل صورة يهودي (1962)، وتحرير اليهود (1966)، فيقدم صورة اليهودي باعتباره « شخصية كامنة في الظل »، فلا هي مندمجة تماماً ولا هي راغبة في التخلي عن خصوصيتها، تعيش دائماً على هامش الأحداث التاريخية العالمية. ولذلك، فإن الدولة اليهودية أو إسرائيل تصبح، على حدّ قوله، « الحل الوحيد لنا وورقتنا الرابحة الوحيدة وفرصتنا التاريخية الأخيرة » (ولكن هذا على اعتبار أن الدولة الصهيونية لا تقف هي الأخرى على هامش التاريخ العربي والتاريخ الغربي، فهي في حالة عداء ضد الأول رغم وجودهـا في المشـرق العربي، وفي حالة تبعيـة للثاني رغم وجودها خارجه). إرفنج كريستول (1920- ) Irving Kristol مفكر سياسي أمريكي، وأحد مؤسسي مجلة كومنتاري، وأحد محرري مجلة أنكاونتر، ومؤلف عدة كتب من أهمها عن الفكرة الديموقرّاطية في أمريكا (1972)، و تحيتان للرأسمالية (1978)، و تأملات محافظ جديد (1983)، وتدور كتبه حول موضوعات متفرقة، مثل الحركة الثورية للطلبة في الجامعة، وعدم الاستقرّار في العالم الثالث. وهو يعمل خبيراً أو مستشاراً في عديد من المؤسسات البحثية ومؤسسات الخبرة القريبة من مؤسسات صنع القرّار في الولايات المتحدة. ويُعَدُّ كريستول من أهم مفكري تيار المحافظين الجدد الذي ظهر أثناء رئاسة كارتر، والذي يضم بين صفوفه عدداً كبيراً من المفكرين الأمريكيين اليهود. لكن أهمية هذا التيار ليست مقصورة على الجماعة اليهودية، وإنما امتدت لتشمل المجتمع الأمريكي بأسره. وقد رفض المحافظون الجدد الوفاق وخفض التسليح، كما رفضوا كثيراً من السياسات الخارجية التي تبناها كارتر، فكانوا يطالبون مثلاً بضرورة أن تتخذ أمريكا موقفاً نشيطاً في سياستها الخارجية، وأن تنبذ الاتجاه نحو العزلة، أي أن تقوم بالتدخل العسكري لحماية ما تتصور أنه مصالحها. وفي الداخل، يطالب تيار المحافظين الجدد بالتخلي عن السياسات الاجتماعية التي تبناها الديموقرّاطيون والتي تهدف إلى تهدئة الصراعات الاجتماعية في المجتمع الأمريكي وتخفيف الأثر السلبي لسياسات الاقتصاد الحر. ومن المعروف أن الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، وقياداتها، كانت تقف دائماً وراء الحزب الديموقرّاطي وتتبنَّى سياساته، شأنها في هذا شأن معظم أعضاء الأقليات في الولايات المتحدة. ولكن، ابتداءً من منتصف السبعينيات، بدأ يتبلور تيار محافظ داخل الجماعة اليهودية يلقي بثقله وراء الجمهوريين إلى أن وصل إلى الذروة في الثمانينيات مع تولي ريجان للرئاسة، حيث أيَّدته القيادات الصهيونية واليهودية المحافظة. ومما له دلالته العميقة أن غالبية الجماهير اليهودية لم تمتثل للتوجيهات الصهيونية وأدلت بصوتها لمرشح الحزب الديموقرّاطي. ولذا، لم يكن ريجان مديناً للصوت اليهودي بانتخابه، ومع هذا فهو من أشد الرؤساء الأمريكيين تحيزاً لإسرائيل، الأمر الذي يلقي كثيراً من الضوء على خرافة «الصوت اليهودي». وقد قام المفكرون (من أعضاء الجماعات اليهودية ومن غيرهم) من المحافظين الجدد بصياغة كثير من الأفكار الإستراتيجية لإدارة ريجان، والمتصلة بزيادة التسلح والتخلي عن الوفاق، واتخاذ سياسة نشيطة معادية للاتحاد السوفيتي، ودعم حلفاء الولايات المتحدة، خصوصاً إسرائيل، في سياسة المواجهة مع الاتحاد السوفيتي. ولذا، عارض المحافظون الجدد من أعضاء الجماعات اليهودية محاولة الضغط على إسرائيل للانسحاب من الضفة والقطاع لتهدئة الرأي العام العالمي. وسياسة ريجان بشأن الشرق العربي، كانت، في التحليل الأخير، من صياغة هذه المجموعة. وقد أُطلق عليهم اسم «صقور ريجان اليهودية» وهي عبارة دقيقة إلى حدٍّ كبير. ولكن الوضع تغيَّر كثيراً بعد الانتفاضة، إذ نصح إرفنج كريستول الإسرائيليين بأن يقرروا مساحة الأراضي التي يودون الاحتفاظ بها، وأن يرسموا الحدود ثم ينسحبوا. «... ولا أدري لم تصاب إسرائيل بالرعب من دولة في الضفة الغربية تحكمها منظمة التحرير الفلسطينية ». ويشكل تصريحه هذا تراجعاً عن مواقفه الأمريكية السابقة. وقد كتب كريستول مؤخراً دراسة بعنوان مستقبل يهود أمريكا تتنـاول وضـع يهـود الولايات المتحدة في ظل تزايد معدلات العلمنة. وتُعَدُّ هذه المقالة حدثاً فكرياً فريداً، إذ أنه قلب الأمور رأساً على عقب، فهو يؤكد في دراسته أن العلمنة جزء عضوي من عملية التحديث، وهو يصف العلمنة بأنها « رؤية دينية حققت انتصاراً على كل من اليهودية والمسيحية »، وهو يصر على تسميتها « رؤية دينية » (رغم رفض العلمانيين لذلك) لأنها تحتوي على مقولات عن وضع الإنسان في الكون وعن مستقبله لا يمكن تسميتها علمية، ذلك لأنها مقولات ميتافيزيقية لاهوتية. وفي هذا الدين (العلماني)، يصنع الإنسان نفسه أو يخلقها (تأليه الإنسان)، كما أن العالم ليس له معنى يتجاوز حدوده، وبوسع الإنسان أن يفهم الظواهر الطبيعية وأن يتحكم فيها وأن يوظفها بشكل رشيد لتحسين الوضع الإنساني. ذلك أن المقدرة على الخلق، التي كانت من صفات الإله، أصبحت في المنظومة الدينية العلمانية من صفات الإنسان، ومن هنا ظهرت فكرة التقدم. وهذه العقيدة العلمانية هي الإطار المرجعي لكل من الليبرالية والاشتراكية، بل إنها تغلغلت في الأوساط الدينية اليهودية والمسيحية (باستثناء الأصوليين والأرثوذكس). ويُلاحظ كريستول أن معدلات العلمنة بين يهود الولايات المتحدة مرتفعة إلى أقصى حد، بل إن اليهودية ذاتها تمت علمنتها ولم تَعُد عقيدة دينية وأصبحت مجرد نوع من المهدئات النفسية التي تساعد اليهود على تحمُّل التوترات الناجمة عن العصر العلماني الحديث. ويرى كريستول أن هذا أمر مفهوم، إذ أن المجتمع العلماني هو الذي أتى لليهود بحقوقهم وهو الذي أتاح لهم فرصة الاندماج، على عكس المجتمعات المسيحية التي كانت دائماً مجتمعات معادية لليهود. لكن الخطر الذي يواجه اليهود في الوقت الحاضر لم يَعُد معاداة اليهود وإنما الزواج المُختلَط، وهو خطر لم تجد له القيادات اليهودية حلاًّ بعد. يقدم كريستول حلاًًّ جديداً للمشكلة يستند إلى مقدمات فلسفية وتاريخية مفادها أن العقيدة العقلانية للإنسانية العلمانية بدأت تفقد مصداقيتها بالتدريج رغم هيمنتها الكاملة على مؤسسات مجتمعنا (المدارس والمحاكم والكنائس ووسائل الإعلام). ويعود هذا إلى سببين: 1 ـ بإمكان الفلسفة العقلانية العلمانية أن تزودنا بوصف دقيق للمسلمات الضرورية لتأسيس نسق أخلاقي. ولكنها لا يمكن أن تزودنا بهذا النسق ذاته، فالعقل قادر على تفكيك الأنساق الأخلاقية ولكنه ليس قادراً على توليدها، إذ أن الإنسان يقبل الأنساق الأخلاقية من منطلق إيماني غير عقلي، والعقل المحض لا يمكن أن يتوصل إلى أن الجماع بالمحارم خطأ (طالما أن مثل هذه العلاقة لا تثمر أطفالاً)، أو أن مضاجعة الحيوانات شر (إلا من منظور أنها انتهاك لحقوق الحيوانات)، ذلك أنه ليس معروفاً لدينا إن كانت الحيوانات تتمتع بمثل هذه العلاقة الجنسية أم لا. وبسبب هذه الفوضى الأخلاقية، أصبح من المستحيل علينا تنشئة الأطفال، وتظهر أجيال قلقة لا تجد لنفسها مخرجاً من هذا الوضع. 2 ـ لا يمكن أن يُكتب البقاء لمجتمع إنساني إن كان أعضاؤه يعتقدون أنهم يعيشون في عالم لا معنى له. والواقع أننا، منذ القرن التاسع عشر (الحركة الرومانسية)، نجد أن تاريخ الفكر الغربي هو رد فعل للإحساس بأن العلمانية أدَّت إلى ظهور عالم لا معنى له، وهي تحاول أن تحل هذه المشكلة بأن تؤكد للإنسان أنه يسيطر على نفسه وعلى الطبيعة من خلال الاستقلال والإبداع، وهو أمر يراه كريستول مجرد خداع للنفس، ولذا فإن أهم ثلاثة فلاسفة غربيين في العصر الحديث لا يؤمنون بالعقيدة الإنسانية (الهيومانية): فنيتشه عدمي، وهايدجر وثني جديد، وسارتر وجودي يشعر بالغثيان، كما أن التيارات الفكرية السائدة الآن (التفكيكية وما بعد الحداثة) كلها تشعر بالازدراء تجاه الفكر الإنساني الهيوماني. كل هذا يشير إلى أن من المتوقع تراجع العلمانية وتزايد الانتماء الديني. ويتبدَّى هذا في العبادات الوثنية الجديدة التي ظهرت، أي أن من المتوقع أن يحدث بعث جديد للمسيحية في المجتمع الأمريكي. ويتوقع كريستول أن يقاوم اليهود هذا الاتجاه، ولكنه يرى أن من الأفضل لهم أن يغيروا موقفهم وأن يتكيفوا مع الوضع الجديد، فليس من المتوقع أن يؤدي البعث الديني إلى تزايد معاداة اليهود. كما يرى أن البديل لتقبل عودة الرموز المسيحية والعقيدة المسيحية ما أسماه «البربرية المعادية للكتاب المقدَّس» والتي تتحدى كلاًّ من المسيحية واليهودية، بل والحضارة الغربية ككل. وأخيراً، يُنهي كريستول مقاله بعبارة مهمة: « إن يهود أمريكا عندهم حساسية مبالغ فيها من العداء المسيحي لليهود، وهم لذلك معرَّضون لخطر أن ينسوا أن من حطم الهيكل مرتين ونفى الشعب اليهودي لم يكن العداء المسيحي لليهود، وإنما الوثنيون والبابليون والرومان ». جــورج سـتاينر (1929- ) George Steiner مؤلف وعالم لغوي يعمل حالياً أستاذاً في جامعتي كامبردج وجنيف، من أهم مؤلفاته تولسـتوي أو دوستوديفسـكي (1959)، و موت المأساة (1960) حيث يذهب إلى أن سبب موت المأساة هو المنظومة المعرفية المسيحية ثم الماركسية. أو في اللغة والصمت (1967)، يتناول مسألة التآكل التدريجي للرؤية الإنسانية (الهيومانية) بسبب إفساد اللغة عن طريق الدعاية السياسية والإباحية والماركسية، ومن ثم يصبح الصمت الاستجابة الوحيدة اللائقة لفظائع عصرنا. وفي قلعة بلو بيرد (1971) يبين أن ثمة علاقة بين التجريد الموضوعي الذي يتسم به البحث العلمي وبين عدم اكتراث البشر بالحقائق السياسية الاجتماعية المتعينة. طوَّر ستاينر موضوع اللغة في كتابيه خارج حدود الدولة (1971)، و بعد بابل (1975)، حيث يحاول أن يقدم نموذجاً لعملية الفهم والإدراك. وقد كتب ستاينر رواية مثيرة بعنوان حَمْل أ. هـ إلى سان كريستوبال (1981)، وهي رواية يتخيل مؤلفها أن جماعة من الإسرائيليين تكتشف أن أدولف هتلر (أ.هـ) مختبئ في غابات الأمازون في أمريكا اللاتينية، فتقـوم باختطافه لتحاكمـه على جرائمه ضد البشرية. ولكن عند حدود الغابة، في الرقعة التي تفصل بين الغابة والعالم الذي يُقال له متحضر، يقوم هتلر بالدفاع عن نفسه فيبيِّن أن أفكاراً مثل فكرة « الشعب المختار صاحب الرسالة» هي أفكار وجدها في تراث اليهود الديني، ومادام الرايخ قد ولد إسرائيل، أفليس من الممكن أن يكون هتلر نفسه هو الماشيَّح الحق؟ نورمــان بودورتـــز (1930- ) Norman Podhoretz كاتب أمريكي يهودي، ومحلل سياسي وثقافي. وُلد لأبوين مهاجرين من يهود اليديشية ونشأ في بروكلين (حي اليهود الشهير في نيويورك)، والتحق بكلٍّ من جامعة كولومبيا والكلية اللاهوتية اليهودية. درس على يد ليونيل ترلنج في كولومبيا وعلى يد ف.ر. لفيس في كمبردج. وبعد عودته منها، ترأس تحرير مجلة كومنتاري التي تصدرها اللجنة اليهودية الأمريكية، وكانت هذه المجلة من أهم مجلات المؤسسة الثقافية الشرقية ذات التوجه الليبرالي في الستينيات. ولكن المجلة، شأنها شأن كثير من المثقفين الأمريكيين اليهود والجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، بدأ يسيطر عليها تيار صهيوني، وأخذت تتحرك نحو اليمين إلى أن تخلت تماماً عن ليبراليتها، وأصبحت هي وكُتَّابها من أكبر المدافعين عما يُسمَّى «تيار المحافظين الجدد» الذي يدافع عن الحرب الباردة وعن ضرورة أن تتخذ أمريكا موقفاً نشطاً في سياستها الخارجية وأن تنبذ الاتجاه نحو العزلة. وهذه عبارات تعني في الخطاب السياسي الأمريكي ضرورة أن تقوم الولايات المتحدة بالتدخل العسكري في أي جزء من العالم حينما ترى أن ذلك في مصلحتها ومصلحة الديموقرّاطيات الغربية، وهو موقف يخدم المصالح الصهيونية. وقد طالب تيار المحافظين الجدد بألا تضغط أمريكا على إسرائيل للانسحاب من الضفة والقطاع لتهدئة الرأي العام العالمي. ولكن يجب التنبه إلى أن بودورتز يعبِّر عن اتجاه قوي بين أعضاء المؤسسة الثقافية الأمريكية (من أعضاء الجماعات اليهودية ومن غيرهم)، ولا تشكل يهوديته سوى عنصر فرعي في موقفه قد يفسر حدة موقفه لا أكثر ولا أقل. أما موقفه في ذاته، فهو موقف أمريكي أصوله أمريكية وتوجهه أمريكي، فهو في دفاعه عن إسرائيل لا يتهم أعداءها بالعداء لليهود، وإنما يتهمهم بأنهم معادون للمصالح الأمريكية والحضارة الغربية، أي أنه يضع إسرائيل في سياقها الصحيح. ويُلاحَظ أن بودورتز عدَّل موقفه كثيراً بعد الانتفاضة، إذ قال: "الأمر الواقع لا يمكن له الآن أن يستمر، كما أن بدائل الاحتلال المستمر غير سارة وخطيرة; وألَّف بودورتز كتاباً بعنوان النجاح Making It في عام (1968) ، وهو سيرة ذاتية لإنسان لا يؤمن بأية قيم مطلقة، وإنما يؤمن بالنجاح بأي ثمن. وهو يُطلق على الإصرار على النجاح عبارة «السرّ القذر الذي يخفيه مثقفو نيويورك»؛ فشهوة النجاح لديهم تحل محل الشهوة الجنسية، وهي الدافع الأساسي في حياتهم. |
![]() |
| أدوات الموضوع | |
|
|
![]() |